
الأستاذ فايز أبو عبّاس
ودعت الشمس الأفق.. والقت بنفسها وراء الحجب ..
تجرجر وراءها بعض اضواء حمراء صبغت بها الأفق ..
الذي ينتظر هبوط الظلام ونشر عباءته السوداء على الارض وما عليها...
تراقبه النجوم الفرحة التي راحت تزقزق وترقص مطربة بما يلقيه عليها من أنغام همس السكون وبعض نسايم تدغدغ مفاصلها فتتمايل مع هبات نسايم الأضواء..
في هذا الليل الطويل ومع ظلامه الموحش وما يوحيه من عويل عليل.. تهب بعض نسيمات تلامس المشاعر والاحاسيس فتترك نوعا من النعاس في احضان هذا السكون الناعم الملمس الذي يغري النفس باستمرار هذا الأنس والراحة إلى امد طويل
في هذه الحالة من السكون العائم في الفضاء مع الأحلام المتمسك بأهداب الغيوم يفتش عن مقر او مستقر بينها يتمناه دايم الوجود والحضور
في هذه الحالة من الوجوم..
يقرع الباب.. فيقطع هذا الحبل الواهن من التجوال بالراحة والأنس والخيال
فتجد نفسك أمام صديق عزيز قادم متعب من ثقل الهموم تفوح من محياه انفاس معطرة بروايح الجنوب وما ينبعث منه جراح وآلام وصخب لا يسمع له ترداد او ترددات صدى في هذه الارض وكانّه في كوكب من عالم آخر
استقبل هذا الصديق بما يليق به وبمعنى الصداقة من قيم ومعنى وجلس يرتاح من تعب ومشاق ما شاهده وعاناه في الجنوب المعذب المقهور الذي ترك عقابا لما حمله واهله من عز ومجد صمود ومقاومة لعدوان شياطين الارض المجرمين مستترين بغطاء شفاف لماع بلا حدود او قيود لجر العالم إلى غابات وحوش كاسرة خالية من كل إرادة حرة مقيدة بسلاسل اسر وعبودية للأقوى والأشرس من كل الوحوش
جلس صاحبنا بعد ان ارتاح وارتشف فنجان القهوة المرة ليصحو من كثرة ما اصابه من هم وغم وعذاب ..
قلنا له ...
اهلا أيها العزيز الغالي ...
قل لنا أين كنت ..؟
وكيف كنت تمضي ايامك ؟؟
وكيف هي الأوضاع الحياتية والاجتماعية ؟؟؟
استقام في جلسته بعد استراحة طويلة .. وبعد ان أخذ نفسا عيقا
وشعر بالراحة والامان ...
قال ...
كنت في الجنوب وتحديدا في النبطية.. التي لا تنام ... نهارها ليلي وليلها نهار.. أصوات الانفجارات تتردد وصداها يتجاوب في الأرجاء الأربع والجوار
والحياة فيها قلق واضطراب دايم وقضية مرتفعات علي الطاهر فيلم أميركي طويل والشيء الذي رأيتموه وسمعتوه تمثيل بتمثيل هي بعض الأنفاق والمقرات التي كانت قريبة من الحرش وصل اليها جيش العدو ولم يستطيع الاستمرار بسبب المقاومة ففجروها
قلنا له وزيارة فخامة الرئيس امس مع قايد الجيش كيف تراه وتقومه ؟؟
قال...
كان من المقرر استقبال فخامته من قبل العدوّ بإطلاق احدى وعشرين طلقة مدفعية ترحيبا مع سرب من الطائرات المقابلة
ولكن الظاهر ان بعض الاتصالات حصلت من قبل دول عظمى تأجل هذا الأمر ( اكراما لشخصه وخوفا من تفسير ذلك على انه قصف مدفعي على مواقع للمقاومة مما يثير الرعب عند المستقبلين .. فقد تأجل ذلك إلى ما بعد انتهاء الزيارة ومغادرة الرئيس المدينة )
وفعلا هذا ما حصل ما ان غادر الرئيس وصحبة المنطقة حتى كان الوداع بعدد لا يستهان به من القصف المدفعي وغارات الطيران ...
قلنا هل يمكن ان تحدثنا عما جرى ايضا أثناء هذه الزيارة ؟؟؟؟
ابتسم ابتسامة عريضة بانت من خلالها اسنانه..
وقال :.حصلت حادثة غريبة أثناء الزيارة.. كادت ان تفجر مشكلة كبيرة ..
قلنا هات ماعندك ... ما هي هذه الحادثة ؟؟؟
كعادته أخذ نفسا عميقا واستقام في جلسته
وقال:
حضر احد الشبان إلى التجمع حول الرئيس.. وصرخ..
قايلا.... هناك نفق ومراكز قيادة وتوجية ومستودعات ذخاير قرب الطريق المؤدي إلى المستشفى الحكومي..
فصدر الأمر للقوى العسكرية والأمنية ورجال الاختصاص بالذهاب بالتوجه فورا إلى المكان المحدد..
وفجاة وصلت طايرة اسراييلية مسيرة ودرون وبدات الدوران والاستكشاف في المكان المشار إلية.. وكانّها استدعيت للتحقق من وجود مثل هذا النفق وفي هذا المكان تحديدا
تجمعت القوى حول المكان بعد ان ضرب حوله وعلى مسافات لا تقل عن مائتي متر طوقا امنيا وبدا التفتيش
وإذا به نفق ومقر للقيادة والتوجية مع مستودع ضخم موصول بأنفاق فرعية إلى بناء قريب هذه الأنفاق موصولة
بالحمامات والمراحيض لتصريف المياة المبتذلة المعطرة بروايح تثير القيء إلى المكان الذي قيل عنه غرف قيادة وتوجيه وذخائر والذي هو عبارة عن ( حفرة صحية لها فتحة قرب الطريق العام تسهيلا لإفراغها في حال امتلات وجرت مياهها الآسنة قرب الطريق )
فعادت القوى العسكرية والأمنية إلى قيادتها بمخفي حنين.. لتخبرها الحقيقة المجردة..
ضحك الضيف وضحكنا معه على هذا الفيلم القصير والمعبر عن الرعب والضياع والجنون عند كثير من الناس وحتى القوى المفروض فيها او تكون على درجة عالية من الوعي والإدراك والفهم للمسؤوليات والمهمات في هذه الايام بالذات
الايام الحرجة الملأى بالأحداث والمفاجات والتطورات
قضينا بقية السهرة ونحن نتناول الأحاديث والحكايات المبكية والمفرحة التي تحصل وتجري في الجنوب مع أبنائه المقاومين الأبطال وأبنائهم الشهداء الذين رووا ارضه المقدسة دماء
تحدثنا عن علاقة ابن الجنوب بتوأمه الارض التي لا ينفصل عنها إلا بالاستشهاد والتي تبقى الأرواح تحرسها وترعاها من السماء
تحدثنا عن هذا السر الرهيب الذي تحمله الارض والإنسان معا وكأنهما جسدا وروحا معا..
تحدثنا عن ابن الجنوب الوفي الكريم المضحي العالم والأمي القوي والضعيف الغني والفقير ابن الجنوب الراقي المسامح الذي لا يعرف الحقد والضغينة ذو القلب الطاهر الأبيض الصافي النقي
تحدثنا عن المستقبل والعودة والتحرير مهما طالت الايام ومهما حصل من ظلم واهمال وحتى تآمر عليه وعلى ارضه ووجوده ومصيرة
تحدثنا عن تاريخ ابن الجنوب هذا العاملي اليمني الأصيل الذي لا يقبل الضيم والقهر وان كان صبره طويل ولكنه في النهاية له حد وسينتفض ويحرر ارضه يطهرها من كل رجس كعادته عبر التاريخ
مع التحية والى لقاء آخر مع صديق وأخ ورفيق آخر من رجال المقاومة في الجنوب ( جبل عامل وامتداده )
الأستاذ فايز أبو عبّاس
الخيام | khiyam.com
تعليقات: