يوسف غزاوي: طفولتنا في المدرسة الرسميّة.. مدرّسون أحببناهم


تجربة سلبية لا تُنسى

كنت قد ذكرتُ في كلمة سابقة الأسلوب السيّئ لأحد المدرّسين الذين فُوّضوا بتدريسنا اللغة الفرنسيّة، ولا سيّما في المرحلة المتوسّطة، في المدرسة الرسميّة في بلدة الخيام. وقد علّق بعض الأصدقاء الذين عرفوا هذا المدرّس عن كثب، مؤكّدين ما دوّنتُه حول أسلوبه المستهتر والعبثي وعدم رغبته في إفادتنا.

وقد نقل أحد زملاء الصفّ عنه قوله إنّه جاء «لرعايتنا، وليس لتدريسنا»، في إشارة جارحة تنمّ عن نظرة استعلائية لا تليق بالمربّي ولا برسالته.


مدرّسون تركوا أثراً جميلاً

لكن، ولحسن الحظ، رزقنا الله عزّ وجلّ بمدرّسين مخلصين ومعطائين أحببناهم كثيراً، وأذكر منهم الأستاذ علي «عبدو خليل»، الخلوق المهذّب والغيور على أبناء بلدته ومستواهم العلمي، وكذلك الأستاذ المرحوم عبدالله عبدالله، مدرّس مادّة الرياضيّات، والأستاذ فايز زلزلي، مدرّس مادّة الفيزياء.

واللائحة تطول، لكنني أذكر هنا تحديداً من قام بتدريسنا في المرحلة المتوسّطة.


الأستاذ علي نعيم خريس... أسلوب تربوي مميّز

سأتوقّف عند حادثة جميلة وملفتة دلّت على الروح الإيجابيّة عند هؤلاء المدرّسين، وأعني بذلك الأستاذ علي نعيم خريس، الذي كان مولجاً بتدريس مادّة الجغرافيا.

كان يعمد إلى تصحيح المسابقات أمامنا، وبحضورنا، ونحن ننظر إلى المسابقة الموضوعة أمامه على الطاولة، والهدف من ذلك إطلاعنا على أخطائنا ومناقشتها معنا. ولعمري، كانت طريقة طليعيّة وإيجابيّة وعلميّة بكلّ ما للكلمة من معنى.


جواب طريف... وعلامة كاملة

وخلال إحدى المسابقات، ورد سؤال عن ارتفاع جبل الشيخ «حرمون» عن سطح البحر.

نظر الأستاذ علي إلى إجابتي، التي لم تطابق الارتفاع الوارد في كتاب الجغرافيا، إذ أنقصتُ عدّة أمتار من دون قصد. فقال لي إنّ الإجابة خاطئة وينقصها بضعة أمتار.

فما كان منّي إلّا أن أجيب بسرعة وبديهة لا أعرف من أين أتتني:

«القصف المعادي والمستمرّ على الجبل أثناء الحروب أنقص هذه الأمتار!»

تفاجأ الأستاذ، كما تفاجأت أنا من الجواب، وضحك، ثم وضع إشارة صحّ على الإجابة، لأحصل على العلامة الكاملة على السؤال.


المعلّم يصنع الفارق

ما أودّ قوله من هذه الحادثة هو أنّ أسلوب المدرّس يترك أثراً بالغاً في نفوس التلامذة، سلباً أو إيجاباً؛ فقد يحبط عزائمهم، وقد يشجّعهم على العطاء والطموح والثقة بالنفس.

فكيف إذا كان هؤلاء التلامذة ينتمون إلى طبقة من الفقراء والمنسيّين على أطراف هذا الوطن؟


تحيّة إلى رفاق الدراسة

الشكر لكلّ من يتابع كلماتي باهتمام وتعليق، ولا سيّما أولئك الذين جايلوني في دراستي آنذاك، ثم تفرّقوا في أصقاع الأرض، فطواهم الزمن، وغابت عنّا بعض تفاصيلهم بفعل خيانة الذاكرة.

تعليقات: