فؤاد مرعي: الاستاذ حسن مخزوم في الذاكرة الخيامية

الاستاذ حسن مخزوم والأديبة فاطمة مهنا
الاستاذ حسن مخزوم والأديبة فاطمة مهنا


شخصية تربوية ووطنية وقانونية

لم أكن قد تجاوزت العاشرة من عمري عندما رأيته للمرة الأولى.

رجلاً وسيماً، بهيّ الطلعة، بشوشاً، يجعلك تأنس بحضوره.

هكذا كان شعوري عندما اصطحبني والدي لتسجيلي في معهد «العناية». وعندما رآني والدي خائفاً من الالتحاق بمدرسة جديدة ليس لي فيها أصدقاء، قال لي: «صاحب المدرسة هو ابن خالتي، لا تقلق، سأوصيه بك».

رحّب بنا الأستاذ حسن أحسن ترحيب، فشعرت أنني لم أعد بحاجة إلى توصية. يكفيني تلك الابتسامة التي استقبلنا بها، وقد رأيت في عينيه العطف و«الرحمة» نحو تلميذ جديد خائف من المدرسة.

كنت أذهب إلى المعهد مرتدياً المريول الموحّد، وأظن أن لونه كان أزرق، وكنت أحمل حقيبة الكتب بيدي أو أعلّقها على كتفي. وغالباً ما كنت أعرّج على دكان قاسم حنون لأشتري حلوى أحتفظ بها لفرصة الساعة العاشرة.

اليوم أرى أن من الواجب تدوين السيرة الذاتية، ولو مختصرة، للأستاذ حسن مخزوم، كونه من الشخصيات الخيامية التربوية والوطنية التي تركت أثراً طيباً في نفوس من عرفوها.

ولد الأستاذ حسن في الخيام في ثلاثينيات القرن الماضي. عاش مرحلة شبابه في العاصمة بيروت، في منطقة برج حمود. وهناك أدار مع صديقه المرحوم علي معتوق مدرسة خاصة، حيث تمرّس في تحمّل المسؤولية وراكم خبرة ليست قليلة في الإدارة.

بعد ذلك نقل تجربته إلى بلدته الخيام، بعدما حصل على رخصة قانونية باسمه، وافتتح «معهد العناية». وقد حرص على أن يكون المعهد مدرسة مختلطة للصبيان والبنات. هذا الأمر لاقى ترحيباً في أوساط جيله من الشباب، كما لاقى تحفّظاً ودهشة في أوساط المحافظين الخياميين.

كانت هذه الخطوة مقدّراً لها النجاح والاستمرار في بلدة تتميّز بالانفتاح الثقافي والديني، سواء لدى عامة الناس أو رجال الدين.

كانت مدرسة العناية شبه مجانية، سمحت لأصحاب الدخل المحدود، وحتى الأقل دخلاً، بتعليم أبنائهم.

وقد ضمّت مجموعة من الأساتذة من الخيام ومنطقة مرجعيون ـ حاصبيا:

زيدان السعدي من شبعا، مدرّس الحساب؛ نهى عيد وأختها سهام عيد، مدرّستا اللغة الفرنسية؛ عصام مهنا، مدرّس اللغة العربية؛ علي شيري، مدرّس «دروس الأشياء»؛ محمد مخزوم، مدرّس التاريخ؛ كامل خشيش، مدرّس الحساب؛ عرفات غندور من النبطية؛ وفارس فارس من كفركلا.

كان معهد العناية أول مشروع مدرسي خاص، إذا ما استثنينا مدرسة أبو عبدو أو غيرها من المدارس القديمة التي لم تكن بحاجة إلى رخصة قانونية.

وفي القطاع الخاص التربوي، عرفت الخيام مدرسة الراهبات الكاثوليكية، ومدرسة جبرائيل القسيس، وربما مدارس أخرى لا أعرفها.


طموح ونشاطات عامة

بالتوازي مع إدارة معهد العناية، كان الأستاذ حسن مخزوم يتابع دراسة الحقوق في بيروت، إلى أن أصبح محامياً بالاستئناف، يتولى قضايا قانونية ويساهم في خدمة أبناء بلدته في هذا المجال.

في أوائل السبعينيات، طرحت مجموعة من الشباب فكرة إنشاء نادٍ ثقافي اجتماعي في الخيام. وقد احتاج الأمر، إضافة إلى الحصول على الرخصة، إلى جمع مبلغ من المال لإطلاق مشروع النادي.

ولهذه الغاية، سافر الأستاذ حسن بصحبة المحامي الأستاذ محمد الباشا والأستاذ علي طويل إلى الكويت، حيث توجد جالية خيامية مقتدرة.

وفي الكويت، ساهم في حملة التبرعات بشكل أساسي مغترب من آل عواضة، هو والد زوجة الدكتور كامل مهنا، ومغترب آخر يدعى حسين يوسف عبدالله، كما أفادتني بذلك الصديقة الأديبة فاطمة مهنا «أم غاندي»، زوجة الأستاذ حسن مخزوم.

وبالإضافة إلى المحامي القدير الأستاذ محمد الباشا، كان الأستاذ حسن صديقاً ومجايلاً للدكتور طلال يونس والدكتور علي عواضة.

وقد تعذّر الاتصال بالشخصيات الثلاث لسؤالهم إن كان هناك ما يمكن إضافته إلى هذه السيرة الذاتية الموجزة للأستاذ حسن، وأخذ آرائهم في هذا الشأن.

في شباط عام 1976، كان موعد «أبو غاندي» مع القدر على طريق كفر تبنيت ـ الخردلي، حيث انحرفت سيارته عن الطريق العام، ما أدى إلى وفاته. وقد ترك هذا الحادث المأساوي صدمة كبيرة في نفوس أهالي الخيام وكل من عرفه من سكان المنطقة أو سكان العاصمة بيروت.

وقد نعته نقابة المحامين، والحركة الوطنية، والمجلس الثقافي للبنان الجنوبي، واللجنة الشعبية في الخيام، وآل الفقيد.

ولدى سؤالي للست أم غاندي عمّا تشعر به بعد هذا الغياب الطويل، قالت: «ومتى كان الجرح يحكي عن أوجاعه؟ حسن جرحنا الذي لم ولن يلتئم! لروحه السلام، ولنا طيب ذكراه».

الدكتور فؤاد نايف مرعي

أسرة الاستاذ حسن مخزوم
أسرة الاستاذ حسن مخزوم


الأديبة فاطمة مهنا «أم غاندي»
الأديبة فاطمة مهنا «أم غاندي»



تعليقات: