الخيام عبر العصور - الجزء الثالث عشر والأخير: الخيام من إعادة رسم الحدود إلى نهاية الحرب العالمية الثانية واستقلال لبنان

المهندس جلال يوسف عبدالله
المهندس جلال يوسف عبدالله


أعادت الحرب العالمية الأولى رسم المجال السياسي الذي عاشت فيه الخيام ومرجعيون قرونًا، إلا أن أثر الحدود الجديدة لم يظهر في الحياة اليومية دفعة واحدة. فقد بقيت الحركة بين القرى والمناطق المحيطة قائمة، وظلت طرق التجارة والاتصال باتجاه فلسطين جزءًا من المجال الذي اعتاده السكان. غير أن مرحلة الانتداب حملت تحولًا تدريجيًا آخر، إذ أصبحت الخيام ومرجعيون جزءًا من منطقة حدودية ذات أهمية إدارية وعسكرية متزايدة.


1. الخيام في ظل الحدود الجديدة

كان موقع الخيام يمنحها أهمية خاصة داخل سهل مرجعيون؛ فهي قريبة من الحولة، وتتصل بالطرق المؤدية جنوبًا، وتقع في موضع مرتفع يشرف على مساحة واسعة من السهل والممرات المحيطة به. ولذلك لم تكن الحدود الجديدة مجرد خط على الخرائط، بل بدأت مع مرور الوقت تؤثر في وظيفة المكان وفي طريقة تعامل السلطات معه.

وفي الوقت نفسه، لم تنقطع الصلات القديمة بين الخيام ومحيطها الجنوبي بصورة فورية. فقد بقيت الحركة المحلية والتجارية ممكنة في مراحل الانتداب، وظل المجال الجغرافي الذي يضم الخيام ومرجعيون والقليعة ودبين والخربة وما يتصل بها جنوبًا وشرقًا مجالًا متداخلًا في حياة السكان.


2. ترسيخ الطابع العسكري للمنطقة

مع ترسخ الحدود الدولية وتزايد أهميتها السياسية والعسكرية، أخذت السلطات الفرنسية تنظر إلى منطقة الخيام ومرجعيون بوصفها موقعًا حدوديًا يستوجب الحماية والمراقبة. وفي هذا السياق أنشأت سلطات الانتداب الفرنسي ثكنة الخيام سنة 1933، فأصبح للموقع وجود عسكري ثابت إلى جانب وظيفته الإدارية والمحلية.

وتشير الوثائق الرسمية إلى أن الثكنة أنشأتها قوات الانتداب الفرنسي سنة 1933، وأنها كانت مقرًا يطل على بلدة الخيام الحدودية. ويؤكد ذلك أن الطابع العسكري للمكان لم يكن نتيجة أحداث ما بعد الحرب العالمية الثانية، بل كان قائمًا قبلها بسنوات.


3. الحرب العالمية الثانية وتحوّل المنطقة إلى مجال دفاعي

مع اندلاع الحرب العالمية الثانية اكتسب موقع الخيام ومرجعيون أهمية أكبر. فقد أصبحت المنطقة جزءًا من المجال العسكري الذي تحركت فيه القوات الفرنسية والبريطانية وقوات الحلفاء خلال حملة سورية ولبنان سنة 1941، ثم تحولت بعد انتهاء العمليات إلى منطقة ذات أهمية دفاعية على الحدود الشمالية لفلسطين.

ولا ينبغي النظر إلى ما جرى في هذه المرحلة بوصفه مجرد استمرار للمنشآت العسكرية السابقة؛ فقد دخلت المنطقة في مرحلة جديدة من التخطيط والتحصين، شملت أعمال المسح والطرق والمواقع الدفاعية والمنشآت الثابتة. وتظهر المصادر العسكرية والجغرافية أن مرجعيون كانت ضمن المناطق التي حظيت باهتمام هندسي وعسكري بعد انتهاء الحملة.


4. السكان والإدارة المحلية بوصفهم شهودًا على مرحلة الإنشاء

ولا تقتصر أهمية المصادر المحلية على الروايات المتأخرة؛ فالمخافر والدرك والمخاتير والحراس والموظفين المحليين كانوا في موقع يسمح لهم بملاحظة الأعمال التي جرت في المنطقة. وكانت أعمال إنشاء المدرجات والتحصينات والمباني العسكرية تتطلب حركة عمال وآليات ومواد وأراضٍ ومياه وطرق نقل، وهي أمور كان يمكن أن تظهر في تقارير المخافر أو المراسلات الإدارية أو سجلات البلديات والدوائر المحلية.

ولهذا فإن الشهادات المحلية لا ينبغي أن تستخدم لإثبات الواقعة منفردة، وإنما لتوجيه البحث إلى الوثيقة التي يمكن أن تؤيدها. فإذا تحدثت الرواية عن نقل الحجارة أو بناء منشأة أو وصول طائرات أو وجود حراس، يصبح من الممكن البحث عن أثر مستقل لهذه الواقعة في سجلات الدرك أو الإدارة أو الصحافة أو الأرشيف العسكري.


5. نهاية الحرب وبداية انتقال السلطة

مع اقتراب نهاية الحرب العالمية الثانية تغيرت وظيفة المنطقة مرة أخرى. فقد تراجع الخطر العسكري المباشر الذي فرضته الحرب، بينما بدأت مؤسسات الدولة اللبنانية تستعيد بصورة متزايدة مسؤولياتها على الأرض. وكانت ثكنة الخيام، التي أنشأتها سلطات الانتداب الفرنسي سنة 1933، من المنشآت التي انتقلت إلى الجيش اللبناني سنة 1943، وهو ما يمثل شاهدًا واضحًا على انتقال جزء من البنية العسكرية من سلطة الانتداب إلى الدولة اللبنانية.

أما المنشآت التي أقيمت خلال الحرب، ومنها المنشآت الجوية والتحصينات والمنشأة الطبية المدفونة، فقد بقيت آثارًا مادية في المنطقة بعد انتهاء العمليات. ولا تعني نهاية الحرب بالضرورة أن جميعها استمر في الخدمة؛ فبعضها فقد وظيفته العسكرية، وبعضها تُرك أو أعيد استخدامه، بينما بقيت آثار أخرى شاهدة على المرحلة التي أنشئت فيها.


6. نهاية المرحلة عند استقلال لبنان

انتهت الحرب العالمية الثانية وبدأ لبنان ينتقل إلى مرحلة الاستقلال الكامل. وفي هذه اللحظة كانت الخيام ومرجعيون قد خرجتا من مرحلة الانتداب والحرب بمنظومة مختلفة عما كانت عليه قبل الحرب: حدود دولية أكثر حضورًا، ومواقع عسكرية ثابتة، ومنشآت دفاعية وجوية وطبية أنشئت استجابة للظروف العسكرية التي فرضتها الحرب.

ومع استقلال لبنان تنتهي مرحلة من تاريخ الخيام: من إعادة رسم الحدود بعد الحرب العالمية الأولى، إلى ترسيخ موقعها الحدودي في عهد الانتداب، ثم تحول سهل مرجعيون والخيام إلى مجال عسكري خلال الحرب العالمية الثانية، وانتهاء الحرب وانتقال البلاد إلى الاستقلال. أما ما جرى بعد ذلك من إغلاق للحدود الجنوبية سنة 1948، وتحول المنطقة تدريجيًا إلى جبهة، ثم الحروب والاحتلالات اللاحقة، فهو مرحلة تاريخية أخرى تستحق أن تدرس في سياقها ومصادرها الخاصة.


خاتمة

تكشف هذه المرحلة أن أهمية الخيام لم تكن وليدة الأحداث اللاحقة، بل امتدادًا لموقع جغرافي اكتسب أهمية متزايدة كلما تغيرت وظيفة الحدود. فالمكان الذي كان جزءًا من مجال مفتوح للحركة بين الخيام ومرجعيون وسوريا وفلسطينأصبح خلال الانتداب موقعًا حدوديًا، ثم تحول أثناء الحرب العالمية الثانية إلى جزء من منظومة دفاعية واسعة. .

ومع نهاية الحرب العالمية الثانية واستقلال لبنان، كانت مرحلة كاملة قد انتهت: مرحلة انتقلت فيها الخيام من فضاء حدودي أعيد رسمه بعد الحرب العالمية الأولى إلى موقع عسكري ذي أهمية استراتيجية، قبل أن تبدأ بعد الاستقلال مرحلة جديدة ستعيد تعريف الحدود الجنوبية ووظيفة المنطقة مرة أخرى.


المصادر الرئيسية للجزء الثالث عشر والأخير

• وثائق الأمم المتحدة المتعلقة بثكنة الخيام، ولا سيما ما يتصل بإنشائها سنة 1933 وتسلم الجيش اللبناني لها سنة 1943.

• الوثائق العسكرية والجغرافية المتعلقة بحملة سورية ولبنان سنة 1941، وما تلاها من أعمال دفاعية ومساحية في منطقة مرجعيون.

• خرائط وصور جوية عسكرية للحرب العالمية الثانية، بما فيها الخرائط البريطانية المتعلقة بمنطقة مرجعيون والخيام.

• السجلات الفرنسية المتعلقة بمرجعيون وجنوب لبنان خلال فترة الانتداب والحرب العالمية الثانية، بما فيها تقارير المخافر والأجهزة المحلية.

• السجلات الأسترالية والبريطانية المتعلقة بالوحدات العسكرية والهندسية والطبية التي عملت في المنطقة خلال الحرب.

• الشهادات والروايات المحلية المتعلقة بالمطار والمنشأة الطبية والتحصينات، للاستئناس بها وتوجيه البحث إلى المصادر الوثائقية.

• المواد الصحفية المحلية والدولية المتعلقة بالأوضاع العسكرية في مرجعيون والخيام خلال الحرب العالمية الثانية.


المهندس جلال يوسف عبدالله


لقراءة كامل الأجزاء عن الخيام عبر العصور:

الخيام عبر العصور - الجزء الأول: حوض مرجعيون الذي سبق الخيام

الخيام عبر العصور - الجزء الثاني: إيون وتل دبين في العصر الحديدي.. مركز الحوض والمنعطف الآشوري

الخيام عبر العصور - الجزء الثالث: عودة تل دبين إلى التاريخ

الخيام عبر العصور - الجزء الرابع: من العصر البيزنطي المتأخر إلى دخول الحوض في المجال الإسلامي

الخيام عبر العصور - الجزء الخامس: مرج عيون في العصر الإسلامي الوسيط

الخيام عبر العصور - الجزء السادس: مراكز الحوض في العصر الوسيط... دبين، أبل السقي والخيام

الخيام عبر العصور - الجزء السابع: من تعدد مراكز الحوض إلى بروز الخيام في السجل العثماني

الخيام عبر العصور - الجزء الثامن: الخيام من قرية موثقة إلى مركز متنامٍ في مرج عيون

الخيام عبر العصور - الجزء التاسع: القرن الثامن عشر.. الخيام ومرج عيون في زمن الزعامات والتحولات الإقليمية

الخيام عبر العصور - الجزء العاشر: القرن التاسع عشر.. الخيام بين تراجع الإقطاع وصعود الزعامة المحلية والدولة العثمانية

الخيام عبر العصور - الجزء الحادي عشر: من أواخر العهد العثماني إلى سقوطه - الخيام في الحرب العالمية الأولى وبداية التحول السياسي

الخيام عبر العصور - الجزء الثاني عشر:ترسيم الحدود.. حين انقسم المجال التاريخي لمرج عيون

الخيام عبر العصور - الجزء الثالث عشر والأخير: الخيام من إعادة رسم الحدود إلى نهاية الحرب العالمية الثانية واستقلال لبنان


تعليقات: