
رأس كبير من البندورة فوق صحن واسع من المجدّرة الحمرا، وإلى جانبه رأس بصل أخضر كبير... ويلعن أبو اللحمة المشويّة!
فاللحمة المشويّة لا يزاحمها شيء. رائحتها تملأ الحارة، وقد تبلغ الساحة التحتا والساحة الفوقا، وتصل حتى ملحمة أسعد سعد. عشرات الأيدي تتناول السيخ بعد السيخ، من دون وسيط، مباشرة عن الكانون وفحماته الكبيرة. وما ألذّ اللحم حين تكون ملتصقاً بالكانون أو منحنياً فوقه، وعلى مقربة منك ركوة قهوة تستوي على الفحم.
ورائحة القهوة تملأ الحارات، وصوتها يملأ الصباحات، كأن الناس تستيقظ دفعة واحدة على جرس القهوة؛ جرس يرنّ في كل البيوت والأحياء، وعلى كل المصاطب، حيث يجتمع الحب والألفة، وتتدفق الأحاديث والدردشات والحكايات.
والجرس يذكّرني بأجراس كنائس الخيام أيام الآحاد، حين كنّا نصغي جيداً لنميّز بين رنين الفرح، فيسري الفرح فينا، ورنين الحزن، فنذهب للمواساة. وبعد ذلك، نمضي نحن والأحد إلى من نحب، وإلى حيث نشاء.
إنها الخيام...
ما إن تلمح الربيع حتى تفيض بالورود، بل كأنها تستعير قطعة من الجنة وتوزعها على أحيائها. الدفلى صفوف، والياسمين رفوف، والجوري يغني، وعطر الليل يفوح، والفل والقرنفل والبيلسان، وأشجار خضراء وارفة تمتد صفوفها ولا تنتهي.
وحين يلوح الصيف، تمتلئ الخيام بالشباب والصبايا والمهاجرين، وبكل من سرقتهم المدن منها. تمتلئ بالسيارات والسهرات والفرح، بسهرات لا توصد أبوابها حتى الصباح.
أما الأفران، فتكون في عزّ حيويتها ليلاً ونهاراً، وأمام كل فرن طابور طويل من الناس.
«جبنة أو زعتر؟» يسأل الفرّان.
وهل أطيب من المنقوشة ساخنة، وزعترها يتقبقب فوق عجينها؟
ثم يأتي دور البطيخ. في الصيف يناديك، فتحتار بين بطيخ المرج وبطيخ الوطى. والمهم ألّا يمر يوم بلا بطيخ، وألّا يمر يوم بلا تين ألذّ من العسل.
عزّت رشيدي
الخيام | khiyam.com
تعليقات: