خليل كاعين: الشرق الأوسط بين صراع القوى وتقاسم النفوذ


العرب ساحة أم شركاء في رسم المستقبل؟

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط يطرح سؤالًا يتجاوز الحروب والمواجهات التي تتنقل من ساحة إلى أخرى: هل نحن أمام صراعات منفصلة تفرضها ظروف كل دولة، أم أمام مرحلة جديدة يُعاد خلالها توزيع النفوذ في المنطقة بين قوى إقليمية ودولية، فيما تتراجع قدرة الدول العربية على التأثير في رسم مستقبلها؟

المناوشات السياسية والإعلامية المتصاعدة بين تركيا وإسرائيل تعيد طرح هذا السؤال بقوة. فمن السهل النظر إليها باعتبارها بداية مواجهة بين مشروعين متعارضين، كما يمكن الذهاب إلى الطرف الآخر وافتراض أنها مجرد مسرحية متفق عليها. لكن الواقع قد يكون أكثر تعقيدًا من الاحتمالين معًا.

فليس ضروريًا أن تجلس إسرائيل وتركيا وإيران والولايات المتحدة حول طاولة واحدة لتقسيم المنطقة، حتى تنتهي صراعاتها إلى ما يشبه تقاسمًا فعليًا لمناطق النفوذ. التاريخ مليء بصراعات حقيقية انتهت إلى تفاهمات ضمنية فرضتها موازين القوى والمصالح المتبادلة.


تركيا وإسرائيل: خلاف حقيقي أم إدارة للتنافس؟

العلاقة التركية–الإسرائيلية نموذج لهذا التعقيد. فقد عرفت الدولتان لعقود تعاونًا اقتصاديًا وعسكريًا وأمنيًا، كما عرفتا في مراحل أخرى خلافات حادة وخطابات سياسية وصلت إلى مستويات غير مسبوقة من التصعيد.

لكن الخلاف السياسي لا يلغي المصالح، كما أن استمرار بعض المصالح لا يعني بالضرورة أن الخلاف مصطنع.

تركيا تنظر إلى نفسها بوصفها قوة إقليمية كبرى، وتسعى منذ سنوات إلى توسيع حضورها السياسي والعسكري والاقتصادي، من سوريا والعراق إلى ليبيا وشرق المتوسط. ويصعب فصل هذه السياسة عن استعادة أنقرة لدور إقليمي يتجاوز حدود الجمهورية التركية، ويستحضر في بعض جوانبه المجال التاريخي للدولة العثمانية.

في المقابل، تعمل إسرائيل على توسيع مجالها الأمني والاستراتيجي، وعلى منع تشكّل قوى عسكرية أو سياسية قادرة على تهديد تفوقها الإقليمي.

ومن هنا يصبح الاحتكاك بين المشروعين أمرًا طبيعيًا، ولا سيما في سوريا وشرق المتوسط.

لكن السؤال ليس فقط عمّا إذا كان الطرفان سيتواجهان، بل عمّا إذا كان تنافسهما قد ينتهي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى رسم حدود لنفوذ كل منهما.


إيران وإسرائيل: الخصومة التي أفادت الطرفين

يمكن النظر إلى العلاقة الإيرانية–الإسرائيلية من الزاوية نفسها.

فالعداء بين الدولتين حقيقي، وقد تطور إلى مواجهات عسكرية مباشرة وغير مباشرة. لكن الصراع الطويل بينهما منح كل طرف، في الوقت نفسه، أدوات سياسية واستراتيجية استفاد منها.

إيران استخدمت المواجهة مع إسرائيل لتثبيت حضورها الإقليمي وبناء شبكة من الحلفاء والقوى المسلحة، فيما استخدمت إسرائيل الخطر الإيراني لتبرير جانب كبير من استراتيجيتها الأمنية، وتعزيز تحالفاتها الإقليمية والدولية، وتأكيد ضرورة تفوقها العسكري.

وهنا يجب التمييز بين التواطؤ والاستفادة المتبادلة من الصراع.

ليس كل خصمين يستفيدان من استمرار خصومتهما متفقين سرًا. لكن استمرار الصراع قد يتحول بحد ذاته إلى عنصر يخدم مصالح داخلية وإقليمية لدى الطرفين، بينما تتحمل ساحات المواجهة الجزء الأكبر من الخسائر.


الولايات المتحدة: ليست مجرد لاعب رابع

أما الولايات المتحدة، فلا يمكن وضعها ببساطة إلى جانب إسرائيل وتركيا وإيران باعتبارها قوة رابعة متساوية معها.

فواشنطن قوة عالمية، وحضورها في الشرق الأوسط يتجاوز السيطرة المباشرة على منطقة نفوذ محددة. فهي تمتلك قواعد عسكرية وتحالفات سياسية وأمنية وأدوات اقتصادية ومالية، فضلًا عن قدرتها على التأثير في العلاقات بين القوى الإقليمية نفسها.

ولذلك تبدو الولايات المتحدة، في كثير من الأحيان، لاعبًا داخل الصراع ومديرًا لبعض توازناته في آن واحد.

وإذا كان اهتمامها الاستراتيجي يتجه بصورة متزايدة نحو المنافسة مع الصين، فإن ذلك لا يعني انسحابها من الشرق الأوسط، بل ربما إعادة صياغة حضورها فيه بحيث تحافظ على مصالحها الأساسية بأقل كلفة مباشرة ممكنة.


وأين روسيا والصين؟

لا تتمل الصورة من دون روسيا والصين.

روسيا حاولت خلال السنوات الماضية تثبيت موقعها كقوة مؤثرة في الشرق الأوسط، وخصوصًا عبر سوريا، فيما تعتمد الصين بصورة أكبر على الاقتصاد والتجارة والطاقة والاستثمارات والممرات الدولية، بدل الحضور العسكري المباشر الواسع.

وإذا كانت واشنطن لا تزال تمتلك أدوات النفوذ الأكبر في المنطقة، فإن التنافس الدولي يجعل الشرق الأوسط جزءًا من صراع عالمي أوسع على الأسواق والطاقة والممرات البحرية والبرية ومواقع النفوذ.


العرب: من الفاعل إلى الساحة

لكن المشكلة الأساسية ليست في أن تركيا لديها مشروع، أو أن إيران تسعى إلى النفوذ، أو أن إسرائيل تعمل على توسيع مجالها الأمني، أو أن الولايات المتحدة تدافع عن مصالحها.

فالدول تفعل ما تعتبره خدمة لمصالحها.

المشكلة الحقيقية تبدأ عندما لا يقابل هذه المشاريع مشروع عربي قادر على حماية مصالح الدول والشعوب العربية.

سوريا تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح دول عدة. العراق ما زال يعيش تجاذبات داخلية وإقليمية ودولية. لبنان دفع أثمانًا كبيرة نتيجة تحوله مرارًا إلى ساحة للصراعات المحيطة به. فلسطين ما زالت تدفع الثمن الأكبر، فيما أصبح أمن المنطقة وترتيباتها يُناقشان، في كثير من الأحيان، بمعزل عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته.

حتى الدول العربية الأكثر استقرارًا وقوة اقتصادية تجد نفسها مضطرة إلى المناورة بين تحالفات دولية ومخاطر إقليمية متغيرة.

وهنا يصبح السؤال أكثر إيلامًا: هل يجري تقسيم العالم العربي، أم أن ضعف العالم العربي هو الذي يجعل تقسيم النفوذ داخله ممكنًا؟


ليس بالضرورة مؤامرة

قد يكون من المريح أحيانًا تفسير ما يحدث باعتباره مخططًا متكاملًا وضعته مجموعة من القوى واتفق الجميع على تنفيذه.

لكن الواقع الدولي عادة أكثر فوضوية.

تركيا وإسرائيل تتنافسان. إيران وإسرائيل تتصارعان. تركيا وإيران تتعاونان في ملفات وتتعارضان في أخرى. الولايات المتحدة تتحالف مع تركيا وإسرائيل، لكنها تختلف معهما أحيانًا حول حدود الحركة الإقليمية. روسيا والصين، بدورهما، تبحثان عن مساحات يتركها التراجع أو الانشغال الأميركي.

هذه القوى ليست جبهة واحدة.

لكنها جميعًا تعرف ماذا تريد، أو على الأقل تمتلك مؤسسات تعمل على تحديد مصالحها والدفاع عنها.

وهنا تكمن المفارقة.

ليس المطلوب وجود مؤامرة كي يخسر العرب. يكفي أن يمتلك الآخرون مشاريعهم، فيما يعجز العرب عن صياغة مشروعهم.


ما بعد نتنياهو

ومن الخطأ أيضًا اختزال السياسة الإسرائيلية بشخص بنيامين نتنياهو.

قد تكون حساباته السياسية الداخلية، ومستقبله الانتخابي والقضائي، عوامل مؤثرة في قراراته. لكن رحيله لا يعني بالضرورة انتهاء السياسة التي يمثلها.

فالتحولات التي شهدها المجتمع الإسرائيلي، وصعود اليمين والقوى الدينية والقومية، واتساع المشروع الاستيطاني، كلها عوامل تتجاوز شخص رئيس الحكومة.

ولذلك فإن السؤال ليس: متى يرحل نتنياهو؟

بل: أي إسرائيل ستأتي بعد نتنياهو؟

فقد يأتي بديل أكثر استعدادًا للتسويات، كما قد تأتي قيادة أكثر تشددًا. وما يحدد ذلك ليس اسم الشخص وحده، بل الاتجاه الذي يسلكه المجتمع الإسرائيلي ومؤسساته وموازين القوى داخله.


الشرق الأوسط الجديد... ولكن لمن؟

منذ عقود يتكرر الحديث عن «شرق أوسط جديد». تتغير التسميات والمشاريع، لكن المنطقة تستمر في الانتقال من حرب إلى أخرى، ومن أزمة إلى أخرى.

واليوم قد نكون أمام مرحلة مختلفة من إعادة تشكيل موازين القوى.

إسرائيل تبحث عن تثبيت تفوقها وتوسيع مجال أمنها. تركيا تستعيد طموحها الإقليمي. إيران تحاول المحافظة على نفوذ بنته خلال عقود. الولايات المتحدة تعيد ترتيب أولوياتها من دون التخلي عن مصالحها الأساسية. روسيا والصين تبحثان عن موقع أكبر في النظام الدولي الجديد.

وسط كل ذلك، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل العرب أكثر من البحث عن الاتفاقات السرية بين الآخرين:


أين المشروع العربي؟

فالمشكلة ليست أن الآخرين يتآمرون أو يتنافسون أو يتفقون.

هذه هي طبيعة العلاقات الدولية منذ نشوء الدول.

المشكلة أن الآخرين يدخلون الصراع بمشاريع ومصالح واستراتيجيات، بينما تدخل أجزاء واسعة من العالم العربي إليه منقسمة على نفسها، فتتحول أراضيها ومواردها وشعوبها إلى أوراق في مشاريع الآخرين.

وعندها لا يعود السؤال: من سيقتسم النفوذ في الشرق الأوسط؟


بل يصبح السؤال الأكثر خطورة:

هل يستطيع العرب استعادة موقعهم كطرف في رسم مستقبل المنطقة، أم سيبقون الأرض التي يرسم الآخرون فوقها خرائط نفوذهم؟


د. خليل كاعين

23 آب 2026

تعليقات: