الخيام عبر العصور - الجزء السابع: من تعدد مراكز الحوض إلى بروز الخيام في السجل العثماني


أوصلنا الجزء السابق إلى نتيجة مهمة: مرج عيون كان مجالاً متعدد المراكز، تظهر داخله دبين، وأبل السقي، وأبل القمح، والخيام، والجديدة، ولم يكن لدينا بعد ما يسمح بإعلان انتقال المركز من تل دبين إلى الخيام.

لذلك ننتقل الآن إلى مرحلة مختلفة في طبيعة الدليل: السجلات العثمانية. فهي لا تكتفي بذكر أسماء المواضع، بل تسجل السكان والمحاصيل والضرائب، وتسمح لنا للمرة الأولى بمقارنة الوزن الاقتصادي لبعض مراكز الحوض مقارنة مباشرة.


1. الخيام تدخل السجل الإداري العثماني

يقدم السجل العثماني، الذي تعود بياناته إلى أواخر القرن السادس عشر، شاهداً مباشراً على الخيام.

فقد ورد اسمها بصيغة «حيام» (Hiyam) ضمن ناحية تبنين التابعة للواء صفد، وسُجل لها 111 أسرة مسلمة وسبعة عزاب.

ولا تقتصر أهمية السجل على تعداد السكان؛ فهو يسجل أيضاً ما فُرض على القرية من ضرائب على:

القمح، والشعير، وأشجار الزيتون، وكروم العنب، والماعز، وخلايا النحل،

إضافة إلى الإيرادات العرضية، وبلغ مجموع ما سُجل عليها 6,914 آقجة.

وهذا أول شاهد إداري كمي قوي في بحثنا على الخيام.

فهي هنا ليست مجرد قرية يرد اسمها في وصف جغرافي، بل وحدة سكانية وزراعية معترف بها في جهاز الدولة، ذات إنتاج ضريبي محدد. وتبقى مسألة تاريخ ظهورها الأول منفصلة عن ذلك؛ فالسجل لا يقول إنها تأسست في القرن السادس عشر، بل يثبت أنها كانت قائمة ومأهولة ومندمجة في الإدارة العثمانية عند إعداد السجل.


2. والأهم: الخيام ليست وحدها في السجل

تزداد قيمة هذا الشاهد عندما نقارنه بمركز آخر داخل الحوض.

ففي السجل العثماني نفسه تظهر الجديدة باسم Jadida ضمن ناحية تبنين من لواء صفد، ويبلغ عدد سكانها المسجلين 28 أسرة و12 عزباً، وتظهر عليها أيضاً ضرائب زراعية على القمح والشعير والزيتون والكروم والماعز وخلايا النحل، إضافة إلى معصرة للزيت أو دبس العنب، وبلغ مجموع ما سُجل عليها 9,606 آقجة.

وهنا تظهر أمامنا مقارنة مهمة، لكنها يجب أن تُقرأ بدقة.

فالخيام أكبر سكانياً في السجل من الجديدة، بينما تسجل الجديدة إيراداً ضريبياً أعلى. وهذا يعني أن الوزن السكاني والوزن الاقتصادي لم يكونا بالضرورة شيئاً واحداً.

وهذه المقارنة تمنعنا من استخدام عدد السكان وحده لإعلان مركزية قرية على أخرى.


3. وظيفة الأرض تكشف عن طبيعة المجتمع

لا يقدم السجل العثماني مجرد أرقام للسكان، بل يكشف أيضاً عن طبيعة الاقتصاد المحلي.

فالضرائب المفروضة على الخيام شملت القمح والشعير والزيتون والكروم والماعز وخلايا النحل. وهذا يعني أن القرية كانت تقوم على اقتصاد زراعي متنوع يجمع بين الزراعة الحقلية والأشجار والثروة الحيوانية ومنتجات النحل.

والأمر نفسه يظهر في سجل الجديدة.

وبذلك نحصل على شاهد مباشر على أن مراكز الحوض في هذه المرحلة لم تكن مجرد تجمعات سكنية، بل كانت وحدات إنتاج زراعي مرتبطة بالنظام الضريبي العثماني.

وهذا مهم في سياق بحثنا، لأن انتقال مركز الثقل لا ينبغي أن يُقاس بالموقع أو السكان وحدهما، بل أيضاً بقدرة المركز على خدمة المجال الزراعي والاقتصادي المحيط به.


4. الخيام في القرن السادس عشر: قرية كبيرة داخل الحوض

إذا التزمنا بما يثبته السجل فقط، نستطيع القول إن الخيام في أواخر القرن السادس عشر كانت قرية كبيرة نسبياً ومأهولة بصورة مستقرة.

فـ111 أسرة وسبعة عزاب تعني أن السجل لم يكن يسجل موضعاً صغيراً أو تجمعاً عابراً، بل مجتمعاً ريفياً واضحاً له إنتاج زراعي متنوع والتزامات ضريبية منتظمة.

لكن لا يجوز تحويل هذه النتيجة إلى القول إن الخيام أصبحت مركز مرج عيون.

فالسجل الذي بين أيدينا يضع الخيام والجديدة ضمن الإطار الإداري نفسه، ولا يقول إن إحداهما كانت عاصمة للأخرى.

إذن، النتيجة الصحيحة في هذه المرحلة هي:

الخيام أصبحت مركزاً سكانياً واقتصادياً بارزاً داخل الحوض، لكن انتقال المركز الإداري إليها لم يثبت بعد.


5. ماذا عن دبين؟

وهنا تظهر أهمية ما ينقصنا في السجل بقدر أهمية ما يذكره.

فالمصادر التي وصلنا إليها عن سجل القرن السادس عشر تعطينا أرقاماً واضحة للخيام والجديدة، بينما لا نملك في المادة التي اعتمدناها هنا رقماً مماثلاً لدبين يمكن أن نقارن به سكانها أو إنتاجها في السنة نفسها.

ولذلك لا يصح أن نقول إن دبين كانت قد تراجعت تماماً، أو أن الخيام تجاوزتها نهائياً في القرن السادس عشر.

لكن لدينا مقارنة تاريخية مهمة:

في المراحل السابقة كان تل دبين يحمل آثار المركز القديم المرتبط بإيون، بينما في هذا السجل الإداري تظهر الخيام والجديدة كوحدتين سكانيتين وزراعيتين واضحتين.

أي أن مركز الثقل في السجل لم يعد يظهر من خلال الآثار القديمة، بل من خلال قرى مأهولة ومنتجة تدخل في النظام الإداري والضريبي للدولة.

وهذا هو التحول الحقيقي الذي يمكن إثباته.


6. شاهد أقدم على وجود الخيام

لا يعني ظهور الخيام بوضوح في السجل العثماني أن هذا هو تاريخ ظهورها لأول مرة.

فقد وصلتنا إشارة أقدم تعود إلى القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي، حين وصف السيد محسن الأمين نقي الدين الجلي أو الخيامي بأنه:

«نسبة إلى الخيام، إحدى أمهات قرى جبل عامل من قرى مرجعيون».

والأهمية هنا أن النسبة «الخيامي» تفترض وجود اسم الخيام كموضع معروف يمكن الانتساب إليه، بينما وصفها بأنها «إحدى أمهات قرى جبل عامل» يرفعها من مجرد قرية مجهولة إلى قرية ذات شأن في المجال المحلي.

وهكذا تتصل لدينا شهادتان من عصرين مختلفين:

القرن الرابع عشر: الخيام قرية معروفة ذات مكانة بين قرى جبل عامل.

القرن السادس عشر: الخيام وحدة سكانية وزراعية كبيرة مسجلة في الديوان العثماني.

وهذا يوفر أساساً أقوى بكثير لتتبع نمو الخيام من مجرد قرية إلى مركز بارز.


7. هل بدأت المنافسة على مركز الحوض؟

هنا تظهر لأول مرة إمكانية صياغة السؤال بصورة تاريخية قابلة للاختبار.

في المراحل السابقة وجدنا:

دبين تحمل ذاكرة المركز القديم وآثاره.

أبل السقي ارتبطت بتقسيم إداري إسلامي قديم.

الجديدة تظهر كمركز قائم داخل المرج.

الخيام تظهر كواحدة من القرى الرئيسية، ثم تظهر في السجل العثماني كقرية كبيرة ذات قاعدة زراعية قوية.

وهذا يعني أن الحوض أصبح في هذه المرحلة متعدد المراكز بصورة لا يمكن اختزالها في قرية واحدة.

لكننا لا نملك بعد دليلاً يسمح بالقول إن الخيام انتزعت مركزية الحوض من دبين في القرن السادس عشر.

بل إن ما نستطيع قوله بدقة هو أن الخيام أصبحت قوة سكانية واقتصادية واضحة داخل المجال الذي كان يُعرف بمرج عيون.


8. المنعطف التالي: من القرية إلى المركز

يضعنا هذا أمام مرحلة حاسمة.

فإذا كانت الخيام في القرن الرابع عشر من «أمهات قرى جبل عامل»، ثم كانت في القرن السادس عشر قرية ذات 111 أسرة وسبعة عزاب وإنتاج زراعي متنوع، فإن السؤال لم يعد: هل كانت الخيام موجودة؟

هذا السؤال حُسم.

السؤال أصبح:

متى تحولت الخيام من قرية كبيرة داخل مرج عيون إلى مركز إداري واجتماعي واقتصادي للحوض؟

والإجابة يجب ألا نأخذها من حجم الخيام الحالي، ولا من وضعها الحديث، بل من الوثائق الإدارية اللاحقة، وسجلات الدولة العثمانية، ووصف الرحالة، وتغير مركز القضاء، وشهادة السكان والعمران.

وهنا تحديداً يبدأ القرن التاسع عشر في إعطائنا مادة مختلفة وأكثر غنى، لأن الرحالة الأوروبيين والمسوح الجغرافية العثمانية والغربية يبدأون بتسجيل حجم القرى، وسكانها، وأحيائها، وعمرانها، وموقعها داخل مرج عيون.


خلاصة الجزء السابع

يقدم السجل العثماني في أواخر القرن السادس عشر أول شاهد إداري كمي قوي على وزن الخيام داخل الحوض.

فقد سُجلت 111 أسرة و7 عزاب في الخيام، مع ضرائب على القمح والشعير والزيتون والكروم والماعز وخلايا النحل، في حين سُجلت الجديدة 28 أسرة و12 عزباً، مع إنتاج زراعي مشابه وإيراد ضريبي أعلى.

وقبل ذلك بقرنين تقريباً، نجد وصف الخيام بأنها:

«إحدى أمهات قرى جبل عامل من قرى مرجعيون».

وهذا يثبت أن مكانتها لم تبدأ مع السجل العثماني.

لكن الأدلة لا تسمح بعد بالقول إن الخيام أصبحت مركز الحوض في القرن السادس عشر.

النتيجة التي يمكن اعتمادها الآن هي:

بحلول القرن السادس عشر كانت الخيام قرية كبيرة، مستقرة، ذات إنتاج زراعي متنوع، وذات وزن سكاني واضح داخل مرج عيون؛ وقد سبقت ذلك في القرن الرابع عشر مكانة معتبرة جعلت النسبة إليها معروفة، ووُصفت بأنها من أمهات قرى جبل عامل.

وهنا نقترب من المنعطف الذي نبحث عنه فعلاً: متى تحولت هذه القوة السكانية والاقتصادية إلى مركز إداري وعمراني؟


المصادر الرئيسية

Hütteroth & Abdulfattah, Historical Geography of Palestine, Transjordan and Southern Syria in the Late 16th Century — السجل العثماني وأعداد سكان الخيام والجديدة والضرائب المفروضة عليهما.

H. Rhode, Administration and Population of the Sancak of Safed in the Sixteenth Century — دراسة نقدية للسجلات العثمانية في لواء صفد.

محسن الأمين، أعيان الشيعة، ج10 — ذكر نقي الدين الجلي/الخيامي ووصف الخيام بأنها من أمهات قرى جبل عامل من قرى مرجعيون.

محمد جابر آل صفا، تاريخ جبل عامل — السياق السياسي والاجتماعي للقرى والمراكز في جبل عامل.

محمد كرد علي، رحلة إلى جنوبي لبنان عام 1911 — وصف بنية مرج عيون ومراكز الخيام والجديدة وأبل السقي ودبين، ومقارنة وظائفها.

السجلات العثمانية الخاصة بلواء صفد وناحية تبنين — المصدر الإداري المباشر للقرن السادس عشر.

أبرز التصحيحات كانت: «سُجل» بدل «سجل» في المواضع المناسبة، «فُرض» بدل «فرض»، إزالة المسافات الزائدة قبل الأرقام، «فالخيام» بدل «فـالخيام»، «يُقاس» بدل «يقاس»، وتوحيد علامات الاقتباس والترقيم.

تعليقات: