مها عبّود: 23 أيار 2000.. حين سار أبو عدنان نحو المعتقل

المرحوم أبو عدنان عبود حاملا صورة للبائد سعد حداد ليقول له: «زمنك وزمن أمثالك ولّى إلى مزبلة التاريخ ولن يعود، ونبقى نحن أهل الأرض صناع تاريخنا الأشرف في عالم الأحرار»
المرحوم أبو عدنان عبود حاملا صورة للبائد سعد حداد ليقول له: «زمنك وزمن أمثالك ولّى إلى مزبلة التاريخ ولن يعود، ونبقى نحن أهل الأرض صناع تاريخنا الأشرف في عالم الأحرار»


23 أيار 2000... ويَبزغ فجر آخر عظيم للحرية.

تحرّر معتقل الخيام، وسقطت إلى الأبد أسطورة ذلك المكان بما حمله من قهر وسجّانين ومجرمين.

كلما أستعيد ذلك اليوم، تتوالى المشاهد في خاطري واحداً تلو الآخر: خوف، صراخ، فرح، نداءات، أهازيج، سجود، أيدٍ مرفوعة نحو السماء، زغاريد، عناقات، قفز في الهواء، ووجوه كثيرة لا تُنسى... والدي، وراني بزّي، والكثير الكثير. لكن الأهم من كل ذلك أن النصر تحقق بفضل الله.

المشهد الأبقى في ذاكرتي

أما المشهد الذي بقي الأوضح والأعمق في ذاكرتي، فكان والدي.

في ذلك اليوم، سار خليل صالح عبّود بخطوات واثقة جداً نحو هدف واحد محدد: المعتقل.

لم يسأل أحداً، ولم يتردد لحظة، وكأنه كان ينتظر تلك اللحظة منذ سنوات ليختصر فيها كل نضال حياته في موقف واحد لن يُنسى.

مشى مشيته المعهودة، ويداه خلف ظهره، وعيناه نحو الأرض، كأنه يحدّثها أو يذكّرها بعهود قديمة بينهما.

لم يتفوّه بكلمة.

ناديته: «إلى أين؟»

فأجاب بكلمة واحدة: «الحقيني».

في مواجهة السجّان

لحقته حتى وصل إلى كوع المعتقل، حيث كانت تقف الملالة وعليها أحد العناصر محتمياً بسلاحه.

تقدّم والدي نحوه، وقال له بثبات: «افتح الأبواب».

فأجابه السجّان بخوف: «إذا فتحنا الأبواب بيقتلونا».

فردّ والدي: «عطيني المفاتيح، وأنا بفتح الأبواب... وإنت فل».

رجوته أكثر من مرة: «يا بيّي، انتبه... مش ناقصنا يصير شي بآخر دقيقة».

وكان جوابه دائماً: «تخافيش».

ولم يكن هذا الجواب غريباً عنه، فأنا فعلاً لم أره يوماً يخاف شيئاً.

أبو عدنان... و«غنائم» لها معنى

كان ذلك يوماً غير عادي، محفوراً في الذاكرة بكل ما حمله من صلابة وإقدام وشجاعة وثبات على مبادئ لم تتغير.

وصل أبو عدنان إلى المعتقل، لكن ما كان في رأسه يختلف قليلاً عمّا كان يشغل بقية الشباب. فبينما انصرفوا إلى تكسير الأقفال وفتح الزنازين، قرر هو، وكان يومها في الثانية والسبعين من عمره، أن يحتفظ بثلاثة أشياء حملت بالنسبة إليه رمزية خاصة ورسالة واضحة.

أخذ معه:

قفل زنزانة كُسر قيدها بعد أكثر من ثمانية عشر عاماً من النضال.

أصفاداً «كلبشات» تكسرت أمام إرادة سجناء أبطال.

صورة لسعد حداد، ليقول له ولأمثاله:

«زمنكم ولّى إلى مزبلة التاريخ، ولن يعود. ونحن، أهل الأرض، نبقى صُنّاع تاريخنا في عالم الأحرار».

فرحة لم نرها من قبل

في ذلك اليوم عاد أبو عدنان إلى منزله، وللمرة الأولى رأيناه بتلك الفرحة الكبيرة، فرحة كانت تختزن في داخلها الكثير من الإباء والكرامة والرجولة.

كان يوم 23 أيار بالنسبة إليه أكثر من يوم تحرير لمعتقل. كان لحظة انتصار لذاكرة كاملة، ولنضال طويل، ولإيمان راسخ بأن الأرض تبقى لأهلها مهما طال الزمن.

مها خليل عبّود

تعليقات: