خليل كاعين: التجربة الشيوعية في القرن العشرين (الحلقة السابعة) ستالين والتحول الكبير.. التصنيع، الزراعة الجماعية والثمن الإنساني

د. خليل كاعين
د. خليل كاعين


مع نهاية عشرينيات القرن العشرين، كان الصراع على خلافة لينين قد حُسم إلى حد بعيد.

أصبح جوزيف ستالين الشخصية الأقوى في الحزب والدولة،

لكن الانتصار في معركة السلطة لم يكن سوى البداية.

كان الاتحاد السوفياتي لا يزال بلدًا يغلب عليه الطابع الزراعي، بينما كانت الدول الصناعية الكبرى تتفوق عليه في التكنولوجيا والإنتاج والقدرات العسكرية. وكانت ذاكرة التدخل الأجنبي والحرب الأهلية لا تزال حاضرة، فيما بقيت القيادة السوفياتية مقتنعة بأن الصدام مع العالم الرأسمالي يمكن أن يتجدد.

ومن هنا ظهر السؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة:

كيف يمكن تحويل دولة متأخرة صناعيًا إلى قوة قادرة على حماية نفسها ومنافسة الدول الكبرى خلال فترة زمنية قصيرة؟

اختار ستالين طريقًا شديد السرعة والقسوة.

لماذا كان التصنيع بهذه الأهمية؟

لم يكن هاجس التصنيع اقتصاديًا فقط.

كانت القيادة السوفياتية تنظر إلى التاريخ القريب: روسيا القيصرية هُزمت أمام اليابان سنة 1905، وعانت انهيارًا عسكريًا واقتصاديًا خلال الحرب العالمية الأولى، ثم تعرضت الدولة البلشفية الناشئة لتدخلات أجنبية أثناء الحرب الأهلية.

كان الدرس بالنسبة إلى ستالين واضحًا:

الدولة التي لا تمتلك صناعة ثقيلة قوية لن تستطيع المحافظة على استقلالها أو الدفاع عن نظامها.

كان الاتحاد السوفياتي بحاجة إلى مصانع الحديد والصلب، ومحطات الكهرباء، والمناجم، والسكك الحديدية، والجرارات والآلات، ثم إلى قاعدة صناعية عسكرية قوية.

لكن بناء هذه القاعدة يحتاج إلى استثمارات هائلة.

ولم يكن الاتحاد السوفياتي يمتلك أسواقًا مالية عالمية يمكنه الاعتماد عليها كما تفعل الاقتصادات الرأسمالية، كما كانت علاقاته الاقتصادية والسياسية بالخارج محدودة ومعقدة.

لذلك كان عليه أن يوفر الجزء الأكبر من الموارد اللازمة للتصنيع من اقتصاده الداخلي.

وهنا أصبحت الزراعة والريف في قلب المشروع.

نهاية السياسة الاقتصادية الجديدة

كان لينين قد أطلق السياسة الاقتصادية الجديدة، الـNEP، سنة 1921 بعد أزمة شيوعية الحرب.

سمحت هذه السياسة بدرجة من المبادرة الخاصة والتجارة والأسواق، وأسهمت في تعافي الاقتصاد خلال عشرينيات القرن.

لكنها أنتجت أيضًا تناقضًا داخل النظام.

فالدولة تعلن أنها تبني الاشتراكية، بينما يوجد تجار وأصحاب مشروعات خاصة وفلاحون تمكن بعضهم من تحقيق فوائض مالية متزايدة.

كما واجهت الدولة في أواخر العشرينيات صعوبات في الحصول على كميات الحبوب التي تحتاج إليها لإطعام المدن وتمويل خطط التنمية.

وكان هذا تحديدًا أحد الخلافات التي رأيناها في الحلقة السابقة بين ستالين وبوخارين.

ومع نهاية عشرينيات القرن اتُخذ القرار:

التخلي عن الـNEP والانتقال إلى التخطيط المركزي والتصنيع السريع.

وهكذا بدأت مرحلة جديدة تمامًا.

الخطة الخمسية الأولى

انطلقت الخطة الخمسية الأولى سنة 1928.

وضعت الدولة أهدافًا ضخمة لزيادة إنتاج الفحم والحديد والصلب والكهرباء والآلات.

لم يعد السوق هو الذي يحدد بصورة أساسية أين تذهب الاستثمارات، بل أصبحت الدولة تحدد الأولويات والكميات والأهداف.

وتركز الاهتمام بصورة خاصة على الصناعة الثقيلة.

نشأت مشاريع صناعية هائلة، وظهرت مدن ومراكز إنتاج جديدة، وتوسعت شبكات الكهرباء والنقل.

ومن أشهر رموز المرحلة مجمع ماغنيتوغورسك الصناعي،

ومشروعات الطاقة الكبرى، ومصانع الجرارات والآلات.

وخلال سنوات قليلة بدأ شكل المجتمع السوفياتي نفسه يتغير.

من الريف إلى المدينة

احتاجت المصانع الجديدة إلى ملايين العمال.

انتقل عدد كبير من سكان الريف إلى المدن والمراكز الصناعية، وتوسعت الطبقة العاملة بسرعة.

لكن العامل الذي وصل من القرية إلى المصنع لم يكن بالضرورة عاملًا صناعيًا ماهرًا.

لذلك توسعت برامج التعليم والتدريب التقني، وازداد الاهتمام بالهندسة والعلوم والمعاهد المهنية.

كما توسعت مشاركة النساء في سوق العمل والتعليم والمهن التقنية.

كان الاتحاد السوفياتي يحاول خلال سنوات قليلة تحقيق تحول صناعي واجتماعي احتاجت دول أخرى إلى فترات أطول لإنجازه.

وكان حجم التحول كبيرًا بالفعل.

لكن السرعة نفسها حملت مشكلات هائلة.

ظهرت أزمات سكن، ونقص في السلع الاستهلاكية، وضغوط قاسية على العمال، وأهداف إنتاجية مرتفعة، وانضباط شديد داخل المؤسسات.

كانت الأولوية لبناء القاعدة الصناعية للدولة، لا لرفع مستوى الاستهلاك الفردي بالسرعة نفسها.

من أين جاءت الموارد؟

هذا السؤال أساسي.

لا يمكن بناء آلاف المصانع والسكك الحديدية ومحطات

الكهرباء من دون تحويل موارد ضخمة من قطاع إلى آخر.

وكان القطاع الأكبر في الاقتصاد السوفياتي هو الزراعة.

رأت القيادة أن الزراعة التقليدية القائمة على ملايين الحيازات الصغيرة لا توفر بالشكل المطلوب الحبوب والفوائض واليد العاملة اللازمة لمشروع التصنيع السريع.

كما كان الفكر البلشفي ينظر بريبة إلى نمو الملكية الزراعية الخاصة وإمكان نشوء طبقات ريفية أكثر ثراءً.

وهكذا اتخذت القيادة أحد أكثر قرارات المرحلة خطورة:

التجميع الزراعي القسري.

المزارع الجماعية

بدأت الدولة تدفع باتجاه دمج الحيازات الفردية في مزارع جماعية عُرفت باسم «الكولخوز»، إلى جانب مزارع الدولة «السوفخوز».

كان التصور أن الزراعة الواسعة والمنظمة ستسمح باستخدام الجرارات والآلات الحديثة، وزيادة الإنتاجية، وتسهيل حصول الدولة على الحبوب.

نظريًا، كان المشروع جزءًا من تحديث الريف.

لكن تطبيقه السريع والقسري أدى إلى مقاومة واسعة.

رفض كثير من الفلاحين التخلي عن أراضيهم ومواشيهم وممتلكاتهم لصالح المزارع الجماعية.

وفي بعض المناطق ذُبحت أعداد كبيرة من الحيوانات بدل تسليمها، وانخفضت الثروة الحيوانية بصورة حادة.

وردت الدولة بالمزيد من الضغط.

وهنا ظهرت حملة ضد من سُمّوا «الكولاك».

من هو الكولاك؟

كان المصطلح يُستخدم أساسًا للإشارة إلى الفلاحين الأكثر ثراءً نسبيًا.

لكن أثناء حملة التجميع اتسع استخدامه، وأصبح التصنيف في حالات كثيرة سياسيًا وإداريًا بقدر ما كان اقتصاديًا.

أعلنت القيادة سياسة «تصفية الكولاك كطبقة».

صودرت ممتلكات أعداد كبيرة من الأسر، ورُحّل كثيرون إلى مناطق بعيدة أو مستوطنات ومعسكرات عمل، وتعرض آخرون للاعتقال والموت.

وهنا أخذ التحول الاقتصادي شكل صراع اجتماعي تديره الدولة بالقوة.

لم يعد المطلوب إقناع الفلاح بالانضمام إلى الاقتصاد الجماعي،

بل أصبحت مقاومة السياسات الحكومية تُعامل بصورة متزايدة باعتبارها مقاومة للمشروع الاشتراكي والدولة نفسها.

المجاعة الكبرى

بين 1932 و1933 تعرضت مناطق واسعة من الاتحاد السوفياتي لمجاعة كارثية.

كانت أوكرانيا من أكثر المناطق تضررًا، وكذلك كازاخستان وأجزاء من روسيا ومناطق زراعية أخرى.

ومات الملايين.

ولا يمكن تفسير حجم الكارثة بالظروف الطبيعية وحدها.

فالتجميع القسري واضطراب الإنتاج الزراعي، وسياسات مصادرة الحبوب وحصص التسليم المرتفعة التي فرضتها الدولة، والعقوبات والقيود المفروضة على حركة السكان، كلها أسهمت بصورة أساسية في تحويل الأزمة الزراعية إلى كارثة إنسانية.

وفي الحالة الأوكرانية أصبح مصطلح «هولودومور» يستخدم لوصف المجاعة.

وتعتبر أوكرانيا وعدد من الدول والمؤسسات أنها شكلت إبادة جماعية متعمدة ضد الأوكرانيين، بينما يستمر النقاش بين المؤرخين حول النية المحددة للقيادة السوفياتية وكيفية تصنيف المجاعة تاريخيًا وقانونيًا.

لكن الخلاف حول التوصيف لا يغير حقيقة أساسية:

سياسات الدولة السوفياتية أدت دورًا جوهريًا في تفاقم المجاعة وتحويلها إلى كارثة دفع ثمنها ملايين البشر.

هل نجح التجميع الزراعي؟

إذا كان المقياس هو إخضاع الريف لمنظومة الدولة وزيادة قدرتها على التحكم في إنتاج الحبوب وتوزيعه، فقد حققت السلطة جزءًا مهمًا من أهدافها.

أما إذا كان المقياس هو رفع الإنتاج الزراعي سريعًا وتحسين حياة الفلاحين، فالصورة مختلفة.

تعرض القطاع الزراعي لصدمة شديدة، واحتاج إلى سنوات للتعافي، وبقيت الزراعة لاحقًا من نقاط الضعف المزمنة في الاقتصاد السوفياتي.

وهذه مفارقة سترافق الاتحاد السوفياتي في مراحل لاحقة:

الدولة التي ستحقق إنجازات ضخمة في الصناعة الثقيلة والتكنولوجيا العسكرية والفضاء ستواجه مرارًا مشكلات في كفاءة القطاع الزراعي وإنتاجيته.

وماذا حدث للصناعة؟

هنا تختلف الصورة.

رغم الفوضى والتكاليف والأهداف غير الواقعية أحيانًا، حقق الاتحاد السوفياتي خلال الثلاثينيات تحولًا صناعيًا ضخمًا.

ارتفع إنتاج الفحم والصلب والكهرباء والآلات بصورة كبيرة،

وتوسعت الصناعات الثقيلة، ونشأت قاعدة هندسية وتقنية واسعة.

وفي الوقت الذي دخل فيه الاقتصاد الرأسمالي العالمي أزمة الكساد الكبير بعد 1929، استمر الاتحاد السوفياتي في توجيه موارد هائلة إلى الاستثمار الصناعي من خلال نظام التخطيط المركزي.

لكن هذا لا يعني أن التصنيع السوفياتي جرى بمعزل عن العالم الخارجي.

فقد اشترى الاتحاد السوفياتي آلات وتقنيات من دول غربية، واستعان بمهندسين وخبراء وشركات أجنبية في عدد من المشروعات الصناعية الكبرى.

وهذه نقطة مهمة:

التصنيع السوفياتي لم يُبنَ في فراغ، بل جمع بين تعبئة داخلية هائلة والاستفادة الانتقائية من التكنولوجيا والخبرة الأجنبية.

التعليم والعلم وصناعة مجتمع جديد

لم يكن المشروع صناعيًا فقط.

