
المرحومان الحاج عبد الكاظم علي عواضة وزوجته الحاجة رقية الحاج يوسف
كان لوالدي أبو عاطف، رحمه الله، قطعة أرضٍ قريبة من معتقل الخيام، وكانت مجلَّلة ومنصوبة بأشجار التين والزيتون وعرائش العنب، وكنا نطلق عليها اسم الكرم أو القلعة. وكان يجاور كرمنا من جهة الشمال منزل وأرض المرحوم الحاج عبد الكاظم علي عواضة، الذي كان رجلاً متعلقاً بأرضه وبيته وأسرته وبلدته الخيام، ويعمل في الأرض بجدٍّ واجتهاد، لا يكلّ ولا يملّ ولا يتعب.
وكان يحمل بين جنبيه روحاً مؤمنة بالله وبرسله وأوليائه، وواثقة بحكمة الله في خلق هذا الوجود وما فيه من نعمٍ وابتلاءات، الغاية منها، برأي الحاج عبد الكاظم، أن الله يريد تعليم وتربية حبيبه الإنسان، وإيصاله إلى مراتب الرقي العليا والتقدم وكشف أسرار وخبايا هذا الوجود.
وأذكر أنني، في أوائل سبعينيات القرن الماضي، كنت يوماً برفقة والدي، وكنا نقف في الجلّ السفلي من الكرم سابق الذكر، وكان المرحوم الحاج عبد الكاظم يقف في فناء داره، وجرى بين الجارين حوارٌ جميل وودّي. لا أزال أذكر منه أن الحاج عبد الكاظم قال لوالدي:
«يُنقل عن أصحاب رسول الله (ص) قولٌ مفاده أن الرسول الأكرم ظل يوصيهم بالجار حتى ظنوا أنه سيورِّثه».
وكان لهذه الكلمات أثرٌ طيب في نسج علاقة مودة وحب بين الجارين، وأثرٌ بالغ في روح طفلٍ عمره نحو عشر سنوات يستمع إليهما.
وللأسف الشديد، كانت هذه المرة هي الوحيدة التي رأيت فيها جارنا الحبيب الحاج عبد الكاظم علي عواضة في حياتي.
وتوالت الأيام والسنون بعد هذا اللقاء الجميل، حتى جمعتني علاقة مودة بالمرحوم الحاج حسن عبد الكاظم علي عواضة في بيروت، بحكم جيرتنا القديمة في الخيام، وبحكم جيرتنا الحديثة في بيروت، حيث كان مركز عملي قريباً من منزله في بئر العبد. وكنا نلتقي باستمرار ونتبادل الأحاديث والذكريات.
وذات يوم، ترافقنا في مشوار بسيارته، وروى لي عن المرحوم والده روايةً جميلة، تقدم نموذجاً لا يمكن أن يخطر على البال عن إنسان معجون بعلاقة استثنائية، بحب بيته وأسرته وبلدته.
ومفادها أنه عندما تعرضت الخيام للهجوم الصهيوني عام 1977، وتهجّر الجزء الأكبر من أهلها في أصقاع الأرض، بقي والده الحاج عبد الكاظم في الخيام مع القلة الذين بقوا فيها من أهلها، فيما تهجّرت أسرته مع من تهجّر من الخياميين إلى بيروت.
وقد شعر الحاج عبد الكاظم، من خلال متابعته للأوضاع السياسية والعسكرية، بأن الأمور ستؤدي إلى تهجير الخياميين المتبقين في الخيام في نهاية المطاف، أو قتلهم، كما حصل لاحقاً في المجزرة المروّعة.
فقرر أن يدفن مقتنيات بيته في الحاكورة وديعةً، ويغادر إلى بيروت حيث توجد أسرته. فأحضر أكياس نايلون من مختلف الأحجام التي يحتاجها لتوضيب وحماية أثاث ومقتنيات بيته، وأحضر كمية من الكولاس (الزفت) لحماية النايلون من الرطوبة.
وقام بحفر مجموعة من الحفر في الحاكورة، وبدأ يغلّف أغراض البيت تباعاً، ويعزلها ويدفنها في الحفر التي أعدّها لهذا الغرض، حتى لم يبقَ في البيت إلا الأغراض التي يريد أخذها معه في رحلته إلى بيروت قاصداً أسرته.
وقد وفّقه الله إلى الخروج من الخيام قبل حصول المجزرة المروّعة التي ارتكبها الصهاينة وعملاؤهم بحق من بقي من الخياميين فيها، بتاريخ 17/03/1978.
وعندما وصل إلى بيروت، استقبله أفراد أسرته بسعادة غامرة، وحمدوا الله وشكروه على خروجه من الخيام سالماً. وقد أبلغهم بتفاصيل ما فعله بأثاث ومقتنيات البيت في الخيام، وقال لهم:
«إذا قدّر الله وعدنا سوياً إلى الخيام بعد هذه الحرب، نستخرج وديعتنا سوياً، وإلا فمن يبقَ منا إلى يومها على قيد الحياة، يقوم هو بالمهمة».
ولم يمهل العمر الحاج عبد الكاظم ليبقى حياً ويعود إلى الخيام التي أحب وعشق، لأنه عندما فارقها مرغماً، شعر وكأنه فارق روحه التي بين جنبيه.
لذلك تولّى ابنه المرحوم الحاج حسن تنفيذ الوصية واستخراج وديعة الوالد بعد تمكّنه من العودة إلى الخيام عام 1982.
وروى لي الحاج حسن أنه اندهش بمستوى الترتيب والتنظيم اللذين اعتمدهما المرحوم والده في توضيب الأغراض، بحيث لم يتلف أي غرض منها، وتمكّن من فرش البيت كما كان. حتى إنه وجد القنديل وتنكة الكاز كما هما، والشيء الوحيد الذي افتقده كان زجاجة القنديل، لأنها رقيقة وهشة.
لكن بعد يومين، وبينما كان واقفاً بجانب البركة في الدار، تحت التينة الطبّالية، أو الفرنساوية كما تُسمّى، وجد الحاج حسن زجاجة القنديل معلّقة بشريط معدني في أحد أغصان شجرة التين، وهي سالمة من أي كسر أو أذى.
فحملها، وقام بتنظيفها وتركيبها فوق القنديل، وهكذا اكتملت ملحمة حماية الحاج عبد الكاظم لمقتنيات منزله.
ولكن معلومة أضافها الحاج حسن في نهاية القصة أكسبت الملحمة معنىً أعمق وأكثر تأثيراً، وهي أن لوالده الحاج عبد الكاظم حكايةً مع هذا القنديل حرامٌ أن تُنسى.
فقد استيقظ يوماً على صوت القصف الصهيوني للخيام، وكان وحيداً في بيته، فنهض مسرعاً وأنار القنديل وخرج إلى فناء الدار يستطلع الأمر. وفيما هو واقف تحت التينة قرب البركة، إذا بقذيفة مدفعية تسقط بالقرب منه، فتطير منها شظية وتسحق زجاجة القنديل الذي في يده.
ورغم ذلك، بقي الحاج عبد الكاظم حاملاً للقنديل، الذي لم يسقط من يده رغم هول الحدث.
وهكذا نستنتج من ملحمة الحاج عبد الكاظم عواضة الواقعية أن للخيام شعلةً ستبقى متوقدة، ولن ترتجف يد الخياميين في حملها، ولن تسقط ولن تنطفئ، مهما عظمت المصاعب والأهوال.
وسيعود الخياميون إلى خيامهم الحبيبة، بإذن الواحد القهّار، ليعيدوا للخيام مجدها وعزّها وكبرياءها، كما تستحق الخيام وأهلها الطيبون.
المهندس عدنان سمور
ع.إ.س
باحث عن الحقيقة
31/08/2026
الخيام | khiyam.com
تعليقات: