
معلم الحدادة أبو علي عاطف محمد خريس موقفه الأخوي كشف معدن الرجل
من الذاكرة
لم تكن تربطني بمعلم الحدادة أبو علي عاطف محمد خريس في البداية علاقة، سوى مجرد معرفة شخصية عابرة. لكن موقفاً واحداً، جاء في وقت صعب، كان كفيلاً بأن يكشف لي معدن الرجل، وأن يحوّل تلك المعرفة إلى صداقة أعتز بها حتى اليوم.
رحلة إعادة البناء بعد عدوان تموز
بعد عدوان تموز، وخلال عملي على إعادة بناء منزلي المهدّم في الخيام، لم يكن من السهل العثور على معلمين في البناء والأشغال المرتبطة به، بسبب كثرة الطلب وحجم الأضرار التي لحقت بالبلدة والمنطقة.
وقيل لي يومها إن هناك معلم حدادة ماهراً من أبناء الخيام، لديه ورشة حدادة في بلدة حاروف، هو عزات خريس «أبو علاء».
اتصلت به واتفقنا على تنفيذ الأشغال المطلوبة. وفي اليوم التالي حضر إلى الخيام، وأخذ المقاسات، وحددنا مهلة زمنية للإنجاز، ودفعت له مبلغاً على الحساب.
تأخّر التنفيذ... وقلق يتزايد
مرّ الوقت، وشارفت المهلة المتفق عليها على الانتهاء، من دون أن يبدأ العمل. وبعد ذلك، أصبح من الصعب التواصل معه، إذ كنت أتصل مراراً من دون أن أتلقى جواباً.
واستمر الوضع على هذا الحال أسابيع عدة، إلى أن صادفت شقيقه عاطف خريس، وهو أيضاً معلم حدادة.
شرحت له ما جرى، وكنت يومها في حالة من الغضب والانزعاج.
موقف أخوي لا يُنسى
استمع إليّ عاطف بكل هدوء، ثم أوضح لي أن شقيقه يمر بأزمة مالية صعبة، وتعهد شخصياً بمعالجة الأمر.
وقال لي بكل بساطة: «اعتبر كأنني أنا من استلم منك الدفعة».
ثم توجّه معي إلى المنزل، وأعاد أخذ المقاسات، وتكفّل بتنفيذ كامل الأشغال المطلوبة على عاتقه وبالنيابة عن شقيقه.
وخلال أسابيع قليلة، كان قد أنجز العمل على أكمل وجه، وباحترافية عالية، ومن دون أن يجعلني أتحمل تبعات المشكلة التي وقع فيها أخوه.
أخ يسند أخاه في أزمته
ذلك الموقف ترك أثراً كبيراً في نفسي.
فما فعله عاطف لم يكن مجرد التزام مهني، بل كان تعبيراً صادقاً عن عاطفة الأخ تجاه أخيه، وعن تحمّل المسؤولية والوقوف إلى جانبه في وقت الضيق.
لقد قدّم مثالاً حياً لما يمكن أن تكون عليه العلاقة بين الإخوة في مجتمعنا: سنداً في الشدة قبل الفرح، واحتواءً عند التعثر بدل التخلي.
وقد رحل عزات، رحمه الله، أواخر العام الماضي، وبقيت هذه الحادثة واحدة من المواقف التي تذكرني به وبوقفة أخيه إلى جانبه.
من الثقة المهنية إلى الصداقة
أما أبو علي عاطف، فقد دفعني إبداعه في عمله، وإتقانه، وإخلاصه، وثقته العالية، إلى الاعتماد عليه لاحقاً في معظم أشغال الحدادة الخاصة بي، وبأصدقائي وأقاربي.
لكن الأهم من كل ذلك، أن هذه التجربة لم تمنحني معلماً ماهراً فحسب، بل عرّفتني إلى إنسان معدنه أصيل، فتحولت المعرفة العابرة مع الأيام إلى صداقة أعتز بها.
كلمة أخيرة
رحم الله عزات خريس، فكل إنسان قد يمرّ في حياته بأزمة أو ظروف قاسية، والمواقف الصعبة هي التي تكشف قيمة من يقف إلى جانبه.
أما عاطف، فقد أعطاني يومها درساً في الأخوّة الحقيقية والمروءة وتحمل المسؤولية، وهي مواقف تبقى في الذاكرة مهما مرّ عليها الزمن. وكم من اخوة تقاتلوا وتباعدوا على تقاسم ميراث..
الله يفرّجها على الجميع، ويرحم من رحل، ويحفظ من بقي.
المهندس أسعد رشيدي

المرحوم عزات محمد خريس «أبو علاء»
الخيام | khiyam.com
تعليقات: