الخيام عبر العصور - الجزء الحادي عشر: من أواخر العهد العثماني إلى سقوطه - الخيام في الحرب العالمية الأولى وبداية التحول السياسي


إذا كان القرن التاسع عشر قد انتهى والخيام قد أصبحت بلدة ذات وزن محلي، فإن السنوات الأولى من القرن العشرين أدخلتها في مرحلة مختلفة تماماً. فقد أخذت الدولة العثمانية تعيد تنظيم إدارتها، وظهرت في الخيام بوادر مؤسسات محلية حديثة، ثم جاءت الحرب العالمية الأولى لتقلب هذا المسار رأساً على عقب.

وهنا لا تعود الأحداث مقتصرة على تنافس الزعامات أو الخلافات بين القرى؛ إذ دخلت الخيام في صراع دولي واسع، انعكست آثاره في التجنيد، والمجاعة، وحركة السكان، وتعطل الزراعة والتجارة، ثم سقوط الحكم العثماني.


1. الخيام في السنوات الأخيرة من الحكم العثماني

مع بداية القرن العشرين كانت الخيام قد قطعت شوطاً بعيداً عن صورتها القديمة كقرية زراعية صغيرة. فقد أصبح لها وزن سكاني واقتصادي واضح، وبدأت تظهر فيها مظاهر التنظيم المدني الحديث.

ومن الشواهد المهمة أن محاولة لإنشاء بلدية للخيام سنة 1916 تمت برئاسة الحاج خليل بن الحاج إبراهيم عبد الله.

وتحفظ الرواية المحلية:

"أنشأت بلدية الخيام في مطلع عهد الانتداب عام 1928م، وإن كان قد جرت في العهد العثماني محاولة لإنشاء بلدية في عام 1916م برئاسة المرحوم الحاج خليل بن الحاج إبراهيم عبدالله".

ولم تستمر هذه المحاولة بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى وإعلان حالة الطوارئ والأحكام العرفية.

وهذا التفصيل الصغير يحمل دلالة كبيرة: الخيام كانت قد وصلت قبل الحرب إلى مرحلة أصبح فيها إنشاء مؤسسة بلدية أمراً ممكناً ومطروحاً، أي أن تطورها المدني سبق الانتداب ولم يبدأ معه من الصفر.


2. الحرب توقف مساراً كان قد بدأ

جاءت الحرب العالمية الأولى سنة 1914 لتقطع هذا التطور.

فبعد دخول الدولة العثمانية الحرب إلى جانب دول المركز، تحولت بلاد الشام إلى منطقة عسكرية، وأصبحت الإدارة العثمانية أكثر تشدداً، ولا سيما بعد تولي جمال باشا قيادة الجيش الرابع.

وفي الخيام، كما في قرى المنطقة، انعكس ذلك على الحياة اليومية من خلال التجنيد والمصادرات والقيود على الحركة.

وتذكر شهادة محلية عن تلك المرحلة أن الخيام كانت لا تزال قرية زراعية يبلغ عدد سكانها نحو ثلاثة آلاف نسمة، وأن الحياة كانت شديدة القسوة، وأن الحرب زادت صعوبة الظروف المعيشية، حتى دفعت بعض أهل البلدة إلى الهجرة إلى الأميركيتين.

وهنا يظهر عنصر جديد في تاريخ الخيام:

للمرة الأولى تصبح الهجرة الجماعية جزءاً من استجابة سكان البلدة لأزمة سياسية واقتصادية تتجاوز قدرتهم على السيطرة عليها.


3. المجاعة لم تكن حدثاً بعيداً عن الخيام

أصابت الحرب اقتصاد بلاد الشام بصورة شديدة.

وتداخلت عدة عوامل: تجنيد الرجال، نقص اليد العاملة الزراعية، مصادرة الحيوانات والمحاصيل، صعوبة النقل، وانقطاع طرق التجارة.

وبالنسبة إلى الخيام كان أثر ذلك أشد بسبب اعتمادها الكبير على الزراعة.

وتشير شهادة من ذاكرة البلدة إلى أن الحياة في الخيام خلال الحرب أصبحت شديدة الصعوبة، وأن كثيراً من أبنائها اضطروا إلى الهجرة بحثاً عن مصدر للعيش.

ولا ينبغي أن نفصل هذه الهجرة عن تاريخ البلدة الاجتماعي؛ فقد كان من نتائج الحرب أن بدأت تتشكل جالية خيامية واسعة في الأميركيتين، وأصبحت التحويلات والهجرة لاحقاً جزءاً من اقتصاد الأسر.


4. الخيام لم تكن معزولة عن الحركة العربية

في الوقت نفسه، كانت الحرب قد بدأت تغير الوعي السياسي في بلاد الشام.

فقد ظهرت الحركة العربية المناهضة للسياسة الاتحادية العثمانية، ثم اندلعت الثورة العربية سنة 1916.

لكن لا ينبغي أن ننسب إلى الخيام موقفاً قومياً محدداً من دون وثيقة مباشرة.

الأدق أن نقول إن البلدة كانت تقع داخل المجال الذي شهد صراعاً بين السلطة العثمانية المركزية وبين الحركات العربية والمحلية، ثم أصبح هذا الصراع جزءاً من انهيار الحكم العثماني في المنطقة.

وهذا التمييز مهم، لأن آثار التحولات السياسية ستظهر بصورة أوضح بعد 1918.


5. سقوط الدولة العثمانية

في أواخر الحرب بدأت القوات العثمانية تتراجع أمام قوات الحلفاء.

ومع نهاية 1918 انتهى الحكم العثماني الذي استمر في المنطقة قروناً.

لكن سقوط السلطة القديمة لم يؤدِّ مباشرة إلى قيام دولة لبنانية مستقرة.

بل دخلت المنطقة في مرحلة انتقالية قصيرة ومضطربة، تنازعت فيها المشاريع السياسية الجديدة على مستقبل بلاد الشام.

وهنا أصبحت الخيام ومرج عيون جزءاً من سؤال أكبر:

لمن ستكون المنطقة بعد العثمانيين؟


6. المملكة العربية في دمشق وتأثيرها في مرج عيون

أعلن الأمير فيصل بن الحسين المملكة العربية في دمشق سنة 1920، وأصبحت القوى العربية في جنوب سوريا ومناطق الجولان وحوران تتعامل مع مرج عيون باعتباره جزءاً من المجال الجغرافي الذي ينبغي أن يدخل في الدولة العربية المرتقبة.

وتذكر رواية عن تلك المرحلة أن الأمير محمود الفاعور قاد قوات عشائرية تحركت في الجنوب، وأنها سيطرت على مناطق شملت:

"الخيام والعديسة والطيبة وهونين وكفر كلا وصولاً إلى المطلة".

وتذكر الرواية نفسها أن الأمير فيصل كلف محمود الفاعور بإدارة مناطق شملت مرج عيون وصفد والجولان، وأرسل معه قوة عسكرية.

هذه الرواية تحتاج إلى التعامل معها بحذر، لأنها مصدر لاحق، لكنها مهمة لأنها تحفظ صورة عن الاضطراب السياسي والعسكري الذي عاشه الحوض في مرحلة الانتقال بين الحكم العثماني والانتداب.


7. الخيام تصبح ميداناً للمواجهة مع الفرنسيين

لم تدم المملكة العربية طويلاً.

فبعد مؤتمر سان ريمو، قررت فرنسا فرض سيطرتها على سوريا ولبنان.

وفي سنة 1920 بدأت القوات الفرنسية تتحرك عسكرياً لإخضاع المناطق التي أعلنت تأييدها للحكم العربي.

وتذكر الروايات المحلية أن القوات العربية والعشائرية واجهت الفرنسيين في مناطق مرج عيون والخيام والعديسة والطيبة، وأن المواجهات امتدت إلى المطلة.

وهنا تظهر أهمية الموقع الذي لاحظناه منذ القرن الثامن عشر:

الخيام ليست فقط في منطقة زراعية غنية؛ إنها تقع على أحد الممرات التي تصل الداخل بالجنوب وبالجولان والحولة.

ولهذا أصبحت في هذه المرحلة، للمرة الأولى، جزءاً من صراع عسكري بين قوة استعمارية أوروبية حديثة وقوى محلية وعربية.


8. معركة مرج عيون سنة 1920

كانت جديدة مرج عيون مسرحاً لمواجهة مهمة بين القوات الفرنسية والقوى العربية والعشائرية.

وتذكر الرواية أن القوات العربية هاجمت المواقع الفرنسية في المنطقة، وأن المعارك امتدت إلى الخيام والمطلة، ثم جرت مواجهة كبيرة في جديدة مرج عيون.

ومن المهم هنا ألا نخلط بين الخيام وجديدة مرج عيون؛ فالمعركة الحاسمة وقعت في الجديدة، لكن الخيام كانت ضمن المجال الذي شهد التحركات والعمليات العسكرية.

وهكذا تتكرر ظاهرة سبق أن رأيناها في القرون السابقة:

قد لا تكون الخيام موقع المعركة نفسها، لكنها تكون جزءاً من المجال الذي تتحكم فيه المعركة.

9. نهاية المرحلة العربية

في 24 تموز/يوليو 1920 وقعت معركة ميسلون، ثم دخلت القوات الفرنسية دمشق.

وبذلك انتهى الحكم العربي في دمشق.

لكن بالنسبة إلى مرج عيون والخيام لم يكن ذلك نهاية التحول، بل بداية مرحلة جديدة تماماً:

الانتقال من الحكم العثماني إلى الانتداب الفرنسي، ثم إعادة رسم الحدود والإدارة.

ومن هنا ستتحول الخيام من بلدة داخل مجال عثماني واسع إلى بلدة داخل كيان لبناني جديد، ثم إلى بلدة حدودية.


10. قيام لبنان الكبير

في الأول من أيلول/سبتمبر 1920 أعلن الجنرال هنري غورو دولة لبنان الكبير.

وكان قضاء مرج عيون من الأقضية التي أُلحقت بالكيان الجديد، إلى جانب حاصبيا وبنت جبيل وصور وغيرها. وتظهر وثائق تنظيم لبنان الكبير أن قضاء مرج عيون كان ضمن الأقضية التي شُكلت منها الدولة الجديدة.

وهذا الحدث يمثل نقطة تحول أساسية في تاريخ الخيام:

لأول مرة منذ قرون، أصبحت البلدة جزءاً من دولة حديثة ذات حدود سياسية جديدة، لا مجرد ولاية أو قضاء داخل الإمبراطورية العثمانية.

لكن هذه الحدود لم تكن قد استقرت بعد.


11. من مرج عيون العثماني إلى مرج عيون اللبناني

في العهد العثماني كان مرج عيون جزءاً من شبكة إدارية تختلف عن التقسيم الذي ستنشئه دولة لبنان الكبير.

أما بعد 1920 فقد بدأت الإدارة الفرنسية بإعادة تنظيم المنطقة.

وفي 9 نيسان/أبريل 1925 صدر القرار رقم 3066 الذي نظم الدولة إدارياً، وتشكلت محافظة مرجعيون من 32 قرية.

وهنا أصبح اسم مرج عيون جزءاً من بناء إداري لبناني جديد.

أما الخيام، فقد دخلت مرحلة ستتبلور فيها مؤسساتها المحلية بسرعة.


12. البلدية: استكمال مسار بدأه العثمانيون

بعد أن توقفت محاولة البلدية سنة 1916 بسبب الحرب، أعيد تأسيس بلدية الخيام سنة 1928.

وتذكر المصادر المحلية أن أول مجلس بلدي انتُخب برئاسة:

الحاج محمد الحاج حسين عبد الله.

وهنا نرى استمراراً واضحاً في مسار الزعامة المحلية:

ففي 1916 كان الحاج خليل بن الحاج إبراهيم عبد الله على رأس محاولة تأسيس البلدية.

وبعد أكثر من عقد، أصبح الحاج محمد الحاج حسين عبد الله أول رئيس لمجلسها البلدي.

وهذا ليس مجرد تتابع أسماء؛ بل يشير إلى أن الزعامات المحلية التي ظهرت في القرن التاسع عشر استطاعت الانتقال من الزعامة الاجتماعية التقليدية إلى المؤسسات البلدية الحديثة.


13. المدرسة الرسمية تدخل الخيام

ولم يقتصر التغيير على الإدارة.

فبعد إعلان دولة لبنان الكبير، صدر قرار سنة 1920 بإنشاء مدرسة ابتدائية رسمية في الخيام، وكانت في بدايتها في غرفة مستأجرة في منزل الحاج خليل حسان.

وتذكر الوثائق المحلية أن عدد المسجلين بلغ خمسين تلميذاً وتلميذة واحدة، وأن جدول نتائج العام الدراسي 1922–1923 ما زال محفوظاً.

وهذا شاهد مهم على أن التحول السياسي بعد 1920 لم يكن مجرد تغيير في العلم أو السلطة؛ بل بدأ ينعكس على التعليم والمؤسسات الاجتماعية.

وهكذا أخذت الخيام تدخل تدريجياً في نمط الدولة الحديثة:

بلدية، مدرسة، إدارة، وسجلات رسمية.


14. لكن الحدث الأكبر لم يكن قد وقع بعد

رغم قيام لبنان الكبير وتنظيم مرج عيون إدارياً، بقيت المشكلة الأساسية:

أين ستكون الحدود؟

فالحدود التي ستفصل لبنان عن فلسطين لم تكن قد اتخذت شكلها النهائي بعد.

وكانت القرى الواقعة جنوب مرج عيون والحولة، والأراضي التابعة لها، ستصبح موضوعاً لنزاع وتفاوض طويل.

وهنا ستظهر أهمية آبل القمح، هونين، النبي يوشع، قدس، المالكية وصلحا، وهي القرى التي ستعرف لاحقاً بالقرى السبع.

وهذا التطور لن يكون مجرد مسألة خرائط.

فهو سيؤدي إلى تقسيم المجال التاريخي الذي تابعناه منذ بداية البحث، وسيجعل الخيام لأول مرة في تاريخها الحديث تقع أمام حدود دولية ثابتة.

15. الخيام عشية ترسيم الحدود

وهكذا، عند نهاية هذه المرحلة، نجد الخيام في وضع مختلف تماماً عن ذلك الذي كانت عليه في بداية القرن:

• خرجت من الحكم العثماني.

• مرت بمرحلة اضطراب عسكري وسياسي.

• دخلت في المجال الذي نشأت منه دولة لبنان الكبير.

• بدأت مؤسساتها البلدية الحديثة.

• ظهرت فيها المدرسة الرسمية.

• وأصبحت جزءاً من قضاء مرج عيون في الإدارة اللبنانية الجديدة.

لكنها كانت لا تزال مرتبطة بالمجال الجنوبي القديم.

وهذا ما يجعل ترسيم الحدود في العشرينيات أهم منعطف في تاريخها الحديث.

فإذا كان سقوط الدولة العثمانية قد غيّر الدولة التي تحكم الخيام، فإن الحدود الجديدة ستغير المجال الذي تتحرك فيه الخيام نفسها.

خلاصة الجزء الحادي عشر

دخلت الخيام القرن العشرين وهي تحمل إرثاً تراكم عبر قرون، لكنها خرجت من الحرب العالمية الأولى إلى عالم سياسي جديد.

فقد أوقفت الحرب محاولة إنشاء بلدية سنة 1916، والتي كانت برئاسة الحاج خليل بن الحاج إبراهيم عبد الله.

ثم عانت البلدة من آثار الحرب الاقتصادية والاجتماعية، بما فيها المجاعة ونقص الموارد والهجرة، وفق الشهادات المحلية.

ومع سقوط الحكم العثماني، دخلت الخيام في مرحلة الصراع بين الحكم العربي في دمشق والمشروع الفرنسي، وتذكر الروايات العسكرية تحركات واشتباكات شملت الخيام ومرج عيون والقرى المحيطة.

ثم جاء إعلان لبنان الكبير سنة 1920، فأصبحت الخيام جزءاً من دولة جديدة، وتكرس تنظيم قضاء مرج عيون في الإدارة اللبنانية خلال السنوات التالية.

وفي 1928 استؤسست بلدية الخيام، وفي بداية العشرينيات بدأت المدرسة الرسمية، فدخلت البلدة مرحلة جديدة من المؤسسات المدنية الحديثة.

لكن هذه المرحلة لم تكن خاتمة التحول.

بل كانت تمهيداً للحدث الذي سيغير طبيعة الحوض نفسه:

ترسيم الحدود بين لبنان وفلسطين، وما نتج عنه من فصل الخيام ومرج عيون عن أجزاء من المجال التاريخي الذي ظل متصلاً بهما عبر القرون.

ومن هنا يبدأ الجزء التالي، الذي سيكون أكثر اتصالاً بالفرضية الأصلية للبحث: كيف تحولت الخيام من مركز داخل حوض تاريخي متصل إلى بلدة حدودية، وكيف أثرت الحدود في القرى والأراضي والعلاقات التي كانت قائمة بينها؟


المصادر الرئيسية

• مصادر تاريخ الخيام المحلية المتعلقة بمحاولة إنشاء البلدية سنة 1916 وإعادة تأسيسها سنة 1928. (الخيام | khiyam.com)

• الشهادات المحلية عن أوضاع الخيام خلال الحرب العالمية الأولى والمجاعة والهجرة. (الخيام | khiyam.com)

• الوثائق المتعلقة بقيام دولة لبنان الكبير وتنظيم أقضيته. (icesri.org)

• الدراسات والروايات المتعلقة بالحركة العربية والاشتباكات مع القوات الفرنسية في مرج عيون والخيام سنة 1920. (Odabasham)

• وثائق إنشاء المدرسة الرسمية في الخيام في مطلع عهد لبنان الكبير. (الخيام | khiyam.com)

المهندس جلال يوسف عبدالله

الخيام وبداية التحول السياسي
الخيام وبداية التحول السياسي


تعليقات: