فايز أبو عبّاس: الخيام بين أواخر الثلاثينيات وبداية الخمسينيات... ذاكرة المكان والناس

المربي الأستاذ فايز أبو عبّاس
المربي الأستاذ فايز أبو عبّاس


الخيام في أواخر الثلاثينيات، وخلال الأربعينيات حتى بدايات الخمسينيات من القرن الماضي، هي خيام لا يعرف تفاصيلها اليوم إلا من تجاوز السبعين من العمر أو سمع عنها مباشرة من أبناء ذلك الجيل.

في تلك المرحلة، شهدت الخيام أجواء الحرب العالمية الثانية، وما رافقها من نزوح بعيداً عن المعارك التي دارت بين القوات البريطانية القادمة من فلسطين وقوات فيشي الفرنسية الموالية لألمانيا. وقد نزح عدد من أهالي الخيام إلى حلتا، وأقاموا تحت أشجار الزيتون ريثما تنتهي المعارك، التي لم تدم طويلاً. وسرعان ما سقطت بيروت بيد البريطانيين وحلفائهم من قوات ديغول، فعاد أهالي الخيام إلى منازلهم في أواخر صيف عام 1941.


الخيام القديمة... طريق واحد وحياة متمركزة حول الساحة

في تلك الفترة، كان النشاط السكاني والاجتماعي والاقتصادي في الخيام يتمحور حول الطريق العام الممتد من الجلاحية شمالاً حتى ما كان يُسمّى «حاكورة الشطوط»، وعلى خط واحد تقريباً، من دون تفرعات كثيرة.

وكان النشاط التجاري يتركز حول الساحة التحتا والطرقات المتفرعة منها، التي كانت مرصوفة بالحجارة الملساء، كما كانت أرضية الساحة نفسها، التي تتوسطها منارة وسبيل ماء.

أما الطريق المتجه جنوباً نحو نبع الدردارة فكان ترابياً في أجزاء منه، في حين كانت الطريق الممتدة شرقاً من مدخل الساحة التحتا حتى نهاية بيت الحاج خليل حميد مرصوفة ببلاط مسطح. وفي وسطها انخفاض يشبه القناة لتسهيل جريان مياه الأمطار باتجاه منطقة القناة القادمة من البركة وصولاً إلى طريق المسلخ القديم.


المزبلة والمقبرة... أماكن لها وظائف مختلفة

أما المساحة الممتدة بين بيت خليل حميد والبركة فكانت تنقسم إلى قسمين.

القسم الأول كان يُعرف باسم «المزبلة»، أما القسم الآخر، الذي أُقيم فيه لاحقاً بناء استعملته مؤسسة عامل كمركز صحي واجتماعي، ثم حُوِّل محيطه إلى حديقة عامة، فكان في السابق مقبرة ومكاناً لمبيت قطعان الأغنام في أيام الصيف.

وكانت أماكن مبيت الأغنام تُحاط بسواتر من الأعشاب الشوكية، وكانت بعض القطعان تعود إلى رعاة من آل غريب وشمعون.

أما «المزبلة»، فكانت مكاناً تُرمى فيه بقايا رماد الحطب والزبل المحترق، التي تُجمع من المواقد المستخدمة للطهي وتحضير الطعام وتسخين المياه للاغتسال وغسل الأمتعة، إضافة إلى رماد «الداخون» في أيام الشتاء، وما يتبقى من روث الحيوانات.


نفايات الأمس تختلف عن نفايات اليوم

لم تكن النفايات المنزلية في تلك الأيام تحتوي على البلاستيك والنايلون والزجاج والحفاظات وغيرها من المواد التي نراها اليوم.

كانت النفايات في معظمها عبارة عن تراب وغبار منزلي، وبقايا رماد المواقد وروث الحيوانات، وكانت سرعان ما تتحول إلى تربة سوداء غنية بالمواد العضوية، ولا يبقى فيها من المواد الصلبة إلا بعض بقايا الأواني الفخارية.

ولهذا لم تكن تُنظر إليها كمصدر خطير للأوبئة والجراثيم كما هي الحال مع كثير من النفايات الحديثة، بل كانت تتحول مع الوقت إلى تربة صالحة للزراعة.


ملعب الأولاد في الصيف والشتاء

ولهذا أيضاً كانت تلك المساحات تتحول إلى ملعب للأولاد، يمارسون فيها ألعابهم المختلفة، ومنها ألعاب «الكلل»، أو ما يُعرف في أماكن أخرى بـ«البنانير»، إضافة إلى ألعاب أخرى كثيرة.

وفي فصل الشتاء، وخصوصاً أيام الثلج، كانت هذه الساحات تتحول إلى مسرح لصناعة التماثيل البشرية والحيوانية من الثلج، مع كثير من التنافس والابتكار واللعب، وما يتبع ذلك من تراشق بالكتل الثلجية.


البركة المتجمدة... مغامرات على حافة الخطر

ولا يمكن أن ننسى دور البركة، التي كان سطحها يتجمد في أيام الشتاء القارس والثلوج، فتصبح مسرحاً للعب والمغامرة.

كان الأولاد يجتازون سطحها المتجمد من الشرق إلى الغرب، رغم تحذيرات كبار السن من خطر انكسار الجليد والسقوط في المياه العميقة، التي كانت تتجاوز في بعض المناطق، ولا سيما الوسط، خمسة عشر متراً.

ولو انكسر الجليد وسقط أحدهم في المياه، لكان إنقاذه بالغ الصعوبة.


أسطح البيوت والثلوج

كانت الثلوج تتساقط باستمرار خلال فصل الشتاء، وتتراكم على أسطح المنازل، التي كان معظمها مصنوعاً من التراب الأبيض المضغوط فوق صفوف من جذوع الحور والقصب وأنواع من النباتات اليابسة، التي كانت تشكل طبقة عازلة للمياه.

وكان التراب يُمزج بالتبن ويُضغط ويُحدل بعناية ليمنع تسرب المياه إلى الداخل.

وكانت هناك بعض المنازل ذات الأسقف القرميدية، بينما كان من النادر أن نجد في تلك الأيام بيتاً بسقف من الإسمنت.

وكان على رب المنزل أن يسارع، فور توقف تساقط الثلج، إلى إزالة الثلوج عن السطح، خوفاً من ذوبانها وتسرب المياه عبر طبقات التراب المشبعة بالرطوبة.

بعدها تبدأ عملية «حدل السطح» من جديد، لإعادة تماسك التراب واندماجه، فيتحول إلى طبقة أكثر مقاومة للمياه.

وكان الجيران يسارعون جميعاً إلى القيام بالعمل نفسه، ومن هنا كان التعبير الشعبي «حدلوا»، أي قاموا بالعمل نفسه الذي بدأ به شخص آخر.


شتاء زمان... نكهة مختلفة

كانت أيام الشتاء في القرى والبلدات قديماً تتمتع بنكهة خاصة، كما كانت لكل فصل من فصول السنة خصوصيته.

كان الشتاء أكثر ارتباطاً بالطبيعة، برياح الشمال الباردة القادمة من جبال الأناضول وما وراءها، وبالثلوج والأمطار التي كانت أكثر انتظاماً مما نشهده اليوم.

أما اليوم، فقد تغير المناخ وتبدلت أحوال الطقس، وتأثرت الطبيعة بعوامل عديدة، من التوسع العمراني إلى المصانع والتلوث وتراجع الغطاء النباتي، إضافة إلى التحولات البيئية الواسعة التي شهدتها المنطقة والعالم.

وقد أصبح تساقط الثلوج أقل انتظاماً، وفي بعض السنوات تقل كميات الأمطار أيضاً عن المعدلات المعتادة.


ذكريات جيل لا تُنسى

نحن، أبناء أجيال القرن العشرين، ولا سيما من عايشوا النصف الأول منه، ما زلنا نتذكر تلك الأيام بكل ما فيها من بساطة وهدوء وعفوية.

نتذكر الثلوج، والأسطح الترابية، والبركة، والساحات، وألعاب الأولاد، وملامح الخيام كما كانت قبل أن تغيّرها الحروب والعمران والزمن.

نتذكرها بشيء من الحنين والأسى، لأنها لم تكن مجرد أماكن وأحداث، بل كانت جزءاً من حياة كاملة مضت، وما زالت تسكن الذاكرة.

مع التحية والسلام للجميع.


فايز أبو عبّاس

الحدث – 31/8/2026

تعليقات: