فايز أبو عباس: من ذاكرة الخيام.. «التَّيّانة»، صيفٌ بين أشجار التين وخيمةٌ للحياة

الأستاذ فايز أبو عباس: لم تكن «التَّيّانة» مجرد موسم لقطاف التين، بل كانت نمط حياة متكاملاً، يجمع العمل والفرح والتعاون واللقاءات الاجتماعيةوالقدرة على تحويل التعب إلى مناسبة جميلة
الأستاذ فايز أبو عباس: لم تكن «التَّيّانة» مجرد موسم لقطاف التين، بل كانت نمط حياة متكاملاً، يجمع العمل والفرح والتعاون واللقاءات الاجتماعيةوالقدرة على تحويل التعب إلى مناسبة جميلة


هناك موضوع تراثي مهم، يجهله كثيرون من أبناء الجيل الحالي، إما لأنهم لم يعيشوه، وإما لأن أحداً من كبار السن والمعمّرين لم يحدثهم عنه.

هذا التقليد اندثر تدريجياً، وكانت آخر ملامحه تتلاشى ببطء في أواخر خمسينيات القرن الماضي، مع أن جذوره تمتد إلى العهد العثماني وما قبله.

وقد يتساءل القارئ: ما هذا النشاط التراثي الذي جمع، في آن واحد، بين المنفعة المادية، والمهارة الفنية التي كانت تقترب أحياناً من أجواء الكرنفال، وتأمين مادة غذائية غنية بالبروتينات للأسرة، فضلاً عن كونه مناسبة للتعارف بين الشباب والصبايا، وكثيراً ما كان هذا التعارف ينتهي بالزواج؟ كما كان مناسبة جوهرية لاجتماع الأقارب والأحبة.

إنه موسم «التَّيّانة» أو «التَّتبيت»، أي الإقامة الصيفية بين أشجار التين لجني ثمارها وتجفيفها وتحضيرها.

وقبل الدخول في تفاصيل هذا الموضوع، كان لا بد من تقديم صورة عامة عنه، وإثارة فضول القارئ للتعرّف إلى واحد من أجمل فصول الحياة الريفية القديمة في الخيام.


الخيام بين الزراعة والمهن الحرة

في العهد العثماني، ثم خلال فترة الانتداب وبعد الاستقلال، كانت الخيام لا تزال قرية قبل أن تتطور وتصبح بلدة.

وكان معظم سكانها يعتمدون في معيشتهم على الزراعة، فيما عمل بعضهم في المهن والحرف الحرة. ولم تكن الزراعة تقتصر على الحبوب والمحاصيل الموسمية، على أهميتها، بل شملت أيضاً زراعة الأشجار المثمرة.

ومن أبرز الأشجار التي انتشرت آنذاك شجرتا التين والزيتون، وهما من الأشجار التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، واكتسبتا مكانة خاصة في حياة الناس ووجدانهم.

وكانت الخيام محاطة ببساتين هذه الأشجار، وخصوصاً على منحدراتها الغربية، حيث انتشرت الأشجار مختلطة في بعض المناطق، ومتخصصة بنوع واحد في مناطق أخرى.


بساتين التين في البياض والخرايب

كانت منطقة البياض والخرايب، امتداداً إلى رأس الملوك، معروفة بكثرة أشجار التين، ولا سيما النوع الذي كان يُسمّى محلياً «الليليين».

وهنا نصل إلى جوهر الحكاية: فقد كان معظم أهالي الخيام يقضون جزءاً كبيراً من فصل الصيف بين أشجار التين، في ما كان يُعرف بـ«التَّيّانة» أو «التَّتبيت».

ومن لم يكن يملك أرضاً مزروعة بالتين، كان يستأجر البساتين أو يضمن محصولها من كبار الملاّكين.

ولم يقتصر الأمر على بساتين الخيام وحدها، بل كان بعض الأهالي يضمنون أشجار التين في دبين، وخصوصاً في تل دبين والمناطق المحيطة به. وفي خمسينيات القرن الماضي، اتسعت دائرة الضمان لتشمل بساتين التين في كفرحمام أيضاً.


كيف كان يجري ضمان التين؟

كان الضمان يتم بعدد الأشجار، وبعد الكشف عليها، سواء كانت مزروعة في مجموعات أو على شكل صفوف.

وكان الاتفاق يعتمد على تقدير كمية الإنتاج وجودته، إذ لم تكن جميع أنواع التين متساوية. فبعض الثمار تبقى قشرتها خضراء عند النضج، بينما تتحول قشرة أنواع أخرى إلى اللون الأصفر، وكان هذا النوع يُعد أجود وأسهل في التسويق بعد تجفيفه.

وكانت صفوف الأشجار متقاربة في معظم الأحيان. وقد يضمن الشخص صفاً أو صفين أو أكثر، ما يستدعي تمييز أشجاره عن أشجار جاره عند حلول موعد القطاف.

ولأن ثمار التين لا تنضج دفعة واحدة، بل على مراحل، كان القطاف يتكرر عادة كل أربعة أو خمسة أيام، ويشارك فيه عدد من القطّافين.

ولتجنب الالتباس بين الأشجار، كانت الجذوع تُعلَّم بالطين الأبيض أو الأحمر، وأحياناً بالطين الأبيض الممزوج بمادة النيل الأزرق.


إقامة تمتد شهرين أو أكثر

لم يكن موسم التين رحلة قصيرة أو عملاً ليوم واحد، بل كانت الإقامة بين الأشجار تمتد أحياناً إلى شهرين أو أكثر.

ولهذا كان الخياميون يبنون ما يُعرف بـ**«خيمة التين»**، لتصبح مسكناً صيفياً مؤقتاً للأسرة طوال الموسم.


بناء خيمة التين

كانت خيمة التين تُقام بين الأشجار، سواء كانت مزروعة على شكل صفوف منتظمة أو موزعة بصورة عشوائية.

وتُبنى على هيئة قبة من أغصان الحور أو الدفلى أو الصنوبر، وتُغطى بما يتوافر من مواد نباتية تحمي الأسرة من حرارة الشمس وبرودة الليل.

وأمام الخيمة كان يُقام «المسطاح»، وهو مساحة دائرية غالباً، تحيط بها سياج من النباتات الشوكية لحمايتها.

وفي وسط المسطاح يُوضع «نياط الفاقوع»، وهو السطح الذي تُنشر فوقه ثمار التين بعد شقها، كي تجف تحت أشعة الشمس.

وكانت بعض الأسر تطلي المساطح والأرائك بالطين الأبيض المخلوط بالتبن، حفاظاً على نظافتها وتماسكها.

لمسات فنية داخل الخيمة

أما داخل الخيمة، فكانت ربة المنزل تتفنن في ترتيب المكان وطلاء الأرض والأرائك، وتحديد موضع الفراش بأسلوب جميل ومنظّم.

وكانت تحضر معها أدوات الطهي، وتجهّز الموقد، وتوفّر جميع مستلزمات الإقامة اليومية، فتتحول الخيمة من مأوى بسيط إلى بيت صيفي صغير ينبض بالحياة.

وهكذا لم تكن «التَّيّانة» مجرد موسم لقطاف التين، بل كانت نمط حياة متكاملاً، يجمع العمل والفرح والتعاون واللقاءات الاجتماعية، ويكشف جانباً من ذكاء الخياميين وقدرتهم على تحويل التعب إلى مناسبة جميلة.


في الحلقة القادمة نتوقف عند تفاصيل جني المحصول، وتشريح ثمار التين، وتجفيفها، وتحضيرها للتخزين والتسويق.


فايز أبو عباس

تعليقات: