
د. يوسف غزاوي.. تكتنز طفولته ذكريات جمّة
تكتنز طفولتنا ذكريات جمّة، منها ما هو جميل يرسو في الذاكرة كعطر دائم، ومنها ما هو قاسٍ ومؤلم وقبيح يُرخي بظلاله كعبء ثقيل على تلك الذاكرة، كما سترويه هذه الكلمات..
كانت دراستنا في مدرسة الخيام الرسميّة في مراحلها الابتدائيّة والمتوسّطة والثانويّة مليئة بالحكايا والقصص الكثيرة، وبعض المعاناة من بعض الموادّ التعليميّة، وعطاءات بعض الأساتذة (المدرّسين) الذين كانوا عالة على التعليم، كما هو الأمر مع أستاذ اللغة الفرنسيّة (ج. م) الذي كره التلامذة هذا الاسم بسبب حمله له! كنّا نعاني من ضعف شديد بتلك اللغة، ويعود سبب ذلك، وبطبيعة الأمر، إلى مدرّسيها الذين لم يكونوا على دراية بها، ولا يجيدونها، ولا يجيدون طريقة شرحها وتقديها للتلامذة، فكانت منهجيّتهم التعليميّة خالية من الأصول الواجب إتّباعها ليتقبّلها هؤلاء التلامذة الضحايا. كان المدرّس المذكور سيّئًا في تعليمه وطريقته التي نفّرت منه التلامذة، ولم يزل البعض يذكره جيّدًا؛ يكفي ذكر اسمه لتنهال عليه شتّى اللعنات.. لم يكن يريد إفادتنا بتلك المادّة كما بدا من خلال طريقته في العطاء؛ كان يعمد إلى الكتابة على السبّورة طيلة الفترة المسموح بها للمادّة (المقرّر)، وعلينا تدوين ونقل ما نراه على دفاترنا، وعندما نطلب منه شرح النصّ وتفسيره لفهم الموضوع ومحتوياته وتعرّجاته وكلماته.. كان يُجيبنا أنّه سيقوم بذلك في الحصّة المقبلة، ليتكرّر الأمر نفسه في كلّ حصّة، لنصل إلى نهاية العام الدراسيّ (صمّ، بكم) لا نعي شيئًا ممّا دوّناه ونسخناه بأقلامنا وتعبنا. ثمّ تأتي الطامة الكبرى، وهو امتحان نهاية العام الدراسيّ، وعلينا الإجابة عن الأسئلة المطروحة علينا، وباللغة الفرنسيّة! ما حصل معي لن أنساه مدى الحياة، بل حفر عميقًا في الذاكرة.. لم أفهم السؤال، ولم أعرف بماذا أُجيب! فما كان منه إلّا السخرية منّي، والتنمّر، وهو يقهقه قائلًا، وبسخريّة مرّة،: "يبدو أنّ والدك متخرّج من جامعة السوربون، ويضع قبّعة فرنسيّة على رأسه.."، وإلى ما هنالك من عبارات قاتلة ومريرة.. بقيت تلك الكلمات تطنّ وتدور في رأسي عبر السنين، وطويلًا، حتّى تسنّ لي الحصول على منحة من الدولة الفرنسيّة للدراسة في فرنسا عام 1985 (منحة حصلتُ عليها بتعبي وكدّي وطموحي).. ذهبتُ إلى باريس، وقمتُ بالتسجيل في جامعة السوربون الأولى للحصول على شهادة في "الدراسات المعمّقة في تاريخ الفنّ"، وعند استلامي تلك الشهادة مُرفقة بالرسالة (الكتاب البحثيّ الذي توّج تلك الدراسة) رأيتُ نفسي أقف خارج السوربون لأواجه ذاك المدرّس (ج. م) الذي أوقفته أمامي، كما يحصل في المحكمة، ولكن افتراضيًّا، لأوجّه إليه أشدّ العبارات وأقساها.. ".. ها أنا جئتُ إلى فرنسا، وبالتحديد باريس للدراسة في جامعتها السوربون التي لم تطأها قدماك في حياتك، وتخرّجتُ منها بشهادة الدراسات المعمّقة.. تبًّا لك ولكلماتك وسخريّتك وتنمّرك..". لقد إنتقمتُ منه بجدارة في قرارة نفسي، وتنفّستُ الصعداء، وأزلتُ عنّي وعن والدي وقع كلماته إلى الأبد. أعدتُ الاعتبار لي ولوالدي..
ما أجمل النجاح والانتصار..
لحسن حظّنا أنّ هذا المدرّس لم يستمرّ على رأس هذا المقرّر، فقد اُستبدل بمدرّسين آخرين أكفّاء أوفياء لرسالة التعليم كأن أذكر المرحوم الأستاذ صلاح عبدالله، والأديبة "هدى بركات"، كانت زوجة أحد شعراء الخيام حينها، وهناك المدرّس "حنّا الشاعر" من البترون الذي أحببنا طريقته في الشرح المبسّط ومنهجيّته التعليميّة لدرجة أنّني لا زلتُ أحفظ غيبًا بعضًا من مواضيع الإنشاء باللغة الفرنسيّة.. أمّا ج. م. فلن أنساه ما دمتُ حيّا، بالرّغم من أنّه كان سببًا في ذهابي إلى فرنسا ودراستي فيها وحصولي على شهادة الدكتوراه (رُبّ ضارّة نافعة).. تصرّفات بعض المدرّسين حينها أدّت إلى تسرّب عدد لا بأس به من التلامذة الذين لم يستطيعوا تحمّل تلك الأساليب، التي حمل بعضها تأنيبًا عنيفًا كالقسوة عبر الضرب بالأيدي والمساطر الخشبيّة والإهانات..
الخيام | khiyam.com
تعليقات: