
المربي الأستاذ فايز أبو عباس
من ذكريات الطفولة في بلد الشيخ، بضواحي حيفا، إلى العطل الصيفية في أحضان الأجداد في الخيام، وصولاً إلى نكبة فلسطين عام 1948... يستعيد الأستاذ فايز أبو عباس صفحات من حياة عائلته، وذكريات زمن كانت فيه الروابط الإنسانية تتجاوز الحدود، قبل أن تأتي النكبة وتبدّل حياة الناس وتفرّق بين الأهل والجيران.
بلد الشيخ... جيران وذكريات من زمن الطفولة
في بلد الشيخ، إحدى ضواحي حيفا الشرقية، كان منزلنا قريباً من تجمّع أبناء بلدتنا الخيام، الذين قصدوا فلسطين بحثاً عن العمل وتحسين ظروف معيشتهم، واستأجروا منازل من أهالي الضاحية، فشكّلوا مجتمعاً صغيراً تجمعه روابط القرابة والصداقة والانتماء إلى البلدة الأم.
وكانت تجاور منزلنا عائلة تُعرف باسم «بيت البعيصي»، وما زلت أذكر أنّني كنت كثيراً ما أدخل في خلافات ومشاجرات طفولية مع أحد أبنائها، الأمر الذي كان يستدعي تدخّل الأهل للصلح بيننا وإعادة الأمور إلى طبيعتها.
كانت تلك المشاجرات جزءاً من عالم الطفولة البريء، حيث لا يدوم الخلاف طويلاً، وسرعان ما تعود الضحكات والألعاب لتجمع الصغار من جديد.
ومن الصور التي لا تزال حاضرة في ذاكرتي درّاجة والدي الهوائية، التي كان يستعملها يومياً للذهاب إلى عمله في شركة «شل».
كنت أنتظر عودته بفارغ الصبر، لأصعد على الدرّاجة وألهو بها، مقلّداً والدي في طريقة جلوسه وقيادته لها، رغم أنّ قدميّ الصغيرتين لم تكونا تبلغان الدوّاسات التي تحرّك عجلاتها.
وما زلت أستعيد ذلك المشهد بابتسامة، وأتذكّر كيف كانت الأشياء البسيطة تمنحنا في طفولتنا فرحاً لا يوصف.
بين حيفا والخيام... طفل لا يعرف معنى الغربة
كنت في نهاية كلّ عام دراسي أنتظر العطلة الصيفية، لأرافق عائلتي في زيارة الخيام، حيث الأجداد والأقارب والأهل.
ولأنّني وُلدت ونشأت في فلسطين، وتفتّح وعيي الأول على الحياة في بلد الشيخ، فقد كنت أعتبرها موطني وعالمي الطبيعي، ولم أكن أدرك آنذاك معنى الغربة أو الاغتراب.
أمّا الخيام، فكانت بالنسبة إليّ البلدة التي نزورها في الصيف والمناسبات، حيث أقضي أياماً جميلة بين أحضان جدّي وجدّتي لأبي، وجدّتي لأمّي، وخالاتي وأقاربي.
ولم أكن أعلم أنّ الأيام ستأتي بحدث كبير يجعل من الخيام مقرّ إقامتنا الدائم، ويحوّل فلسطين التي عرفتها وطناً لطفولتي إلى أرض لا نصل إليها إلا عبر الذكريات.
جدّتي أم كامل... حضن الأمان والحنان
من أجمل ما تختزنه ذاكرتي عن زيارات الخيام تلك اللحظات التي كنت أقضيها في أحضان جدّتي لأمّي، الحاجة أم كامل، رحمها الله.
كانت جدّتي بالنسبة إليّ ملاذاً آمناً، ألجأ إليها كلّما شعرت بالخوف أو تعرّضت لموقف يزعجني.
وكنت أركض نحوها منادياً: «يا ستّي، احميني!»
فأجد في حضنها الحنان والطمأنينة، وكأنّ الدنيا كلّها أصبحت أكثر أمناً ودفئاً.
وكانت خالتاي ملكة وخديجة تحيطانني بالمحبّة والرعاية، وتفرحان بوجودي بينهما، وتستنفران للدفاع عني كلّما شعرت بأنّني بحاجة إلى الحماية.
وما زلت، بعد كلّ هذه السنوات، أستعيد تلك الوجوه الطيّبة والمشاعر الصادقة التي لا يعوّضها شيء.
إنّها ذكريات الحنان العائلي الذي يرافق الإنسان طوال حياته، مهما ابتعدت به الأيام والأمكنة.
سيارة الأجرة... صلة الوصل بين أبناء الخيام وأهلهم
رغم إقامتنا في بلد الشيخ، لم تنقطع صلة والدي بأهلنا وأقاربنا في الخيام.
فقد كان يحرص على متابعة أخبار البلدة، والاطمئنان إلى أحوال العائلة والأصدقاء، ومعرفة ما يجري فيها من أحداث ومناسبات.
وكان من أبرز وسائل التواصل آنذاك سائق سيارة أجرة عمومية، اعتاد التنقّل بين لبنان وفلسطين، حاملاً أخبار الأهل ورسائلهم.
وعلى ما بقي في ذاكرتي، كان اسمه محمد علي عبدو صادق.
وقد أدّى هذا الرجل دور همزة الوصل بين شباب الخيام الذين قصدوا فلسطين للعمل، وعائلاتهم المقيمة في لبنان.
فكانت أخبار المناسبات والأفراح والأحزان، وأحوال الأهل والأقارب، تنتقل عبر هذه الرحلات، في زمن لم تكن فيه وسائل الاتصال متاحة كما هي اليوم.
وهكذا بقيت العلاقات العائلية والاجتماعية حيّة، رغم المسافات التي تفصل بين أماكن الإقامة والعمل.
مواسم التين... من تلّ دبين إلى كفرحمام
من الذكريات الجميلة التي لا تزال عالقة في ذهني مواسم قطاف التين خلال العطل الصيفية في الخيام.
كنت أرافق جدّتي أم كامل وخالتيّ إلى الحقول التي كانت العائلة تضمن محصولها، للمشاركة في قطاف التين وجمعه وتوضيبه، تمهيداً لبيعه.
وما زلت أتعجّب اليوم كيف كان طفل لم يتجاوز السادسة من عمره يستطيع قطع تلك المسافات الطويلة سيراً على الأقدام، من دون أن يشعر بالتعب أو الإرهاق.
فقد كنّا نتوجّه إلى حقول التين في تلّ دبين، ثم إلى حقول أخرى في كفرحمام، نعبر السهول والمنحدرات ومجاري المياه، ونقطع كيلومترات عدّة للوصول إلى أماكن القطاف.
كانت الرحلة بالنسبة إليّ مغامرة ممتعة، أكتشف خلالها جمال الطبيعة، وأتنقّل بين الأشجار والحقول، وأراقب النساء وهنّ يجمعن الثمار ويهيّئنها للبيع.
ولم أكن أدرك آنذاك ما يتطلّبه هذا العمل من جهد ومشقّة، فقد كانت براءة الطفولة تجعل من تلك الرحلات الطويلة نزهات جميلة، لا تعباً فيها ولا عناء.
وكم أشتاق اليوم إلى تلك الأيام، وإلى أصوات جدّتي وخالاتي، وإلى رائحة الأرض وأشجار التين التي كانت تملأ المكان!
حين تستيقظ الصور القديمة في الذاكرة
تمرّ أحداث تلك السنوات في ذاكرتي اليوم كشريط سينمائي، تتلاحق فيه الصور والمواقف والأصوات، وكأنّها وقعت بالأمس القريب.
وكثيراً ما أتوقّف أمام بعض المشاهد متسائلاً: كيف كنّا نعيش تلك الأيام من دون أن ندرك طبيعة الأخطار التي كانت تحيط بنا، أو نستشرف ما تخبّئه لنا الأحداث؟
هل كنّا ساذجين في فهم السياسة والصراعات التي كانت تتشكّل من حولنا؟ أم أنّنا كنّا أبناء مجتمع بسيط، يحمل أهله قلوباً طيّبة، لم تعرف بعدُ ما ستفرضه عليهم الحروب من شكّ وحذر وخوف؟
ما زلت أذكر زياراتنا إلى الطبيب اليهودي في المستعمرة المجاورة لبلد الشيخ، وكيف كنّا نقصد متاجرها لشراء حاجاتنا اليومية، من دون أن نشعر بأنّ هذه التفاصيل العادية من حياتنا ستصبح، بعد سنوات قليلة، جزءاً من ماضٍ بعيد.
وأتذكّر أيضاً معسكرات الجيش البريطاني المنتشرة بين أشجار الزيتون المعمّرة في سهل مرج ابن عامر، وحركة الجنود والآليات، وكلّ ما كان يبدو لنا آنذاك جزءاً مألوفاً من المشهد المحيط بنا.
لكنّني، حين أستعيد تلك الصور اليوم، أنظر إليها بعين مختلفة، بعدما عرفت ما جرى لاحقاً من صراعات وحروب وتهجير.
بلاد كانت تجمعها الطرق... قبل أن تفرّقها الحدود
حين أعود بذاكرتي إلى تلك المرحلة، أتأمّل كيف كانت بلاد الشام مترابطة جغرافياً واجتماعياً، وكيف اعتاد أهلها التنقّل بين المناطق طلباً للعمل أو التجارة أو زيارة الأقارب.
فالعلاقات بين جبل عامل والجليل وحيفا وعكا ودمشق وغيرها من المناطق لم تكن وليدة تلك السنوات، بل امتدّت عبر أجيال طويلة، رسّختها روابط القرابة والمصاهرة والتجارة وحسن الجوار.
وكان الناس يشعرون بأنّهم أبناء أرض واحدة، يعرفون طرقها وقراها ومدنها، ويتنقّلون بينها بألفة واطمئنان.
لقد ورثوا هذه العلاقات عن آبائهم وأجدادهم، ولم يكن يخطر في بال كثيرين منهم أنّ التحوّلات السياسية المقبلة ستضع حواجز وحدوداً تفصل بين العائلات والمناطق، وتغيّر طبيعة حياتهم اليومية.
وكانت الأرض، بالنسبة إليهم، أكثر من مساحة جغرافية؛ كانت امتداداً للذاكرة والعائلة والعمل والحياة.
كانوا يعرفون أرضهم، وكانت أرضهم تعرفهم.
من المتصرفية إلى الانتداب... تحوّلات لم يدرك الناس أبعادها
شهدت بلاد الشام، خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، تحوّلات سياسية وإدارية متتابعة، كان لها أثر عميق في مستقبل المنطقة.
فبعد النزاعات التي شهدها جبل لبنان، أُنشئت متصرفية جبل لبنان عام 1861، في محاولة لتنظيم الحكم ووضع حدّ للصراعات التي عصفت بالمنطقة.
ثم جاءت الحرب العالمية الأولى، وانتهى الحكم العثماني، لتخضع سوريا ولبنان للانتداب الفرنسي، وفلسطين للانتداب البريطاني.
ومع هذه التحوّلات، بدأت تتشكّل كيانات سياسية وإدارية جديدة، وتغيّرت أنظمة الحكم والحدود والإجراءات المنظمة للتنقّل.
غير أنّ العلاقات العائلية والاجتماعية والاقتصادية بين أبناء المناطق المتجاورة ظلّت مستمرّة، وإن خضعت بدرجات متفاوتة لإجراءات الانتداب والحدود الجديدة.
وكان كثير من الناس يواصلون حياتهم اليومية وعلاقاتهم المعتادة، من دون أن يدركوا تماماً حجم التحوّلات التي ستشهدها المنطقة، وما قد يترتّب عليها من تغييرات جذرية في مصيرهم.
ومن هنا، أعود اليوم لأتساءل: هل كنّا ندرك حقيقة ما كان يجري حولنا؟ وهل كان أهلنا يتوقّعون أنّ تلك العلاقات الممتدّة عبر الأجيال ستتعرّض يوماً إلى هذا الانقطاع المؤلم؟
نكبة عام 1948... حين انقطع حبل التواصل
ثم جاءت الكارثة الكبرى عام 1948.
فقد اندلعت الحرب، ووقعت أحداث النكبة التي أدّت إلى تهجير أعداد كبيرة من الفلسطينيين من مدنهم وقراهم، وتبدّلت معها حياة مئات الآلاف من الناس.
وكنّا نحن من بين الذين اضطرّوا إلى الرحيل عن ديارهم في فلسطين.
عدنا إلى الخيام، بلدتنا الأم، فيما لجأ كثير من جيراننا وأصدقائنا الفلسطينيين إلى لبنان والمناطق المجاورة، وتفرّق آخرون في أنحاء الشتات.
وأُغلقت طرق اعتدنا سلوكها، وانقطع التواصل المباشر مع أماكن عشنا فيها أجمل سنوات طفولتنا.
لم نعد نستطيع العودة إلى البيوت والبساتين والحقول التي عرفناها، أو السير في الطرقات التي ألفناها، أو زيارة الجيران والأصدقاء الذين شاركونا الحياة اليومية.
وأصبحت أخبار تلك الأماكن تصل إلينا عبر الصحف والإذاعات، أو من خلال من تمكّنوا من النجاة والوصول إلى أماكن اللجوء.
وهكذا تحوّلت أرض كنّا نعيش فوق ترابها، ونستنشق هواءها، ونستظلّ بأشجارها، إلى ذكرى بعيدة لا نملك منها سوى الصور والحكايات والحنين.
وما أقسى أن يفارق الإنسان أرضاً نشأ فيها، لا لأنّه اختار الرحيل، بل لأنّ الأحداث فرضت عليه ذلك!
العودة إلى الخيام... بداية حياة جديدة
عدنا إلى بلدتنا الخيام عام 1948، إلى موطن الآباء والأجداد، وإلى الأرض التي تمتدّ فيها جذور عائلتنا.
لكنّ العودة هذه المرّة لم تكن زيارة صيفية أو إقامة قصيرة في مناسبة عائلية، كما اعتدنا في سنوات طفولتنا.
لقد أصبحت الخيام موطننا الدائم، والمكان الذي سنبدأ فيه حياة جديدة بعد أن تركنا وراءنا منزلنا ومدرستنا وجيراننا وأصدقاءنا في بلد الشيخ.
وكان على والدي أن يعيد ترتيب شؤون العائلة، وأن يبحث عن مصدر رزق جديد بعد أن فقد عمله في شركة «شل» بحيفا.
فعاد إلى مهنته القديمة في البناء، التي كان قد تركها سابقاً عندما انتقل للعمل في فلسطين.
وهكذا بدأت مرحلة جديدة من حياتنا، عنوانها الاستقرار في الخيام، والتأقلم مع منزل جديد ومدرسة جديدة وشارع وحارة وأصدقاء جدد.
كانت البلدة التي نزورها في العطل والمناسبات قد أصبحت الآن بيتنا الدائم، وموطن طفولتنا المقبلة.
من ملاعب بلد الشيخ إلى ساحات الخيام
على الرغم من كلّ ما شهدناه من رحيل وتهجير وتبدّل في ظروف الحياة، بقيت الطفولة تحتفظ ببراءتها وعالمها الخاص.
فما إن استقرّ بنا المقام في الخيام حتى عدنا إلى اللعب واللهو، وكأنّنا نبحث في الألعاب عن عالم يعوّض ما فقدناه.
بدأنا نتعرّف إلى أولاد الحارة، ونتجمّع في الساحات والطرقات، نلعب «الكلّة» أو «البنانير»، و«البلبل»، و«الطابة»، وغيرها من الألعاب الشعبية التي كانت لكلّ منها قواعدها وتسمياتها وحكاياتها.
كانت تلك الألعاب تملأ أيامنا بالفرح والحركة والضحك، وتنسينا، ولو مؤقّتاً، ما كان الكبار يعيشونه من هموم وأحزان.
وما أعجب هذه المرحلة من العمر!
فالطفل قد يعيش أحداثاً كبرى تغيّر مصير عائلته وبلاده، لكنّه سرعان ما يعود إلى عالمه البسيط، يبحث عن رفاق يلعب معهم، وعن ساحة يركض فيها، وعن لحظة فرح جديدة.
تلك هي الطفولة، بكلّ ما فيها من براءة وعفوية وجمال؛ يعيشها الإنسان مرّة واحدة، ثم يقضي ما تبقّى من عمره يستعيد صورها وذكرياتها.
الخيام... العودة إلى الجذور واستمرار الحكاية
هكذا انتقلنا من بلد الشيخ إلى الخيام، ومن منزل على سفح جبل الكرمل إلى بيت جديد في أرض الأجداد.
تركنا وراءنا سنوات من الطفولة الأولى، بما حملته من وجوه وأماكن ومشاهد جميلة، وبدأنا مرحلة أخرى من حياتنا في البلدة التي ارتبط بها تاريخ عائلتنا وجذورها.
وقد أدركت مع مرور السنوات أنّ الإنسان قد يغادر المكان، لكنّ المكان لا يغادره بسهولة.
فما زالت صور بلد الشيخ وحيفا وكروم الزيتون وسهل مرج ابن عامر حاضرة في ذاكرتي، كما بقيت صور جدّتي وخالاتي وحقول التين في الخيام جزءاً عزيزاً من وجداني.
إنّها صفحات من ماضٍ جمع بين الفرح والألم، وبين الاستقرار والرحيل، وبين الطفولة البريئة وأحداث التاريخ القاسية.
وما أكتبه اليوم ليس سوى محاولة لحفظ بعض هذه الذكريات، ونقلها إلى الأجيال التي لم تعش تلك المرحلة، لعلّها تتعرّف إلى جانب من حياة أهلنا، وإلى ما جمع بين أبناء الخيام وفلسطين من روابط إنسانية واجتماعية عميقة.
تبقى الخيام موطن الجذور والأجداد، وتبقى فلسطين أرض الطفولة والذكريات الأولى، وبينهما حكاية عمر لا يمكن أن تمحوها السنون.
لكم، أحبّائي، أطيب التحيات، وإلى لقاء آخر مع ذكريات جديدة من ماضينا وأيام الصبا في الخيام.
فايز أبو عباس
الخيام | khiyam.com