فالدولة الصناعية تحتاج إلى مهندسين وأطباء وتقنيين ومدرسين وعمال مهرة.

لذلك توسع التعليم بصورة كبيرة، وتراجعت الأمية، وازدادت أعداد الطلاب في المدارس والمعاهد والجامعات.

وأصبح التقدم العلمي والتقني جزءًا أساسيًا من مشروع الدولة وهيبتها.

كما حدثت تحولات اجتماعية كبيرة في حياة النساء مع توسع

مشاركتهن في التعليم والعمل والإنتاج.

وفتحت عملية التصنيع والترقي التعليمي والاجتماعي مجالات جديدة أمام أعداد كبيرة من أبناء العمال والفلاحين.

لكن المشروع حمل تناقضًا واضحًا.

فالدولة التي وسعت التعليم والحراك الاجتماعي كانت، في الوقت نفسه، تضيق مساحة التعدد السياسي والفكري.

وهنا بدأت تتبلور إحدى السمات الأساسية للنظام السوفياتي

في عهد ستالين:

تحول اقتصادي وتعليمي واجتماعي واسع يقابله تركيز متزايد للسلطة السياسية.

هل كان التصنيع ممكنًا بطريقة أخرى؟

هذه أحد أهم الأسئلة عند تقييم هذه المرحلة.

يرى المدافعون عن سياسات ستالين أن الاتحاد السوفياتي كان متأخرًا صناعيًا، ويشعر بأنه محاصر، ولا يمتلك ترف الانتظار.

وبعد أقل من ثلاثة عشر عامًا من انطلاق الخطة الخمسية الأولى، ستغزو ألمانيا النازية الاتحاد السوفياتي بقوة عسكرية هائلة.

ومن هنا يطرح سؤال تاريخي مشروع:

إلى أي حد ساعدت القاعدة الصناعية التي بُنيت خلال الثلاثينيات الاتحاد السوفياتي لاحقًا على الصمود أمام الغزو الألماني؟

كان لهذه القاعدة الصناعية بالفعل دور بالغ الأهمية في القدرة السوفياتية على خوض الحرب.

لكن ذلك يقود إلى سؤال مختلف:

هل كان بناء هذه القوة الصناعية يتطلب بالضرورة التجميع القسري والمصادرات والترحيل والمجاعة والقمع بهذا الحجم؟

وجود حاجة حقيقية إلى التصنيع لا يعني أن كل الوسائل التي استخدمت لتحقيقه كانت حتمية.

وهنا ينبغي التمييز بين الهدف التاريخي والطريقة التي اختيرت لتحقيقه.

ستالين يربح الرهان الصناعي... ولكن

مع منتصف الثلاثينيات، لم يعد الاتحاد السوفياتي البلد الزراعي المتأخر نفسه الذي ورثه البلاشفة.

ظهرت دولة صناعية كبيرة تمتلك قاعدة إنتاجية وعلمية وعسكرية تتوسع بسرعة، وبدأت قوة جديدة تفرض نفسها بصورة متزايدة في ميزان القوى العالمي.

لكن التحول الاقتصادي ترافق أيضًا مع تعزيز سلطة ستالين.

وأصبح تفسير المشكلات الاقتصادية والسياسية يرتبط بصورة متزايدة بالحديث عن التخريب والمؤامرات و«أعداء» الدولة.

وبالتدريج لم تعد المعارضة السياسية مجرد اختلاف حول السياسة الاقتصادية.

أصبحت تُعامل باعتبارها خطرًا على الدولة والثورة.

وهنا ننتقل من سؤال الاقتصاد إلى سؤال السلطة.

كيف انتقل ستالين من الانتصار على خصومه السياسيين إلى بناء نظام لم يعد يسمح تقريبًا بوجود مركز قوة مستقل عنه؟

وما الأخطار الحقيقية التي كانت تواجه الدولة السوفياتية، وما الذي كان حقيقيًا من الحديث عن المؤامرات والتخريب، وأين بدأ الخوف يتحول إلى أداة للحكم؟

هناك سندخل واحدة من أكثر مراحل التاريخ السوفياتي قسوة وإثارة للجدل.

يتبع...

الحلقة الثامنة: ستالين في ذروة السلطة... التطهير الكبير، المحاكمات، الغولاغ وتحول الحزب إلى دولة الرجل الواحد

د. خليل كاعين

26 أيلول 2026