
البيوت الجاهزة في زوطر الغربية - البيوت الجاهزة خطوة على طريق العودة، لكنها لا تكفي وحدها لإعادة الحياة (رنا جوني)
تُعرّي البيوت الجاهزة في زوطر الغربية واقع العودة، وتكشف هشاشة الدعم المقدَّم للعائلات التي خسرت منازلها في الحرب. وحداتٌ حديدية تسلّمتها عائلات عادت إلى البلدة، لكنها لا توفّر، في شكلها الحالي، أكثر من سقف مؤقت، فيما لا تزال أبسط مقوّمات السكن غائبة عنها.
في بلدة لم تستعد حياتها بعد، لا تزال الغارات الإسرائيلية تطاول أطرافها وأحياءها، فيما تحاول عائلات العودة إليها بعدما أنهكتها أعباء النزوح والإيجارات. لكن العودة إلى زوطر لا تعني بالضرورة استعادة الحياة.
البيوت الجاهزة في زوطر الغربية (رنا جوني)
تجلس هيفاء شقير عند مدخل وحدتها الجاهزة، التي تسلّمتها بعد تدمير منزلها في الحرب. غرفتان صغيرتان وحمام ومطبخ؛ مساحة لا تكاد تتّسع للأثاث الأساسي. تختصر هيفاء واقعها بجملة: "عطونا بيت، بس ما بينسكن فيه".
تحاول تجهيز الوحدة بما تيسّر، وتمضي فيها بعض الوقت رغبةً في استعادة إحساس العودة إلى بلدتها. لكن ضيق المساحة وغياب التهوئة والتكييف يحوّلان الإقامة فيها إلى تجربة شاقة. حتى جلسة فطور مع شقيقتها لا تصمد طويلًا أمام الحرّ. تصف شقيقتها المكان بأنه أشبه بصندوق مغلق يصعب التنفّس داخله.
لا تتّسع الغرف للأثاث الأساسي، ولا شرفة تتيح للعائلة استقبال الزوار أو إيجاد متنفس خارج المساحة الضيقة. أما التدفئة والتبريد والطاقة الشمسية، فتظلّ من التجهيزات التي تنتظرها العائلات، إلى جانب استكمال شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء.
تقودك البيوت الجاهزة إلى العائلات التي عادت إلى زوطر، وتضعك مباشرة أمام سؤال الحياة داخلها. وبابتسامة زوطرانية، يردّد من تسلّموا هذه الوحدات: "ما بتنسكن، بس أحلى من ولا شي الأهم رجعنا".
البيوت الجاهزة في زوطر الغربية (رنا جوني)
بطول سبعة أمتار وعرض ثلاثة أمتار، فُتحت هذه الوحدات أمام عائلات دفعتها ظروف الحرب والنزوح إلى العودة. ظنّت أنها ستتسلّم منازل، فإذا بما تسلّمته يشبه كل شيء إلا المنزل. هكذا يقول عباس ياغي، أحد الذين حصلوا على وحدة جاهزة: "كان مطبخ منزلي أربعة بأربعة أمتار، والبيت لي بدي أسكن فيه سبعة بثلاثة، الحمد لله".
يضحك ياغي في سرّه وهو يفكّر في الأثاث وسائر التفاصيل التي يحتاجها المكان. من الصعب على عائلة أن تعيد بناء حياتها في مساحة بهذا الحجم، من الصعب أيضاً تأمين تكاليف التجهيز في ظل واقع اقتصادي ومعيشي يزداد صعوبة.
البيوت الجاهزة في زوطر الغربية (رنا جوني)
وضع ياغي وحدته على أنقاض منزله المدمّر، وجهّزها بالمياه والصرف الصحي. هنا كان منزله المؤلّف من ثلاث طبقات، تحيط به حقول زيتون واسعة. لم يبقَ له اليوم سوى "ساحة الجوزة" التي اختارها مكاناً لوحدته، ليبقى قريباً من بلدته وحقوله. يقول: "حطّيت البيت هون حتى ضلّني أتأمّل زوطر وزيتونها. البيت لنرجع، بس الأهم إننا نبقى". ويضيف ياغي، لا تختصر العودة بما توفره الوحدة من مساحة أو تجهيزات. يكفيه أن يكون في بلدته، وأن يبقى قريباً من أرضه. يقول: "هيدا واقع رح نعيشه، المهم إننا بضيعتنا".
أما غسان فقيه، الذي وضع وحدته على أنقاض منزله المطلّ على نهر الليطاني، فيرى في العودة تحدّيًا لظروف الحرب، رغم غياب التجهيزات الضرورية. العزل والكهرباء والمياه والشبابيك والأبواب لا تزال احتياجات معلّقة، فيما لم تعد عائلته قادرة على تحمّل كلفة الإيجار. كما يرى فقيه أن الجهات المعنية مطالبة باستكمال تجهيز الوحدات، بعدما باتت كلفة تأهيلها وتأمين مستلزماتها أكبر من قدرة الأهالي.
البيوت الجاهزة في زوطر الغربية (رنا جوني)
نحو 15 وحدة جاهزة دخلت زوطر الغربية، تسلّمتها عائلات خسرت منازلها وكانت تأمل أن تشكّل هذه البيوت بداية لعودة مستقرة. لكن الفارق بين ما انتظرته هذه العائلات وما وجدته على الأرض أعاد طرح سؤال جدوى هذه الوحدات، إذا كانت ستترك من دون مقوّمات السكن الأساسية.
لا يرفض الأهالي هذه الوحدات بقدر ما يعترضون على تركها ناقصة. بالنسبة إليهم، هي أفضل من لا شيء، لكنها لا تصبح بيتاً بمجرد وضعها على أرض البلدة. فالمياه والكهرباء والصرف الصحي والعزل والتجهيزات الأساسية ليست تفاصيل إضافية، هي شروط أولية لعودة يمكن أن تستمر.
بعد نحو شهرين على العودة، لا تزال الحياة في زوطر معلّقة بين الأمن والخدمات. فالبلدة التي وعد أهلها بعودة أفضل تحتاج، قبل أي شيء، إلى مقوّمات تسمح لهم بالبقاء فيها. وهنا يبرز السؤال الذي لا يستطيع الأهالي تجاهله فيما لو كانت هذه هي البلدة النموذجية التي وُعدوا بها.
تشكّل البيوت الجاهزة خطوة على طريق العودة، لكنها لا تكفي وحدها لإعادة الحياة إلى زوطر الغربية. فبين رغبة الأهالي في البقاء، وعجزهم عن تحمّل كلفة استكمال وحداتهم، تبدو العودة ناقصة؛ سقفٌ موجود، لكن البيت لم يكتمل بعد.




الخيام | khiyam.com