جلال عبدالله: الخيام كما رآها إدوارد روبنسون وإيلي سميث عام 1838


في سياق توثيق ذاكرة الخيام واستعادة ما أمكن من صورها القديمة، قبل أن تتبدل ملامحها بفعل الحروب والتدمير المتكرر، نعيد نشر هذا النص النادر الذي يسجل وصفاً مباشراً للبلدة ومرجعيون والمنطقة المحيطة بها في النصف الأول من القرن التاسع عشر.


يعود النص إلى رحلة المستشرق والجغرافي الأمريكي إدوارد روبنسون (Edward Robinson, 1794–1863) إلى فلسطين ولبنان وسورية سنة 1838، برفقة المبشر واللغوي الأمريكي إيلي سميث (Eli Smith, 1801–1857)، الذي كان رفيقه ومترجمه ودليله خلال الرحلة. وقد اعتمد روبنسون وسميث في إعداد عملهما على اليوميات الأصلية التي دوّناها أثناء الرحلة.

ونُشرت نتائج هذه الرحلة في الكتاب الشهير:

Edward Robinson & Eli Smith, Biblical Researches in Palestine, Mount Sinai and Arabia Petraea: A Journal of Travels in the Year 1838،

وقد صدر في ثلاثة مجلدات سنة 1841 عن John Murray في لندن، كما صدرت له طبعات أمريكية في العام نفسه. ويُعد هذا العمل من أبرز كتب الرحلات والدراسات الجغرافية والتاريخية التي تناولت فلسطين وبلاد الشام في القرن التاسع عشر، وقد كان لروبنسون دور بارز في تطوير الدراسة الجغرافية التاريخية للمواقع الواردة في المصادر القديمة.

وتكتسب الصفحات المتعلقة بـمرج عيون والخيام أهمية خاصة بالنسبة إلى ذاكرة المدينة؛ فهي لا تقدم وصفاً عابراً لمكان مرّ به الرحالة، بل تسجل تفاصيل ميدانية دقيقة: الطرق والمسافات، السهل ومجاري المياه، الدردارة ومراعي مرج عيون، تل دبّين وآثاره، ثم الصعود إلى الخيام، وموقع البلدة، وعدد سكانها وتكوينهم الطائفي، ووجود مدرسة إنجيلية فيها، فضلاً عن وصف المشهد الذي كان يحيط بها في ذلك الزمن، وفي مقدمته جبل الشيخ وحرمون.

ويذكر النص، على سبيل المثال، أن الخيام كانت في ذلك الوقت البلدة الرئيسية في مرجعيون، وأن عدد الذكور البالغين فيها كان يقدّر بنحو خمسمئة، ومن ثم قُدّر مجموع سكانها بنحو ألفي نسمة، وكان معظمهم من المتاولة، مع وجود أقلية من الأرثوذكس والكاثوليك، وقد اعتنق بعضهم البروتستانتية، فكانت لهم مدرسة إنجيلية.

والأهمية الخاصة لهذا النص اليوم أنه يقدم لنا صورة مكتوبة للخيام والمنطقة المحيطة بها قبل نحو قرنين؛ صورة لا تعتمد على ذاكرة متأخرة أو رواية منقولة، وإنما على ملاحظات رحالة دوّنها أثناء وجوده في المكان نفسه، وسجل فيها ما شاهده وقاسه وسمعه.

وقد حافظنا في النص المنشور أدناه على تسلسل الرحلة وتفاصيلها كما وردت في المادة الأصلية المتاحة لدينا، بما في ذلك الأوقات والمسافات والأوصاف الجغرافية والملاحظات المتعلقة بالقرى والينابيع والطرق والآثار والسكان، من مرج عيون والدردارة وتل دبّين وصولاً إلى الخيام، ثم متابعة الرحلة شمالاً نحو الحولة.

والمقصود من إعادة نشر هذه المادة ليس تقديم قراءة معاصرة للتاريخ، وإنما إتاحة وثيقة قديمة من وثائق ذاكرة الخيام أمام أبناء المدينة والباحثين والمهتمين بتاريخها؛ ففي زمن تتعرض فيه معالم المكان وذاكرته لخطر المحو، تصبح الشهادات التي تركها من زاروا هذه الأرض قبل أجيال وثائق لا تقل أهمية عن الصور والخرائط والسجلات.

المصدر الأصلي:

Edward Robinson & Eli Smith, Biblical Researches in Palestine, Mount Sinai and Arabia Petraea: A Journal of Travels in the Year 1838, Vol. III, London, John Murray, 1841.

تاريخ الرحلة:1883.

تاريخ نشر الكتاب:1841.

المؤلفان: إدوارد روبنسون وإيلي سميث.

طبيعة المصدر: يوميات رحلة ميدانية أُعدت من اليوميات الأصلية للرحلة.

والنص التالي هو القسم المتعلق بالرحلة عبر مرج عيون – الدردارة – تل دبّين – الخيام وما تلاه من الطريق نحو الحولة.


من حونين إلى مرج عيون

تركنا قرية حونين، ثم عبرنا عدة ظهور وأودية، منها وادٍ ينحدر باتجاه آبل فالدردارة. وكانت آبل قائمة على تل يسترعي الانتباه ببروزه إلى الجنوب تحت القمة، وهي على الجانب الأيمن من الدردارة، وهو جدول يأتي من مرج عيون. ومن مكاننا كنا نرى الهوة العميقة الضيقة التي يجري فيها الجدول كأنها اصطناعية.

وينبع الجدول من المرج شرقي قرية المطلة، ثم ينعطف كثيراً إلى الغرب بين القريتين آبل القمح والمطلة، ويتابع نزوله غرب آبل، التي تسمى أحياناً آبل القمح نظراً لجودة قمحها.

وفي الساعة العاشرة وصلنا إلى ظهر المرج، وأشرفنا منه على اتساعه. وكان سهلاً جميلاً بيضي الشكل، تحيط به تلال قليلة الارتفاع. وبلغ قطره الأطول، من الشمال والشمال الغربي إلى الجنوب والجنوب الشرقي، نحو ثلاثة أميال، وعرضه نحو ميلين. وكانت صفوف التلال المحيطة به تفصله عن وادي التيم من الشرق وعن وادي الليطاني من الغرب.

وكان السهل كله مستوياً كالأرض المبلطة، غزير الري، وأكثره محروثاً، وقد ترك قسم منه مراعٍ، ووراء منتصفه غابة من الأشجار والعليق. فتوقفنا حيث نحن عشرين دقيقة طلباً للراحة.

وفي الساعة العاشرة والدقيقة الخامسة والعشرين نزلنا إلى المرج، ثم قطعنا الطريق الكبير الذي يتجه من الحولة ماراً بالمطلة إلى جسر الخردلة. أما الطريق الذي كنا نسير عليه فكان يؤدي رأساً إلى الخيام الواقعة على الآكام الشمالية الشرقية.

وفي الساعة العاشرة والدقيقة الخامسة والخمسين عبرنا جدولاً صغيراً يجري من الغرب.

وفي الساعة الحادية عشرة والدقيقة العاشرة كنا على جدول المرج الرئيسي، حيث رأينا بعض الرجال يغسلون غنماً في بركة تجمع ماؤها من السد الذي بني في مجرى الجدول تحت الطريق لري السهل.

ولم نتمكن من عبور الجدول عند الطريق لعمقه، فاضطررنا إلى الصعود على ضفته الغربية وسط الحقول، حيث كان الفلاحون دائبين على العمل، إلى أن عثرنا على معبر سهل حيث يخف المجرى ويكثر الوحل. فعبرناه ورجعنا إلى طريقنا الساعة الحادية عشرة والدقيقة الثلاثين، وقد أسفنا لضياع عشر دقائق في دورتنا هذه.

ولم نلبث أن وصلنا إلى ينبوع، حططنا عنده الرحال، وجلسنا نتمتع بقليل من الراحة ونتناول طعام الظهر تحت ظلال أشجار التين الوارفة.


مراعي المرج والدردارة

كنا الآن قبالة مراعي المرج، مع انحراف قليل إلى اليسار. وفي المراعي خيل كثيرة ترعى معقولة، وربما كانت تخص الحكومة، وبالقرب منها عدة خيم للقائمين على حراستها.

وقطعنا قسماً من البقعة، فأعجبتنا بوفرة المرعى والنفل الأبيض الذي يبلغ علوه في بعض الأماكن ثماني بوصات، أي نحو عشرين سنتيمتراً. ورأينا مثله البارحة حول قرية قدس.

ولأول مرة عثرنا على الحور الفضي الطويل في هذا الإقليم، وهو يكثر في جوار دمشق.

وفي الساعة الثانية عشرة والدقيقة الثلاثين تابعنا سيرنا، فصدفنا عن طريق الخيام واتجهنا إلى اليسار عن طريق الجديدة لزيارة التل الكبير في طرف المرج الشمالي الغربي.

وبعد مسير لحوالي عشر دقائق كنا قبالة ينبوع المرج الكبير الذي يقع في شمال غابة الأشجار عن يسارنا.

وكان إلى يسارنا حوض ماء كبير، أو بالحري جدار منيع أو سد متهدم، تحته ينابيع غزيرة تنبجس من تحت ضفة منخفضة. ويتضح من بنائه في تلك النقطة أن القصد منه رفع ودفع الماء إلى علو كافٍ لإدارة الطواحين أو لري سائر أنحاء السهل.

ومررنا بالمكان في الأسبوع التالي، فعرفنا اسم النبع الرئيسي: بركة الدردارة.


الطريق إلى تل دبّين

تابعنا سيرنا إلى التل الكبير في طرف المرج الشمالي الغربي. وبعد بضع دقائق كنا نعبر السهل كيفما تسنى لنا، إذ لم يكن أمامنا طريق مباشر إلى التل.

وفي الساعة الواحدة والدقيقة الخامسة عبرنا، بعد جهد ومشقة، نهيراً جارياً من لسان ضيق في السهل إلى الشمال الشرقي.

ووصلنا سفح التل الساعة الواحدة والدقيقة العاشرة. وكان يعرف بتل دبّين، وكانت قرية تبعد عنه قليلاً، وكان يسمى أيضاً تل ناما.

وفي الشمال والشمال الشرقي من السهل، عند سفح التل، كانت آثار أطلال عثرنا بينها على قطع أعمدة.

وكان مرتقى التل من هذه الناحية شديد الانحدار، أما سطحه فكان بقعة مستوية متسعة محروثة، عليها آثار أكوام من الحجارة، كأنها أبنية سابقة أو ربما كانت جدراناً في الجهتين الشرقية والغربية.

وكان ارتفاع التل مئة وعشر أقدام فوق السهل، حسب القياسات التي دونها الدكتور فورست، أي نحو 33.5 متراً.

وبجانب سفح التل الشرقي كان يمر الطريق الكبير الصاعد من جسر الخردلة إلى صيدا فحاصبيا ودمشق. وكان هذا الطريق أوفق وأسهل طريق بين دمشق والساحل، وربما كان الطريق الوحيد الذي يصلح أن يحول إلى طريق للمركبات.


تل دبّين

الساعة الثانية عشرة والدقيقة الثلاثين تابعنا سيرنا، فصدفنا عن طريق الخيام واتجهنا إلى اليسار عن طريق الجديدة لزيارة التل الكبير في طرف المرج الشمالي الغربي.

بعد بضع دقائق كنا نعبر السهل كيفما تسنى لنا، إذ لم يكن أمامنا طريق مباشر إلى التل.

الساعة الواحدة والدقيقة الخامسة عبرنا، بعد جهد ومشقة، نهيراً جارياً من لسان ضيق في السهل إلى الشمال الشرقي، ووصلنا سفح التل الساعة الواحدة والدقيقة العاشرة.

ويُعرف بتل دّبين، وهي قرية تبعد عنه قليلاً، ويُسمى أيضاً تل ناما.

في الشمال والشمال الشرقي من السهل، عند سفح التل، آثار أطلال، عثرنا بينها على قطع أعمدة. مرتقى التل من هذه الناحية شديد الانحدار، سطحه بقعة مستوية متسعة محروثة، عليها آثار أكوام من الحجارة، كأنها أبنية سابقة أو ربما كانت جدراناً في الجهتين الشرقية والغربية.

بجانب سفح التل الشرقي يمر الطريق الكبير الصاعد من جسر الخردلة إلى صيدا فحاصبيا ودمشق، وهو أوفق وأسهل طريق بين دمشق والساحل، وربما الطريق الوحيد الذي يصلح أن يحول إلى طريق للمركبات.

يصلح تل دبين أن يكون موقعاً فخماً لبناء مدينة عليه، ولأنه يشرف على سائر المرج ويتحكم بأحد الطرق العظمى بين شاطئ البحر والداخل.

وتوجد آثار واضحة لا ريب في صحتها تدل على وجود مدينة في أزمنة غارقة في القدم. ربما لا نخطئ إذا اعتبرناها موقع مدينة عيون القديمة.

وكلمة عيون أصيلة في اللغة العربية، وقد ذكرت مرتين أنها بين هذه المدن المجاورة لها، وهي في أقصى الشمال منها.

ولما غزا تغلث فلاسر البلاد، سبى أهالي عيون وآبل ويانوح وحاصور، ومنذ ذلك الحين لم يرد لها ذكر، ولم يبق ما يدل على موقعها سوى تلها وبضع بقع منها.

من الجديدة إلى الخيام

بعد أن تركنا جديدة مرجعيون، ضربنا عبر الحقول باتجاه الجنوب الشرقي. وكان قصدنا الوصول إلى التل ومتابعة الطريق عليه. وفي طريقنا واصلنا السير حتى بلغنا، عند الساعة الخامسة والدقيقة الخامسة والأربعين، موضعاً تجاه سد الينبوع الكبير، أو نبع الحمّام، وحوضه المهدمين.

وكانت المسافة المستقيمة بين الجديدة والخيام نحو ثلاثة أميال.

والخيام هي البلدة الرئيسية في مرجعيون. وكان يقدَّر عدد الذكور البالغين فيها بخمسمئة نفس، فيكون عدد سكانها، نسبة إلى ذلك، نحو ألفي نفس، وكان أكثرهم من المتاولة.

أما الأرثوذكس والكاثوليك فكان عددهم قليلاً، وقد اعتنق بضعة منهم البروتستانتية، ففتحت لهم مدرسة إنجيلية.

وهكذا كانت الخيام، عند وصولنا إليها، بلدة رئيسية في مرجعيون، يغلب على سكانها المتاولة، مع وجود أقلية مسيحية من الأرثوذكس والكاثوليك، وقد ظهر بين بعض أفراد هذه الأقلية اتجاه إلى البروتستانتية، وارتبط بذلك وجود المدرسة الإنجيلية التي كانت قائمة قبل الزيارة.

ونصبنا خيامنا بين البيادر، وقضينا ليلتنا هناك.

وكانت الخيام قائمة في موضع مرتفع يشرف على مرج عيون من جهة الغرب، وعلى وادي التيم والجزء الأعلى من الحولة من جهة الشرق. ومن هذا الموضع كان المشهد ينفتح على السهل والمرتفعات المحيطة به.

وكان جبل الشيخ، حرمون المذكور في الكتاب المقدس، ماثلاً أمامنا بمرتفعاته العالية وقممه المغطاة بالثلوج. وكان للجبل قمتان، وكانت القمة الشمالية الشرقية منهما هي الأعلى.

وكانت القمم الثلجية لجبل الشيخ ظاهرة فوق المنطقة المحيطة، وبقي الجبل أبرز معالم المشهد من موضع الخيام، فيما كان المرج يمتد إلى الغرب، ووادي التيم والحولة إلى الشرق.

وفي صباح اليوم التالي غادرنا الخيام، متجهين نحو الحولة، لمتابعة رحلتنا في البلاد الواقعة إلى الشمال.

وعبرنا الحاصباني في مجراه العميق، إلى الشمال مباشرة من الغجر، على ضفته الشرقية، وكان الجسر المعروف باسم جسر الحاصباني يقع على مسافة أبعد إلى أسفل النهر.

ثم اتجهنا إلى تل القاضي. وكان التل، على ما يبدو، فوهة بركان خامد، ولا تزال أجزاء من حافته ظاهرة. ومن تحت جانبه الجنوبي الغربي تندفع في الحال كتلة عظيمة من أنقى المياه، بينما ينبع جدول آخر أصغر حجماً من داخل الفوهة نفسها، ويندفع جنوباً من خلال فتحة في حافتها.

ثم تابعنا طريقنا باتجاه الحولة، متتبعين مجاري المياه والينابيع في هذه الناحية، ومواصلين رحلتنا في اتجاه بانياس.

بعد مغادرة الخيام، لم نلبث أن دخلنا السهل الواقع إلى الشمال منها. وكان سطح السهل في هذه الناحية يظهر على هيئة درجات أو مصاطب متعاقبة، أو ما يشبه الانخفاضات والارتفاعات المنتظمة في الأرض.

ثم بلغنا الحاصباني، وكان مجراه هنا عميقاً. ومررنا بموضع لويزة، وبعدد من الينابيع التي كانت تخرج من الأرض وتصب في المجرى. وكانت المياه في هذه الناحية كثيرة، وتنبع من جهات متعددة من السفوح.

ومن هنا دخلنا في منطقة يغلب عليها البازلت، وأخذت طبيعة الأرض تتغير تبعاً لذلك. ثم بلغنا قرية الغجر، وهي قائمة في هذا الجزء من البلاد، ومنها تابعنا سيرنا نحو التل المعروف باسم تل القاضي.


تل القاضي

كان تل القاضي من أكثر المواضع إثارة للاهتمام في هذه الناحية. وعند الاقتراب منه ظهرت أمامنا مياه غزيرة تنبثق من الأرض عند سفحه. وكان النبع عظيماً إلى حد لافت، إذ تخرج منه كمية كبيرة من المياه دفعة واحدة، فتتكون منها ساقية أو مجرى مائي كبير.

وكان التل نفسه ذا هيئة مميزة، يرتفع عن السهل المحيط به، وتغطيه الأشجار والنباتات في مواضع كثيرة. وقد بدا لأول وهلة كأنه فوهة بركان خامد، بسبب شكله الدائري وارتفاع حافته عن المنخفض الذي في وسطه.

لكننا، بعد فحصه بعناية، لم نرَ أن هذه الهيئة تكفي لإثبات أنه فوهة بركانية، بل إن طبيعة تكوينه وموقعه وآثاره جعلتنا نرفض اعتبار التل فوهة بركان بالمعنى الحقيقي.

وكانت هناك آثار أبنية قديمة على التل وفي محيطه، وبخاصة أكوام من الحجارة وبقايا منشآت تدل على أن الموضع لم يكن خالياً في الأزمنة القديمة.

وكان النبع الكبير عند سفح التل، وتخرج منه المياه بغزارة شديدة، بينما كان هناك نبع آخر أصغر داخل التل نفسه، وتنبثق مياهه من موضع منخفض تحيط به حافة التل.

ومن النبع الكبير يتكون مجرى واسع، وهو المجرى المعروف باسم اللدّان.

وقد لفتنا اسم اللدان؛ إذ بدا لنا أنه يمكن أن يكون صورة محرفة من اسم دان القديم، مع دخول أداة التعريف في الاسم وتكرارها، بحيث صار الاسم في صورته الحالية «اللِّدّان».

ومن هنا بدا أن الموضع يوافق بصورة لافتة ما نعرفه عن دان القديمة.

وكانت المدينة القديمة، بحسب الرواية الكتابية، تقع عند أقصى حدود البلاد الشمالية، في موضع خصب وغني بالمياه. وعندما ننظر إلى تل القاضي وموقعه وإلى الينابيع العظيمة التي تنبع عنده، وإلى الأرض الخصبة الممتدة حوله، نجد أن طبيعة المكان تتفق بصورة كبيرة مع ما يرد في الرواية القديمة عن مدينة دان.

ولهذا اعتبرنا تل القاضي موقع دان القديمة.

وكانت الأدلة الجغرافية والتاريخية التي تجمع بين اسم التل، ومعنى «القاضي» المقابل لمعنى «دان»، وبين النبع والمجرى المعروفين باسم اللدان، ذات أهمية خاصة في تحديد الموقع.

ومن أعلى التل أمكننا أن نرى عدداً من القرى المنتشرة في البلاد المحيطة، وكان السهل يمتد من حولنا، وتظهر الجبال في الجهات البعيدة.

وفي أثناء وجودنا في هذه المنطقة تناولنا بعض الحبوب المحمصة، وهي طريقة شائعة في البلاد، إذ يُؤخذ القمح أو غيره من الحبوب بعد تحميصه ويؤكل على هذه الصورة.

ثم تابعنا طريقنا إلى الحولة.

إلى الحولة

دخلنا السهل المنخفض المعروف بالحولة، وهو سهل تختلف طبيعته عن المرتفعات التي كنا قد اجتزناها قبل ذلك. وكانت المياه منتشرة في أجزائه، والمستنقعات والقنوات والمجاري المائية تشكل جانباً مهماً من طبيعته.

وكان علينا أن نتفحص هذه المنطقة عن قرب، لأن عدداً من المجاري المائية التي تشكل منابع الأردن تتجمع فيها.

فتوجهنا إلى دِفْنة، التي رأينا فيها الموضع الذي عرفه القدماء باسم دافنة (Daphne).

وكانت الأشجار كثيرة في هذه الناحية، ومن بينها شجرة بلوط كبيرة لفتت انتباهنا بصورة خاصة، لأنها كانت ممتلئة بأعشاش الطيور.

ثم اتجهنا إلى المنصورية.

وكانت مياه اللدان قد وزعت في أنحاء السهل في قنوات كثيرة؛ إذ كانت قنوات عديدة تتفرع من مجراه لري الأرض، كما كانت تستخدم المياه في تشغيل الطواحين.

وكانت النحل كثيرة في هذه المنطقة، حتى إننا لاحظنا عدداً كبيراً منها حول المواضع المروية والمزروعة.

ثم بلغنا موضع العبور على نهر بانياس، وعبرنا النهر، ثم عبرنا أيضاً مجرى اللدان.

وبعد ذلك اتجهنا إلى الموضع الذي تلتقي فيه المجاري المائية المختلفة.

وهناك أمكننا أن نقارن بين حجم كل مجرى ومقدار مائه، وأن نحدد بصورة أوضح العلاقة بين نهر بانياس واللدان والحاصباني.

وكانت مياه اللدان وبانياس تتجمع في هذا الجزء من السهل، ثم تنضم إليها مياه الحاصباني، فتتكون منها مجاري نهر الأردن.

وكان الفرق في حجم المياه بين هذه المجاري أمراً يستحق الملاحظة، إذ لم تكن جميعها متساوية في مقدار الماء أو في طول مجراها.

وكانت طبيعة السهل نفسه منخفضة ورطبة، وتنتشر فيه المستنقعات والمياه الراكدة في مواضع كثيرة. وكانت أجزاء منه قابلة للزراعة، في حين بقيت أجزاء أخرى مغطاة بالمياه والنباتات البرية.

ثم عدنا إلى المنصورية.

ومن هناك تابعنا طريقنا باتجاه بانياس.

وكانت البلاد المحيطة بنا تتغير كلما اقتربنا من بانياس، وبدأت الجبال والمنحدرات تظهر بصورة أوضح، بينما بقيت مجاري المياه تتجه من المرتفعات نحو السهل.

وفي أثناء الطريق لم نلتقِ بقطّاع الطرق، وهو أمر كان جديراً بالملاحظة في تلك البلاد وفي ذلك الوقت.

ثم اقتربنا من بانياس، وبدأت تظهر أمامنا المصاطب الجبلية التي تقوم عليها البلدة.

ومن هناك ارتفع المشهد تدريجياً، وظهر جبل الهيش في الجهة المقابلة.

وبذلك وصلنا إلى المرحلة التي يبدأ فيها وصف بانياس وموقعها الطبيعي، وينابيعها، وآثارها القديمة، ومصادر الأردن.


* المهندس جلال عبدالله



تعليقات: