الخيام عبر العصور - الجزء الثالث: عودة تل دبين إلى التاريخ


بعد إيون: انقطاع السجل وعودة تل دبين إلى التاريخ

انتهت المرحلة السابقة عند الحملة الآشورية التي غيّرت وضع إيون ومحيطها. وبعدها لا نجد في المصادر التي بين أيدينا سلسلة تاريخية متصلة تروي مصير المدينة. وهنا تتغير طبيعة البحث: فبدلاً من تتبع المدينة من خلال أخبار الملوك والحملات، نضطر إلى العودة إلى الموقع نفسه، وما بقي فيه من شواهد عمرانية وأثرية.


1. فجوة بعد العصر الآشوري

تشير البيانات الأثرية المنشورة عن تل دبين إلى أنه لا يظهر فيه دليل واضح على استمرار الاستيطان بعد المرحلة الآشورية، إلى أن تعود الشواهد نحو القرن الخامس قبل الميلاد. وهذا يجعل الفاصل بين الحملة الآشورية وعودة الاستيطان في الموقع فجوة حقيقية في السجل الأثري، لا مجرد انقطاع في الروايات المكتوبة.

لكن هذه النتيجة يجب أن تبقى محدودة بما يثبته الشاهد: الفجوة تخص الدليل المتاح في تل دبين، ولا تعني أن حوض مرج عيون كله خلا من السكان. فليس لدينا في هذه المرحلة دليل يسمح بتعميم ما حدث في التل على كامل الحوض.

وهذا التمييز مهم، لأننا نبحث في تاريخ الحوض كوحدة، وليس في تاريخ تل دبين وحده.


2. ما بقي من المدينة القديمة

بعد قرون طويلة من انقطاع الأخبار، عاد تل دبين إلى السجل من خلال الرحلات الاستكشافية الحديثة.

وقد وصل إدوارد روبنسون إلى مرج عيون سنة 1838، ووصف تل دبين بوصفه موقعاً مرتفعاً في الجزء الشمالي من السهل. ثم سجل وجود بقايا عمرانية واضحة في الموقع. وتنقل المراجع التي اعتمدت على مشاهدته وصفه للمكان بأنه يحتوي على:

“traces ... of a large and ancient city”

أي: «آثار مدينة كبيرة وقديمة».

كما يربط روبنسون الموقع بإيون القديمة.

وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من أن روبنسون لم يجد مدينة قائمة يمكن أن تفسر لنا استمرارية العمران، بل وجد بقايا مركز قديم؛ وهو ما ينسجم مع وجود فجوة طويلة في الأخبار المباشرة عن إيون.


3. الموقع الذي عاد إلى الحياة

بعد هذه الفجوة، تظهر الشواهد الأثرية من جديد في تل دبين.

فالمسح الأثري المنشور للموقع يسجل عودة الاستيطان في حدود القرن الخامس قبل الميلاد، ثم يشير إلى أن الموقع استقر فيه لاحقاً سكان ذوو صلة بالبيئة اليونانية ـ الفينيقية.

وهنا لدينا أول تحول واضح في طبيعة الشاهد:

لم تعد إيون تظهر لنا كمدينة من خلال سجل ملكي أو رواية حرب؛ بل يعود الموقع نفسه إلى الظهور من خلال طبقة استيطان جديدة.

وهذا لا يسمح لنا بالقول إن سكان هذه المرحلة هم أنفسهم سكان إيون الذين رحّلهم الآشوريون، ولا أن المدينة استمرت دون انقطاع تحت اسم جديد. الشاهد لا يقول ذلك.

لكنه يثبت أن تل دبين عاد إلى الاستعمال بعد الفجوة.


4. العصر الهلنستي: مركز في بيئة جديدة

تصف المعطيات الأثرية المنشورة المرحلة التالية بأنها مرحلة استقرار يوناني ـ فينيقي، وتربط الموقع بنشاط تجاري.

وهذه المعلومة تستحق التوقف عندها لأنها تقدم لنا أول دليل على تغير وظيفة المركز منذ العصر الحديدي.

ففي المرحلة السابقة، كانت قيمة إيون تظهر في المصادر من خلال موقعها في الصراعات. أما في هذه المرحلة، فالشاهد الذي يصل إلينا من الموقع نفسه يرتبط بالاستقرار والتبادل التجاري.

وهذا لا يعني أن الوظيفة السياسية أو الدفاعية اختفت، وإنما يعني أن النشاط الاقتصادي أصبح جانباً يمكن إثباته من خلال الأدلة المتاحة.


5. الموقع الروماني وشاهد الحركة التجارية

يصبح هذا الجانب أكثر وضوحاً في العصر الروماني.

فالسجل الأثري المنشور عن تل دبين يصف الموقع بأنه ازدهر في العصر الروماني بوصفه نقطة عبور للتجار.

وهذه شهادة مختلفة تماماً عن شهادات العصر الحديدي.

فالموقع الذي عرفناه أولاً من خلال أخبار الجيوش أصبح في العصر الروماني مرتبطاً بحركة الأشخاص والبضائع. وبذلك لا يكون استمرار تل دبين مجرد استمرار للسكن، وإنما استمرار لوظيفة اقتصادية داخل شبكة الحركة الإقليمية.

وهنا تلتقي الشهادة الأثرية مع طبيعة الموقع التي سجلتها المسوحات الجغرافية: فتل دبين قائم على ارتفاع بارز في السهل، وتصفه أعمال المسح بأنه موقع يشرف على المرج ويقع على محور الطريق الذي يصل صيدا بدمشق.

وبذلك لا نحتاج إلى افتراض سبب جديد لأهميته؛ فالشاهد الأثري عن التجارة يأتي متوافقاً مع الموقع الجغرافي الذي سبق إثباته.


6. استمرار الموقع في العصر البيزنطي

لا ينتهي الاستيطان في تل دبين مع نهاية العصر الروماني.

فمن الشواهد المادية التي تسجلها المصادر الأثرية العثور على عملات بيزنطية في المنطقة، وهي قرينة مباشرة على استمرار استخدام الموقع في المرحلة البيزنطية.

لكن الشاهد نفسه يقودنا إلى تحول آخر؛ إذ تشير المعطيات المنشورة إلى أن أهمية التل وعدد سكانه بدأا بالتراجع في العصر البيزنطي.

وهنا تظهر أول علامة مادية في تسلسلنا على أن المركز القديم بدأ يفقد وزنه.

ولا ينبغي أن نضيف إلى هذه النتيجة أكثر مما تحتمل.

فالعملة تثبت وجوداً في المرحلة البيزنطية، والمعطيات الأثرية تشير إلى التراجع؛ لكنها لا تخبرنا أين ذهب السكان، ولا أي موقع داخل الحوض حل محل تل دبين.

ولهذا لا ننتقل بعد إلى الخيام.


7. شهادة جغرافية تحفظ اسم عيون

وفي موازاة الشاهد الأثري، استمر اسم عيون في الجغرافيا المحلية.

فالمسح الغربي لفلسطين، عند حديثه عن مرج عيون، يسجل صراحة أن اسم Ayūn هو المقابل العربي للاسم الكتابي Ijon، ويقول:

“The name Ayūn, according to Dr. Robinson, is the equivalent, in Arabic, for the Hebrew Ijon of the Bible.”

أي «اسم عيون، بحسب الدكتور روبنسون، هو المقابل العربي للاسم العبري إيون الوارد في الكتاب المقدس».

ثم يضيف:

“The ancient city of Ijon is identified with Tell Dibbin.”

أي «تُحدَّد مدينة إيون القديمة بتل دبين».

وهذا الشاهد لا يضيف مرحلة سياسية جديدة إلى تاريخ إيون، ولذلك لا نستخدمه لإعادة ما سبق؛ إنما يثبت شيئاً مختلفاً يخص هذه المرحلة من البحث: أن الاسم القديم لم يختفِ من المجال الجغرافي، بل بقي محفوظاً في اسم الحوض نفسه، حتى بعد أن تراجع المركز القديم.


8. ماذا نستطيع أن نقول عند نهاية هذه المرحلة؟

عندما نجمع الشواهد الجديدة فقط، دون إعادة ما ثبت في الجزأين السابقين، يظهر أمامنا تسلسل واضح:

بعد العصر الآشوري: فجوة في الدليل الأثري عن الاستيطان في تل دبين.

ثم نحو القرن الخامس قبل الميلاد: عودة الشواهد الاستيطانية إلى الموقع.

ثم الفترة الهلنستية: استقرار يوناني ـ فينيقي ونشاط تجاري.

ثم الفترة الرومانية: ازدهار الموقع وارتباطه بحركة التجار.

ثم الفترة البيزنطية: استمرار الاستيطان، وهو ما تؤكده العملات، مع بداية تراجع أهمية الموقع وعدد سكانه.

وفي الوقت نفسه، ظل اسم عيون محفوظاً في اسم الحوض.

إذن، لا نستطيع القول إن تاريخ تل دبين انتهى بعد إيون، كما لا نستطيع القول إن المركز بقي ثابتاً على حاله.

والشواهد تقودنا إلى نتيجة أكثر دقة:

مرّ مركز الحوض القديم بمرحلة انقطاع، ثم عاد إلى الاستيطان في سياق تاريخي جديد، واستمر قروناً بوظائف اقتصادية وتجارية، قبل أن تبدأ أهميته بالتراجع في العصر البيزنطي.

وهنا فقط يصبح الانتقال إلى المرحلة التالية مبرراً.

فإذا كان تل دبين قد بدأ يتراجع، فإن السؤال التالي ليس بعدُ: متى ظهرت الخيام؟ وإنما:

كيف كان حال حوض مرج عيون في المرحلة التي أعقبت تراجع تل دبين، وما هي المراكز التي تظهر في المصادر البيزنطية المتأخرة والإسلامية المبكرة؟

وهذا هو المنعطف الذي سنبدأ منه الجزء الرابع.

مصادر الجزء الثالث

السجل الأثري المنشور لتل دبين — شواهد الاستيطان في الفترات الفارسية المتأخرة والهلنستية والرومانية والبيزنطية، بما فيها العملات البيزنطية وعلامات تراجع الموقع.

Edward Robinson & Eli Smith, Biblical Researches in Palestine, Mount Sinai and Arabia Petraea, Vol. III — المشاهدة الميدانية لتل دبين وبقايا المدينة القديمة وربطها بإيون.

Palestine Exploration Fund, The Survey of Western Palestine — وصف مرج عيون، وحفظ اسم إيون في اسم عيون، وتحديد تل دبين بموقع المدينة القديمة.

Mélanges de l’Université Saint-Joseph, Vol. 42–43 — من المصادر الأثرية الأساسية المتعلقة بتل دبين وتسلسل الاستيطان في الموقع.

Raphael Frankel, “The Northwest Corner of Eretz-Israel in the Baraita ‘Boundaries of Eretz-Israel’,” Cathedra, 1983 — دراسة الشواهد الجغرافية المتأخرة المرتبطة بمنطقة عيون.

Journal of the Royal Geographical Society, 1854 — وصف الرحلة إلى مرج عيون وتل دبين، وبقايا المدينة القديمة عند قاعدة التل، وصلته بالطريق القادم من صيدا إلى حاصبيا.

المهندس جلال يوسف عبدالله

 تل دبين
تل دبين


تعليقات: