كامل جابر: العدوان الإسرائيلي يدمر ‎تراثاً للمجلس الثقافي للبنان الجنوبي


النبطية-

في خضم الحزن والقهر على أرواح الجنوبيّين الأبرياء ممّن يسقطون في كلّ يوم على مذبح الوطن والانتماء، وبيوتهم التي قوّضها العدوان الإسرائيليّ المتمادي في قرى وبلدات دُمّرت بأكملها، أو في حيّز كبير منها، ومعها امّحت أدواتهم ومقنتياتهم وأملاكهم ومكتباتهم ودلائل تربطهم بذاكرتهم وتاريخهم، يأتي تدمير منزل الأديب والمناضل الوطنيّ الأستاذ حبيب صادق في بلدة الكفور غرب مدينة النبطية، ليل أمس، الرابع من أيلول (سبتمبر) 2026، ليضيف إلى خسارات أبناء الجنوب خسارة كبيرة لما يحتويه هذا البيت الجميل الذي بناه الأستاذ حبيب وعائلته، بشغاف القلب وبريق العيون وعشق الأرض، من منحوتات ولوحات تشكيليّة وكتب ومخطوطات خاصّة وعامّة، بعدما نقل إليه كثيراً من ذاكرته المخطوطة بيده، المتراكمة في بيروت خلال سبعة عقود أو من أعمال فنّيّة لتشكيليّين ونحّاتين مبدعين خالدين.

بين جدران البيت الذي بدأ في تشييده منذ العام 2010 على نمط جنوبيّ غير معقّد، وكان يشكّل حلماً من أحلام صاحبه المتنشّق على الدوام رائحة تراب الجنوب، المتعلق بأرضه وبيئته وناسه، شهدت غرفه ومقاعده على حسن ضيافة واستقبال كانا يميّزان الأديب الراحل حينما حول البيت الرابض على رابية من روابي الجنوب إلى منتدى ثقافي وأدبيّ وفنّيّ دارت بين جدرانه كثير من الجلسات والمناقشات والقرارات الثقافيّة والاجتماعيّة والأدبيّة المتعلّقة بتكريم المبدعين وإحياء النشاطات والمعارض والأمسيات، وفي صناعة الكتب وطباعتها من بينها الكتاب المعرفة "حوار الأيّام" الذي يتناول سيرة أمين عام المجلس الثقافي للبنان الجنوبيّ نفسه حبيب صادق.

في قاعته الكبيرة استقبل الأستاذ حبيب خلال الـ12 من تشرين الأوّل (أكتوبر) العام 2014 الموسيقار مرسيل خليفة وأميمة الخليل ونقيب المصوّرين الصحافيّين في لبنان جمال السعيدي، وكان حوار مطوّل حول قصيدة "نشيد الانتفاضة" أو "انهض للثورة والثأر" مع الانتفاضة الفلسطينية الأولى (انتفاضة الحجر) التي كتبها الأديب الراحل ولحنها مرسيل وأنشدتها فرقته ويقول مطلعها:

انهض للثورة والثأر

إنهض كهبوب الإعصار

وارجم أعداءك بالنار

واهتف بالصوت الهدّار

الثورة.. الثورة.. الثورة.. الثورة نهج الأحرار

وكذلك قصيدة أرض الجنوب التي كتبها حبيب صادق ولحنّها مرسيل خليفة وأنشدتها أميمة الخليل بعدما باتت تشكل نشيد الجنوب والجنوبيّين، مطلعها:

شدّي عليكِ الجرح وانتصبي/ عبر الدجى رمحاً من اللهبِ/ يا ساحة الأنواء كَمْ عصفَت/ فيها خيول الهول والرعبِ/ فالأرض فيها وجه مذبحةٍ/ والجوّ أمطار من الشهبِ/ لم يبقَ غصنٌ غير منتهبِ/ لم يبقَ وجهٌ غير مستلبِ...

وفيه حلّت وجوه أدبيّة عربيّة وعالميّة ومحلّيّة، وشعراء ومخرجون وتشكيليّون، إلى وجوه جنوبيّة كانت تحمل إلى هذا البيت حفنة من تراب القرى وعبقاً من أسمائها، فتضعها بين يدي الأديب الذي تحبّ وتقدّر، فتتحوّل إلى بلسم وأدب وديوان ورواية، لا سيّما تلك الذكريات المتنقّلة بين تلال كفرشوبا وسفوح حولا وفوق هضاب ودروب القرى الجنوبيّة الحدوديّة والداخليّة وأسمائها الحسنى.

ثمّة لوحات مختلفة لفنّانين تشكيليّين عظام راحلين وأحياء مهداة له من أصحابها نقلها الأستاذ حبيب من بيروت إلى الكفور، من هذه اللوحات التي كان يحبّها كثيراً لوحة "امرأة التبغ" للفنّان التشكيليّ الراحل ناظم إيراني (1930 – 2014) رسمها في العام 1975 بألوان الشمع (الباستيل) وتمثّل امرأة جنوبيّة يمتدّ جسدها على مساحة الأرض المزروعة تبغاً. وثمّة لوحات لبّول غراغوسيان (1926- 1993) ورفيق شرف (1932- 2003) وحسن جوني وشربل فارس وحسين ياغي ومنحوتات من أعمال المهندس سليمان سليمان.

في السنوات الأخيرة، قبل رحيل الأستاذ حبيب في الأوّل من تمّوز (يوليو) 2023، نقل إلى الديوانيّة السفلى في بيت الكفور صناديق تحتوي على مئات المخطوطات من حلقات إذاعيّة كان قد قدّمها عبر أثير إذاعة لبنان، إلى مقالات وأفكار تمثّل رصيداً ثميناً من ذاكرة "عزيزنا" السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة التي نتمنّى التنقيب عنها من بين الركام لعلّنا ننقذ بعضاً منها، ما يعوّض قليلاً من خسارة هذا البيت الجنوبيّ الحافل بالتاريخ الأصيل والثقافة المجدية التي أعطت إلى أهله وجميع اللبنانيّين من خلال أدب صاحبه أو من خلال منبر وقاعات المجلس الثقافي للبنان الجنوبيّ كلّ ما يخدم قضيّة الجنوب الذي عانى وأهله وسكّانه منذ قيام هذا الكيان الصهيونيّ على أرض فلسطين العام 1948، قتلاً وتهجيراً ودماراً وفتكاً بذاكرته ومكتباته وتاريخه على مختلف الصعد.

إنّ المجلس الثقافي للبنان الجنوبيّ، يدين بأشدّ العبارات هذا العدوان السافر على جنوب لبنان وأهله وأرزاقهم وديارهم، لا سيّما منزل الأديب الكبير حبيب صادق وعائلته، الذي كان بمثابة بيت الجنوبيّين كلّهم وجزءاً لا يتجزّأ من المجلس الثقافيّ للبنان الجنوبيّ، وعلى صورته المثلى. ويطالب الدولة اللبنانيّة بالتدخل الفوريّ وعلى أعلى المستويات الدوليّة لوقف هذه المجزرة المستمرّة بحقّ أبناء الجنوب فتزهق أرواحهم وتدّمر بيوتهم وأرزاقهم من دون حسيب أو رقيب على رغم القرار الصادر بوقف إطلاق النار، منذ الـ19 من حزيران (يونيو) الماضي.











تعليقات: