من الذاكرة الخيامية: سيرة القاضي أحمد أسعد مهنّا

المرحوم القاضي أحمد أسعد مهنّا
المرحوم القاضي أحمد أسعد مهنّا


عندما نتحدّث عن قاضٍ أدّى عمله بإخلاص وتجرّد وتفانٍ وبذل جهوداً جبّارة في تحقيق العدالة وإرساء صورة ناصعة عن القضاء الحقيقي الذي يتطلّع إليه الناس بأمل، لا بدّ أن نذكر القاضي أحمد أسعد مهنّا ضمن قائمة هؤلاء القضاة الكبار الذين يندر أن يجود الزمان بأمثالهم.

وفي كلّ المراكز التي أُعطيت له، كان مهنّا مثالاً يُحتذى في إنجاز التحقيقات الجادّة والهادفة في الملفّات المعروضة عليه وخصوصاً عندما ولي منصب قاضي تحقيق أوّل في جبل لبنان حيث كان المنصب محسوباً للطائفة الشيعية ضمن التوزيع المعتمد في التشكيلات القضائية وظلّ على هذا النحو لغاية منتصف تسعينيات القرن العشرين، وكذلك الأمر عندما وقع الخيار على مهنّا لاستلام منصب قاضي تحقيق أول في البقاع.

وقد خبر أحمد مهنّا العمل القانوني بزّيّ المحاماة فور تخرّجه من الجامعة وقبل انضوائه في صفوف السلطة القضائية، وهذا ما ساعده كثيراً في تنفيذ مهامه على أكمل وجه مهما بلغ حجم الملفّات، على أن دوره في هيئة التفتيش القضائي لم يقلّ تأثيراً وسطوةً عنه كقاضي تحقيق أو قاضي حكم وهذا ما تشهد به سيرته بين عارفيه ومسيرته القضائية على امتداد ثمانية وثلاثين عاماً كان خلالها قمّة في التهذيب والرقي في التعاطي مع الآخرين من قضاة ومحامين ومساعدين قضائيين ومتقاضين.


الولادة والدراسة

ولد أحمد أسعد مهنّا في بلدة الخيام في قضاء مرجعيون في جنوب لبنان في العام 1929 في أسرة مؤلّفة من محمّد، عبد الأمير، عبد العزيز، كامل، عصام، خديجة، زينب، رحمة، زهرة، وإنعام.

وتابع أحمد مهنّا دراسته الابتدائية في مدرسة الضيعة، والتكميلية أو المتوسطة في مدرسة المقاصد في مدينة صيدا، فالثانوية في المقاصد نفسها ولكن في بيروت هذه المرّة.

استهوته دراسة القانون، فقرّر أن يخوض غمارها، ولذلك توجّه إلى جامعة مونبلييه في فرنسا (Université de Montpellier)، فدرس فيها حتى حاز الإجازة الفرنسية في الحقوق، وعاد إلى لبنان ليلتحق بمعهد الحقوق في بيروت وينال منه شهادة الليسانس في الحقوق اللبنانية، وذلك في 28 حزيران من العام 1954.

بعد إتمام خطوة التسلّح، كان لا بدّ أن ينزل أحمد مهنّا إلى ميدان العمل، فانتسب إلى نقابة المحامين في بيروت في العام 1954 وبقي مواظباً على التنقّل بين مختلف المحاكم ولا سيّما في صيدا والجنوب مرافحاً ومدافعاً إلى أن سنحت له فرصة الدخول إلى سلك القضاء في شهر كانون الأوّل من العام 1959 ففعل، وهكذا حلّ في رحاب العدالة، فترك جناح المخاصمة ولوج المرافعات، وانضمّ إلى جناح القضاة ليرتدي ثوب الفصل والحسم مع ما يعنيه من زيادة في المسؤولية أمام ربّ العالمين قبل أن تكون أمام البشر.


المناصب القضائية

وبدأ أحمد مهنّا حياته القضائية الجديدة في مكان قريب من مسقط رأسه، عُيّن في محكمة حاصبيا حيث كان قاضياً منفرداً بين العامين 1960 و1961، ثُمّ نقل إلى بعبدا كقاضٍ جزائي فمحامٍ عام استئنافي في مدينة الشمس أيضاً ولمدّة أربع سنوات بين العامين 1962 و1966 حيث نقل إلى مركز محقق أوّل في بعبدا لغاية العام 1972، فمحقق أوّل في البقاع وتحديداً في زحلة حتى العام 1975، وكانت الحرب اللبنانية قد أشعلت نيرانها في قلوب العباد وعلى طول البلاد وعرضها، فانتقل إلى رئاسة محكمة الاستئناف في الجنوب أي في صيدا حيث مكث الفترة الأطول من عمره الوظيفي بلباس العدل والبالغة 15 عاماً دفعة واحدة وتحديداً من العام 1976 ولغاية العام 1992 حيث كانت هيئة التفتيش القضائي تستند إلى تدعيم ركائزها بعناصر متمكّنة قانوناً وحضوراً، فصدر مرسوم تعيينه مفتّشاً عاماً في العام 1992 وبقي ملازماً مكتبه في الطابق الرابع من قصر عدل بيروت خمس سنوات متواصلة إلى حين إحالته على التقاعد في الأوّل من شهر تموز من العام 1997 وما لبث أن صدر مرسوم قبوله في منصب الشرف.


حادث الموت

لا تخلو حياة المرء من الحادثات والأحداث وقد يكون بعضها مؤثّراً في تحديد توجّهاته وخياراته وتغيير مساره للضرورات، وقد يكون بعضها كلفاً من الناحية المعنوية وصولاً إلى دفع ثمن باهظ وفقدان الحياة وهذا ما حصل بالفعل مع القاضي مهنّا في حادثين مؤلمين تعرّض لهما خلال وجوده في القضاء.

ففي المرّة الأولى وكانت في العام 1973 كُتب له عمر جديد بعدما اجتاحت شاحنة كبيرة فقدت مكابحها سيّارة كان يستقلّها مع زميليه القاضيين سمير الياس الحشاشي(1941-1973) وعلي أحمد السقلاوي(1939-1973) خلال توجّههم من بيروت إلى البقاع لممارسة عملهم كالمعتاد، فقضى الأخيران، فيما أُصيب هو بجروح ونقل في حال الخطر الشديد إلى المستشفى حيث بقي قيد المعالجة شهوراً عديدة إلى أن استعاد عافيته.

الرصاص القاتل

وفي المرّة الثانية في العام 1985 وكان مدينة صيدا ترزح تحت نير الاحتلال الإسرائيلي، وكان مهنّا متوجّهاً إلى محكمته في قصر العدل القديم عندما حصل إطلاق نار غزير قرب ساحة النجمة فأصابت شظايا رصاصة كبده ورئته ونزف دماً كثيراً، لكنّ العناية الإلهية ساعدت في وصوله إلى المستشفى حيث خضع لعملية جراحية دقيقة وأُعطي 14 وحدة دم من فئة دمه صادف وجودها في المستشفى نفسه في ذلك الوقت العصيب من تاريخ لبنان البارود والنار، وظلّ يتعالج شهوراً طويلة إلى أن كتب الله عمراً جديداً فاستمرّ على قيد الحياة.


قصّة القرار السابقة

ولا يزال كثر من روّاد عدلية بيروت يذكرون حادثة صارت مرادفة لاسم أسعد مهنّا، ولولا تصرفه الحكيم على الرغم من اضطراره إلى استخدام يده للمرّة الأولى في تاريخه المهني، لبقيت إهانة رجال الدين المسلمين والمسيحيين على حدّ سواء تحصل في أروقة العدليات.

فذات يوم أُوقف المتهم معتمد ج. ح. واقتيد من سجن رومية إلى محكمة جزاء بيروت الأولى وأوقف مع مدعى عليهم آخرين في "قفص الاتهام" وكان لافتاً للنظر العمامة المعقودة على رأسه، فتقدّم منه كاتب المحكمة وطلب منه أن يخلعها لعدم جواز ارتدائها في الموقف الذي هو فيه فرفض، فما كان من الكاتب إلا أن تصادم مع محامين صدف وجودهم في قاعة المحكمة وعلامات الاستغراب بادية على وجوههم هم أيضاً من موقف هذا المتهم، وقام أحدهم بالاتصال بالمفتي الجعفري الممتاز الشيخ عبد الأمير قبلان فسارع فوراً إلى مكتب القاضي أسعد مهنّا وكان مفتّشاً عاماً في هيئة التفتيش القضائي وأخبره بما وصله عن أمر الموقوف، فنزل المفتّش مهنّا من مكتبه ليتعرّف عن الأمر فوجده صحيحاً، وما كان منه إلا أن تقدّم من المتهم معتمد ج. ح. وطلب منه بالتي هي أحسن، خلع العمامة، فرفض، وبعد محاولات متعدّدة جوبهت بالامتناع، صفعه على وجهه وانتزع العمامة بالقوة، لأنّه ليس على قدر هذه العمامة.

وصدر قرار بمنع سوق أحد من المتهمين المسلمين أو المرتدين اللباس الديني المسيحي، إلى أيّة محكمة إلاّ بعد تجريده من لباسه الديني، لأنّه ليس مطيّة.


وسام العدل

بعد شهر ونيف على تقاعد مهنّا وتحديداً في 19 آب من العام 1997 كرّمته وزارة العدل مع دفعة من القضاة المتقاعدين، ومنحه وزير العدل آنذاك الدكتور المحامي بهيج طبّارة ميدالية تذكارية باسم الوزارة وذلك "تقديراً لِعطاءاتكم وللجهد الذي بذلتموه في خدمة العدالة اللبنانية بتجرّد وتفانٍ وإخلاص وعربون محبّة واحترام" كما جاء في الشهادة التي أُرفقت مع الميدالية.

تأهّل أحمد مهنّا من المربّية نزيهة سليم الأنصاري في العام 1957 وأنجبا ثلاثة أولاد هم: الصيدلي الدكتورة رلى زوجة السفير عفيف أيوب، والمحامية مهى، والمهندس علي مهنّا المتزوّج من رُبى الياس سابا.

رحل أحمد مهنّا عن هذه الدنيا الفانية يوم الأربعاء الواقع فيه 22 تشرين الثاني من العام 2017 ودفن عصر اليوم التالي في جبانة بلدته الخيام.


علي الموسوي 04/08/2018