الخيام عبر العصور - الجزء الثامن: الخيام من قرية موثقة إلى مركز متنامٍ في مرج عيون


بعد أن أثبت الجزء السابق وجود الخيام في السجل العثماني، لا تعود الحاجة إلى إثبات أنها كانت قرية قائمة. الجديد في هذه المرحلة هو تتبع نموها الداخلي وازدياد حضورها في المصادر، ثم مقارنة صورتها بالمراكز المحيطة بها، وصولاً إلى القرن التاسع عشر، حين تصبح لدينا أوصاف ميدانية أكثر تفصيلاً.


1. شاهد من القرن الثامن الهجري: الخيام ليست اسماً طارئاً

يوجد لدينا شاهد أقدم وأكثر مباشرة مما ظهر في السجل العثماني.

ففي مخطوطة منسوبة إلى إبراهيم يحيى العاملي ورد أن كتاباً دخل في ملك موسى بن علم الدين عبد الله التنوخي، القاطن في بلدة الخيام، سنة 750 هـ/ 1350 م.

والعبارة الواردة هي:

"لقد دخل هذا الكتاب في ملك موسى بن علم الدين عبد الله التنوخي القاطن في بلدة الخيام في سنة 750 هجرية".

وهذا النص لا يصف الخيام ولا يحدد حجمها، لكنه يقدم شيئاً أكثر مباشرة من الروايات المتأخرة: شخصاً مقيماً في الخيام في منتصف القرن الثامن الهجري.

كما تذكر الرواية المحلية وجود كتابة على بلاطة عين في خراج الخيام، نصها:

"أملاك علم الدين عبد الله وولده موسى".

وإذا صحّ إسناد هذه الشهادة كما نقلتها المصادر، فإنها تضيف إلى النص المكتوب دليلاً مادياً مرتبطاً بالمكان نفسه، وتدل على وجود ملكية محلية مرتبطة بالخيام في تلك الفترة.

وهذا يسبق السجل العثماني بأكثر من قرنين.


2. الخيام في الحياة المحلية لجبل عامل

ولا يظهر اسم الخيام في هذا الشاهد باعتباره اسماً جغرافياً فقط؛ بل يدخل في النسبة الشخصية.

ففي دراسة تناولت أحداث القرن الثامن الهجري المتعلقة بالشيخ محمد بن مكي الجزيني، تنقل عن السيد محسن الأمين وصف نقي الدين الجلي أو الخيامي، وتفسر النسبة بقولها:

"الخيامي (نسبة إلى الخيام إحدى أمهات قرى جبل عامل من قرى مرجعيون)".

والشاهد هنا يعود إلى سياق القرن الثامن الهجري، أي إلى الفترة نفسها التي لدينا منها شهادة الإقامة في الخيام.

وتكمن قيمته في أن اسم الخيام أصبح صالحاً لأن يكون نسبة جغرافية معروفة، وأن المصدر يصفها بأنها من "أمهات قرى جبل عامل".

وهذا أقوى من مجرد القول إنها كانت مأهولة؛ فهو يدل على أن الخيام كانت قد اكتسبت مكانة محلية مميزة بين القرى.


3. الانتقال إلى القرن التاسع عشر: وصف ميداني مباشر

بعد هذه الشواهد الوسيطة، نقفز إلى مصدر من طبيعة مختلفة تماماً: إلي سميث، الذي زار المنطقة سنة 1838.

وقد وصف الخيام بأنها:

“el-Khiyam, a Metawileh, ‘Greek’ Christian and Maronite village in Merj ‘Ayun.”

أي:

"الخيام، قرية للمتاولة وللمسيحيين اليونان والموارنة في مرج عيون".

وهذه العبارة مهمة لسببين.

أولاً، إنها تؤكد استمرار الخيام بوصفها قرية قائمة داخل مرج عيون بعد نحو خمسة قرون من الشاهد الوسيط.

وثانياً، فإن وصف سميث يشير إلى تنوع سكاني وطائفي واضح داخل القرية، وهو عنصر جديد لا يظهر في الشواهد العثمانية المبكرة التي سجلت الخيام كوحدة ضريبية مسلمة.

وهكذا نرى أن الخيام لم تكن ثابتة التركيبة السكانية عبر الزمن، بل تغير مجتمعها الداخلي مع تطور المنطقة.


4. الخيام في منتصف القرن التاسع عشر: قرية ذات حيين

بعد أقل من أربعة عقود، يقدم فيكتور غيران وصفاً أكثر تفصيلاً.

ففي زيارته سنة 1875 كتب:

“El Khiam contains two quarters: the one on the south, with a population of 700 Metawileh, and the other on the north, with 600 Christians...”

أي:

"تتألف الخيام من حيين: أحدهما في الجنوب، ويبلغ سكانه 700 من المتاولة، والآخر في الشمال ويبلغ عدد سكانه 600 مسيحي..."

ثم يفصل أن المسيحيين كانوا من الموارنة والروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك، مع وجود بروتستانت أسسوا كنيسة ومدرسة.

وهنا تظهر معلومة جديدة لا يجوز إغفالها:

الخيام لم تعد مجرد قرية ذات سكان متفرقين؛ بل أصبحت ذات بنية عمرانية داخلية واضحة، مقسمة إلى حيين، ويبلغ مجموع سكانها وفق هذا الوصف نحو 1300 نسمة.

وهذا حجم سكاني مهم بالنسبة إلى قرية في ذلك الزمن، ويشكل دليلاً مباشراً على نموها.


5. العمران والمياه والزراعة

وتقدم مسوحات صندوق استكشاف فلسطين سنة 1881 شاهداً أكثر تفصيلاً على طبيعة الخيام العمرانية والاقتصادية.

فقد وصفها المسح بأنها:

“A village, north-east of the Merj Ayun, built of stone...”

أي:

"قرية إلى الشمال الشرقي من مرج عيون، مبنية بالحجارة..."

ثم يذكر أنها تقع على ظهر منخفض تحيط به أشجار التين والزيتون والأراضي الزراعية.

والأهم أنه يسجل مصادر المياه بالتفصيل:

“The water supply was from three rock-cut cisterns, one birket, and the good spring of ‘Ain ed Derdarah.”

أي:

"وكانت إمدادات المياه من ثلاث صهاريج منحوتة في الصخر، وبركة واحدة، ونبع عين الدردارة الجيد".

هذا الشاهد بالغ الأهمية في سياق بحثنا؛ لأنه يربط العمران بالماء والزراعة.

فالخيام في أواخر القرن التاسع عشر لم تكن مجرد تجمع سكاني كبير؛ بل كانت قرية حجرية مستقرة، ذات أراضٍ زراعية، ومصادر مياه متعددة، وتحيط بها أشجار التين والزيتون.


وهذا يوفر أساساً مادياً لفهم قدرتها على النمو.

6. الخيام والجوار: ليس مركزاً معزولاً

واللافت أن المسح نفسه، عندما ينتقل إلى المواضع المجاورة، يسجل الخربة أيضاً بوصفها قرية حجرية، ويذكر فيها نحو مئة مسيحي، مع التين والزيتون والكروم والأراضي الزراعية، إضافة إلى بركة ونبع قريب.

كما يسجل مواقع أخرى في المجال نفسه، مثل القرى والمزارع الواقعة حول المرج.

وهذا الشاهد لا نستخدمه لإعادة إثبات تعدد قرى الحوض الذي ثبت سابقاً، وإنما لإضافة معلومة جديدة:

في القرن التاسع عشر كان هذا التعدد قد أصبح شبكة فعلية من القرى الزراعية المتجاورة، لكل منها حجمها ومصادر مياهها وأراضيها.

ومن هنا يصبح وزن الخيام قابلاً للمقارنة مع محيطها، بدلاً من النظر إليها منفردة.


7. ماذا تغير في الخيام بين القرن الرابع عشر والتاسع عشر؟

لدينا الآن سلسلة شواهد من أنواع مختلفة:

في 750هـ/1350م يظهر شخص موصوف بأنه "القاطن في بلدة الخيام".

وفي القرن الثامن الهجري توصف الخيام بأنها من:

"أمهات قرى جبل عامل من قرى مرجعيون".

وفي 1838م يسجل إلي سميث وجود الخيام كقرية ضمن مرج عيون ذات تنوع سكاني.

وفي 1875م يصف غيران الخيام بحيين يبلغ مجموع سكانهما نحو 1300 نسمة.

وفي 1881م يصفها المسح الغربي بأنها قرية حجرية ذات أراضٍ زراعية ومصادر مياه متعددة.

إذن الشاهد المتراكم لا يثبت مجرد استمرار الاسم؛ بل يبين نمو الكتلة السكانية والعمرانية والاقتصادية للخيام عبر قرون.


8. لكن هل أصبحت الخيام مركز الحوض؟

هنا يجب أن نتوقف قبل القفز إلى النتيجة التي يبحث عنها هذا البحث.

هذه الشواهد تثبت أن الخيام أصبحت قرية كبيرة وذات وزن واضح، لكنها لا تثبت وحدها أنها أصبحت المركز الإداري لمرج عيون.

فالمسح الغربي نفسه لا يقدمها في 1881 بوصفها «عاصمة» للمرج، بل يصفها كقرية كبيرة داخل المجال.

وهذا مهم لأن الحجم السكاني والعمراني لا يساوي بالضرورة الوظيفة الإدارية.

لذلك نحتاج في المرحلة التالية إلى مصدر مختلف: السجلات الإدارية والقضائية والعثمانية المتأخرة، ثم وثائق القائمقامية والمتصرفية، لمعرفة متى أصبح الثقل الإداري نفسه ينتقل إلى الخيام أو إلى مركز آخر.

وهنا فقط نستطيع الانتقال من إثبات النمو إلى إثبات المركزية.

خلاصة الجزء الثامن

تكشف الشواهد الجديدة عن تطور واضح في مكانة الخيام.

ففي 1350م نجد شهادة مكتوبة تربط شخصاً مقيماً بالخيام، وتظهر ملكية محلية مرتبطة باسمها.

وفي القرن الثامن الهجري توصف بأنها:

"إحدى أمهات قرى جبل عامل من قرى مرجعيون".

ثم، في القرن التاسع عشر، تتحول الشواهد إلى أوصاف ميدانية مباشرة: قرية ذات تنوع سكاني، ثم حيّان، ثم نحو 1300 نسمة في وصف غيران، ثم عمران حجري وأراضٍ زراعية ومصادر مياه متعددة في مسح 1881.

وهذه السلسلة تثبت أن الخيام نمت من قرية معروفة في العصر الوسيط إلى تجمع سكاني وعمراني كبير في القرن التاسع عشر.

لكنها لا تثبت بعد أن هذا النمو كان مصحوباً بانتقال الوظيفة الإدارية من مركز آخر إليها.

وهذا هو الحد الذي يجب أن نتوقف عنده.

الجزء التالي يجب أن يبحث تحديداً في الوظيفة الإدارية والقضائية والسياسية: متى أصبح اسم الخيام مرتبطاً بمركز الحكم المحلي، ومتى أصبح مرج عيون يُدار منها، إن كان ذلك قد حدث فعلاً؟

وهنا ننتقل من تاريخ النمو السكاني للخيام إلى تاريخ صعودها كمركز، دون إعادة أي من الشواهد التي ثبتت في هذا الجزء.


المصادر الرئيسية

1. إبراهيم يحيى العاملي، المخطوطة التي نقلها محسن الأمين في خطط جبل عامل — الشاهد المؤرخ بسنة 750هـ/1350م على إقامة موسى بن علم الدين عبد الله التنوخي في الخيام، وما يرتبط به من نقش عين الخيام. (المعرفة)

2. محسن الأمين، أعيان الشيعة، ج10، ص60 — النسبة إلى الخيام ووصفها بأنها من أمهات قرى جبل عامل من قرى مرجعيون. (مجلة المنافذ الثقافية)

3. Eli Smith & Edward Robinson, Biblical Researches in Palestine, 1838 — الوصف الميداني للخيام ضمن مرج عيون. (Wikipedia)

4. Victor Guérin, Description Géographique, Historique et Archéologique de la Palestine, 1875 — وصف حيي الخيام وتوزع سكانها. (FADA)

5. C. R. Conder & H. H. Kitchener, The Survey of Western Palestine, Vol. I, 1881 — وصف عمران الخيام، سكانها، أراضيها الزراعية، ومصادر مياهها. (FADA)

6. W.-D. Hütteroth & K. Abdulfattah, Historical Geography of Palestine, Transjordan and Southern Syria in the Late 16th Century — السجل العثماني الخاص بالخيام في القرن السادس عشر، وقد سبق استخدام معطياته في الجزء السابق.


المهندس جلال يوسف عبدالله

تعليقات: