
د. خليل كاعين
هتلر وستالين والغرب وميثاق مولوتوف – ريبنتروب
مع نهاية الثلاثينيات، كان الاتحاد السوفياتي قد أصبح قوة صناعية وعسكرية كبيرة، لكنه وجد نفسه أمام خطر كان قادته يتوقعونه منذ سنوات: صعود ألمانيا النازية وتحولها إلى القوة الأكثر تهديدًا للتوازن الأوروبي.
لم يكن عداء هتلر للشيوعية تفصيلًا في مشروعه السياسي.
منذ بدايات الحركة النازية، اعتبر الشيوعية عدوًا أيديولوجيًا، وربط مشروع ألمانيا التوسعي بالحصول على «المجال الحيوي» في شرق أوروبا والأراضي السوفياتية.
وكانت النازية تنظر إلى شعوب واسعة في الشرق نظرة عنصرية تجعل الحرب المقبلة أكثر من مجرد نزاع على الحدود.
لذلك يبدو السؤال محيرًا للوهلة الأولى:
كيف انتهى ستالين، الذي كان يعرف عداء هتلر للشيوعية ومشروعه في الشرق، إلى توقيع اتفاق عدم اعتداء معه في آب/أغسطس 1939؟
لفهم ذلك، لا يكفي البدء من الاتفاق نفسه.
علينا العودة بضع سنوات إلى الوراء.
هتلر يصعد... وأوروبا تتردد
وصل أدولف هتلر إلى السلطة في ألمانيا سنة 1933.
وبدأ النظام النازي بسرعة إعادة بناء القوة العسكرية الألمانية وتحدي القيود التي فرضتها معاهدة فرساي بعد الحرب العالمية الأولى.
خرجت ألمانيا من عصبة الأمم، وأعيد التجنيد الإجباري، وتوسع التسلح، ثم أعادت القوات الألمانية دخول منطقة الراين المنزوعة السلاح سنة 1936.
كانت بريطانيا وفرنسا تراقبان.
لكن ذاكرة الحرب العالمية الأولى كانت لا تزال ثقيلة على المجتمعات الأوروبية، ولم تكن هناك رغبة شعبية وسياسية واسعة في الدخول في حرب جديدة.
ظهر ما عُرف لاحقًا بسياسة الاسترضاء.
كان التفكير يقوم على إمكانية احتواء هتلر عبر قبول بعض مطالبه، خصوصًا تلك التي يمكن تقديمها باعتبارها تصحيحًا لبعض نتائج فرساي، على أمل تجنب حرب أوروبية شاملة.
لكن هذه التنازلات لم توقف التوسع الألماني، بل أعقبتها مطالب وخطوات جديدة.
الاتحاد السوفياتي والأمن الجماعي
في تلك المرحلة حاول الاتحاد السوفياتي الخروج من عزلته الدولية.
انضم إلى عصبة الأمم سنة 1934، وبدأ وزير خارجيته مكسيم ليتفينوف يدافع عن سياسة «الأمن الجماعي» في مواجهة التوسع الفاشي.
كانت الفكرة تقوم على بناء تعاون بين الاتحاد السوفياتي وفرنسا وبريطانيا ودول أخرى لردع ألمانيا.
كما دعم الاتحاد السوفياتي الجمهورية الإسبانية خلال الحرب الأهلية الإسبانية التي بدأت سنة 1936، بينما قدمت ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية دعمًا كبيرًا لقوات فرانكو.
أصبحت إسبانيا، في جانب منها، مختبرًا للصراع الأوروبي المقبل.
لكن التعاون بين موسكو والقوى الغربية بقي محدودًا ومحاطًا بعدم الثقة.
الغرب يخشى الشيوعية.
والاتحاد السوفياتي يشك في نيات الغرب.
وفي الخلفية كان كل طرف يتساءل:
من سيقاتل هتلر أولًا؟
ميونيخ 1938... اللحظة التي عمقت شكوك ستالين
بلغت سياسة الاسترضاء ذروتها في أزمة تشيكوسلوفاكيا.
طالب هتلر بضم منطقة السوديت ذات الأغلبية الناطقة بالألمانية.
وفي أيلول/سبتمبر 1938 اجتمع قادة ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا في ميونيخ.
لم يكن الاتحاد السوفياتي طرفًا في الاتفاق، ولم تشارك تشيكوسلوفاكيا نفسها فعليًا في تقرير مصير أراضيها.
وافقت بريطانيا وفرنسا على انتقال السوديت إلى ألمانيا.
اعتقد رئيس الوزراء البريطاني نيفيل تشامبرلين أنه ساهم في حماية السلام.
لكن بعد أشهر قليلة، في آذار/مارس 1939، دخلت القوات الألمانية بقية الأراضي التشيكية.
أصبح واضحًا أن طموحات هتلر لا تقتصر على جمع المناطق ذات السكان الألمان.
بالنسبة إلى ستالين، حملت ميونيخ رسالة أخرى أيضًا.
تعززت شكوكه في أن بريطانيا وفرنسا قد تكونان مستعدتين لترك التوسع الألماني يتجه شرقًا بدل مواجهته مباشرة.
هل كان الغرب يريد أن يتقاتل النازيون والسوفيات ويضعف أحدهما الآخر؟
لا يمكن إثبات وجود خطة غربية موحدة بهذا المعنى.
لكن الشك السوفياتي كان حقيقيًا، وكانت تجربة ميونيخ تغذيه.
بولندا في قلب الأزمة
بعد تشيكوسلوفاكيا أصبحت بولندا الهدف التالي لهتلر.
طالب النظام الألماني بقضايا تتعلق بمدينة دانتسيغ والممر البولندي، لكن المسألة كانت أوسع من نزاع حدودي.
كان هتلر يستعد لإعادة تشكيل شرق أوروبا بالقوة.
قدمت بريطانيا وفرنسا ضمانات لبولندا.
وأصبح بناء تفاهم عسكري مع الاتحاد السوفياتي أحد الخيارات المطروحة إذا كان الهدف ردع ألمانيا.
بدأت مفاوضات بين موسكو وبريطانيا وفرنسا خلال صيف 1939.
لكنها تقدمت ببطء شديد.
لماذا فشلت مفاوضات ستالين مع الغرب؟
لم يكن الفشل نتيجة عامل واحد.
كانت هناك شكوك متبادلة عميقة.
لم تثق لندن وباريس بستالين ونظامه، خصوصًا في ظل أخبار التطهير الكبير.
ولم يثق ستالين باستعداد الدولتين لخوض حرب فعلية ضد هتلر.
كما ظهرت مشكلة عسكرية عملية شديدة الحساسية.
لم يكن للاتحاد السوفياتي حدود مشتركة مباشرة مع ألمانيا في ذلك الوقت يمكن عبرها إدخال قواته إلى مواجهة برية معها.
ولكي يصل الجيش الأحمر إلى القوات الألمانية في حال غزو بولندا أو رومانيا، كان يحتاج إلى المرور عبر أراضي إحدى هاتين الدولتين.
لكن بولندا رفضت السماح للقوات السوفياتية بدخول أراضيها.
وكان للرفض أسباب تاريخية مفهومة من وجهة النظر البولندية.
فبولندا كانت تخشى ألمانيا من الغرب، لكنها كانت تخشى الاتحاد السوفياتي أيضًا من الشرق، خصوصًا بعد الحرب
البولندية-السوفياتية في بداية العشرينيات.
وكان السؤال البولندي بسيطًا ومخيفًا:
إذا دخل الجيش الأحمر بولندا لمحاربة الألمان، فمن يضمن أنه سيغادر بعد انتهاء الحرب؟
وهكذا تعقدت المفاوضات وفشلت في الوصول إلى اتفاق قبل أن تتحرك الدبلوماسية الألمانية بسرعة نحو موسكو.
هتلر يقدم العرض
في الوقت الذي كانت فيه المحادثات مع بريطانيا وفرنسا تتعثر، كانت ألمانيا تقدم لموسكو خيارًا مختلفًا.
عدم اعتداء.
تعاون اقتصادي.
وتحديد مناطق نفوذ في شرق أوروبا.
بالنسبة إلى هتلر، كان الاتفاق يحقق هدفًا واضحًا.
كان يريد مهاجمة بولندا من دون أن يجد نفسه فورًا أمام حرب على جبهتين، كما حدث لألمانيا في الحرب العالمية الأولى.
أما ستالين فكان يرى فوائد مختلفة.
إذا كانت الحرب بين ألمانيا والقوى الغربية قادمة، فلماذا يدخل الاتحاد السوفياتي إليها منذ يومها الأول؟
ألم يكن من الأفضل تأجيل المواجهة، واستكمال التسلح وإعادة تنظيم الجيش الذي خرج لتوه من سنوات التطهير؟
وهكذا وجد النظامان، رغم العداء الأيديولوجي العميق بينهما،
مصالح مؤقتة متقاطعة.
23 آب/أغسطس 1939
وصل وزير الخارجية الألماني يواخيم فون ريبنتروب إلى موسكو.
ووقّع مع نظيره السوفياتي فياتشيسلاف مولوتوف معاهدة عدم الاعتداء الألمانية-السوفياتية.
تعهد الطرفان بعدم مهاجمة أحدهما الآخر.
أحدث الخبر صدمة عالمية.
النازية والشيوعية، اللتان قدمتا نفسيهما باعتبارهما عدوين لا يمكن التوفيق بينهما، وقعتا اتفاقًا.
لكن الجزء الأكثر أهمية لم يكن النص العلني وحده.
كان هناك بروتوكول سري يتعلق بتحديد مناطق النفوذ الألمانية والسوفياتية في شرق أوروبا، وشمل بولندا ودول البلطيق وفنلندا وبسارابيا.
وهنا لا يعود من الدقة وصف الاتفاق بأنه مجرد مناورة دبلوماسية محايدة لكسب الوقت.
فقد تضمن أيضًا ترتيبًا جيوسياسيًا بين قوتين حول أراضي دول أخرى.
هل كان تحالفًا بين هتلر وستالين؟
هنا يجب التمييز.
لم يصبح النظامان حليفين أيديولوجيين، ولم يختفِ العداء الأساسي بينهما.
ظل هتلر يعتبر الشيوعية والاتحاد السوفياتي عدوين، وظلت القيادة السوفياتية تدرك طبيعة المشروع النازي.
لكن العلاقة بين 1939 و1941 تجاوزت مجرد وعد بعدم إطلاق النار.
نشأ تعاون اقتصادي مهم بين البلدين، زود الاتحاد السوفياتي بموجبه ألمانيا بمواد خام ونفط وحبوب ومنتجات أخرى، بينما حصل من ألمانيا على معدات وآلات ومنتجات صناعية وتقنيات.
إذًا كان هناك تعاون سياسي واقتصادي ومصلحي مؤقت بين نظامين ظلا خصمين أيديولوجيين واستراتيجيين.
ووصف العلاقة بأنها تحالف أيديولوجي بين الشيوعية والنازية يضلل، بقدر ما يضلل إنكار حجم التعاون الذي وقع فعلًا.
كل طرف كان يستخدم العلاقة لخدمة حساباته الخاصة.
وكانت التناقضات بين مشروعيهما أعمق من أن تجعل هذه العلاقة مستقرة على المدى الطويل.
الأول من أيلول... الحرب تبدأ
في الأول من أيلول/سبتمبر 1939 غزت ألمانيا بولندا من الغرب.
بعد يومين أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا.
بدأت الحرب العالمية الثانية في أوروبا.
لكن الجيش السوفياتي لم يدخل بولندا في اليوم نفسه.
انتظر حتى 17 أيلول/سبتمبر، ثم دخل المناطق الشرقية من بولندا.
بررت موسكو تحركها بانهيار الدولة البولندية وضرورة حماية السكان الأوكرانيين والبيلاروسيين في تلك المناطق.
لكن التحرك كان أيضًا متوافقًا مع الترتيبات السرية التي جرى التوصل إليها مع ألمانيا.
وهكذا أصبحت الأراضي البولندية موزعة بين منطقتي الاحتلال الألماني والسوفياتي.
بالنسبة إلى الشعب البولندي، لم تكن المسألة لعبة توازنات دولية.
كانت بلاده قد تعرضت للغزو من الغرب ثم من الشرق.
وهذه حقيقة يجب ألا تضيع عند تحليل حسابات ستالين الاستراتيجية.
حدود قديمة تعود إلى الواجهة
لكن القضية البولندية نفسها تحمل تاريخًا أقدم.
بعض الأراضي الشرقية التي دخلها الجيش السوفياتي سنة 1939 كانت موضع صراع بين بولندا وروسيا السوفياتية بعد الحرب العالمية الأولى، وتغيرت حدودها نتيجة الحرب البولندية-السوفياتية ومعاهدة ريغا سنة 1921.
وكان سكان هذه المناطق خليطًا من البولنديين والأوكرانيين والبيلاروسيين واليهود وغيرهم.
هذا التاريخ يساعد على فهم جزء من الخطاب السوفياتي ومطالب موسكو.
لكنه لا يغير حقيقة أن مصير الأراضي البولندية سنة 1939 تقرر بالقوة ومن خلال تفاهم سري بين دولتين أكبر منها.
كاتين... جريمة ستطارد الرواية السوفياتية
بعد السيطرة على شرق بولندا وقع آلاف الضباط والمسؤولين وأفراد من النخبة البولندية في الأسر السوفياتي.
وفي ربيع 1940 أعدم جهاز الأمن السوفياتي آلافًا منهم في كاتين ومواقع أخرى، في عملية أُقرت على أعلى مستويات القيادة السوفياتية.
ولعقود أنكرت موسكو مسؤوليتها وحمّلت ألمانيا النازية الجريمة.
لكن الاتحاد السوفياتي اعترف في أواخر عهده بالمسؤولية السوفياتية، وكُشفت لاحقًا وثائق عززت بصورة حاسمة إثبات مسؤولية أجهزة الدولة السوفياتية عن المجزرة.
كاتين مهمة ليس فقط بسبب حجم الجريمة، بل لأنها تقدم مثالًا
على مشكلة ستتكرر في كتابة التاريخ:
حين تحاول الدولة حماية صورتها بإنكار الوقائع، فإنها تضعف صدقية حتى الروايات التي تكون فيها محقة.
فنلندا... حرب الشتاء
لم تكن بولندا المحطة الوحيدة.
طالب الاتحاد السوفياتي فنلندا بتعديلات حدودية وترتيبات أمنية، خصوصًا لإبعاد الحدود عن لينينغراد، التي كانت قريبة بصورة خطرة من الأراضي الفنلندية.
فشلت المفاوضات.
وفي تشرين الثاني/نوفمبر 1939 هاجم الاتحاد السوفياتي فنلندا.
بدأت حرب الشتاء.
كان ميزان القوى يبدو ساحقًا لمصلحة السوفيات.
لكن الجيش الفنلندي أبدى مقاومة قوية، وعانى الجيش الأحمر خسائر كبيرة وأداءً ضعيفًا في المراحل الأولى.
في النهاية استطاع الاتحاد السوفياتي فرض تنازلات إقليمية على فنلندا، لكنه دفع ثمنًا عسكريًا وسياسيًا مرتفعًا.
وكشفت الحرب مشكلات خطيرة في القيادة والتدريب والتنظيم داخل الجيش الأحمر.
وكان الأداء السوفياتي في الحرب من العوامل التي دخلت لاحقًا في تقديرات القيادة الألمانية لقدرات الجيش الأحمر.
دول البلطيق وبسارابيا
خلال 1940 وسع الاتحاد السوفياتي سيطرته على إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، التي أُدخلت لاحقًا ضمن الاتحاد السوفياتي.
كما انتزع بسارابيا وشمال بوكوفينا من رومانيا.
من وجهة النظر السوفياتية، كانت هذه التحركات توسع العمق الاستراتيجي وتبعد بعض الحدود المحتملة للحرب غربًا.
أما بالنسبة إلى الدول والشعوب المعنية، فقد كان ذلك يعني فقدان الاستقلال أو خسارة أراضٍ تحت ضغط قوة كبرى.
وهنا نعود إلى مفارقة سترافق السياسة السوفياتية طويلًا:
الدولة التي رفعت مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها أصبحت تتصرف أيضًا وفق منطق الأمن والمجال الاستراتيجي وموازين القوى.
أي أن الثورة أصبحت دولة كبرى تتصرف في سياستها الخارجية وفق اعتبارات القوة والمصلحة، مثل غيرها من القوى الكبرى التي كانت تنتقد سياساتها.
فرنسا تسقط
في ربيع 1940 حدث ما لم يتوقعه كثيرون بهذه السرعة.
اجتاح الجيش الألماني أوروبا الغربية، وسقطت فرنسا خلال أسابيع.
وجد هتلر نفسه يسيطر على جزء كبير من القارة الأوروبية.
بريطانيا بقيت تقاوم.
أما الحسابات السوفياتية التي افترضت إمكان استمرار الصراع بين ألمانيا والقوى الغربية مدة طويلة، فقد أصبحت أمام واقع أكثر خطورة.
ألمانيا لم تستنزف في حرب طويلة في الغرب.
بل خرجت من حملتها الغربية أقوى وأكثر ثقة.
أصبح الاتحاد السوفياتي يواجه قوة ألمانية تهيمن على معظم أوروبا القارية.
وبدأ الوقت الذي أتاحه اتفاق 1939 ينفد بسرعة.
هل كسب ستالين الوقت؟
هذه من أكثر المسائل أهمية وجدلاً.
من آب/أغسطس 1939 إلى حزيران/يونيو 1941 حصل الاتحاد السوفياتي على نحو اثنين وعشرين شهرًا قبل المواجهة المباشرة مع ألمانيا.
خلالها استمر الإنتاج الصناعي والعسكري، وتوسعت القوات المسلحة، ودخلت نماذج حديثة من الدبابات والطائرات مرحلة الإنتاج، واستمرت إعادة تنظيم الجيش وتعزيز قدراته.
بهذا المعنى، أجّل الاتفاق المواجهة المباشرة ومنح الاتحاد السوفياتي وقتًا إضافيًا.
لكن السؤال الأهم هو:
إلى أي مدى استُخدم هذا الوقت بصورة فعالة؟ وهل عوضت المكاسب التي حققها الاتفاق المخاطر التي رافقته؟
هنا تصبح الإجابة أكثر تعقيدًا.
فالجيش توسع بسرعة أكبر من قدرة مؤسساته على استيعاب هذا التوسع وتدريب قياداته، وكانت آثار التطهير لا تزال حاضرة، وأعيد تنظيم الوحدات مرات عدة، ولم تكن التحصينات والاستعدادات الدفاعية مكتملة.
والأهم أن ستالين أخطأ في تقدير اللحظة التي سيقرر فيها هتلر الهجوم.
التحذيرات تتراكم
خلال الأشهر السابقة للهجوم الألماني وصلت إلى موسكو إشارات وتحذيرات متعددة.
قدمت أجهزة الاستخبارات السوفياتية معلومات عن الاستعدادات الألمانية.
ووصلت تحذيرات من بريطانيا وغيرها.
وكانت القوات الألمانية تتجمع بأعداد ضخمة قرب الحدود السوفياتية.
لكن بعض التقارير الاستخباراتية كانت متضاربة، خصوصًا بشأن الموعد الدقيق للهجوم، كما كان ستالين يشك في أن بعض التحذيرات البريطانية قد تهدف إلى دفع الاتحاد السوفياتي إلى مواجهة ألمانيا قبل الأوان.
كان يعرف أن الحرب مع هتلر محتملة جدًا، لكنه لم يقتنع بأن هتلر سيختار الهجوم في ذلك التوقيت بينما بريطانيا ما زالت في الحرب.
منطق ستالين كان مفهومًا من زاوية معينة:
لماذا يكرر هتلر خطأ ألمانيا القديم ويفتح حربًا على جبهتين؟
لكن هتلر كان يفكر بطريقة مختلفة.
كان يعتقد أن الاتحاد السوفياتي يمكن هزيمته في حملة سريعة، وأن تحطيم الدولة السوفياتية سيقضي على أحد آخر الآمال البريطانية في استمرار المقاومة الأوروبية لألمانيا.
22 حزيران/يونيو 1941
فجر ذلك اليوم بدأت عملية بارباروسا، واحدة من أضخم العمليات العسكرية في التاريخ.
هاجمت ألمانيا وحلفاؤها الاتحاد السوفياتي على جبهة هائلة تمتد من بحر البلطيق إلى البحر الأسود.
انهار اتفاق عدم الاعتداء في لحظة.
وجد ستالين نفسه أمام الحرب التي حاول تأجيلها.
لكنها جاءت في ظروف كارثية.
تعرضت أعداد كبيرة من الطائرات السوفياتية للتدمير، وتطوقت جيوش كاملة، وأُسر مئات الآلاف ثم الملايين من الجنود خلال الأشهر الأولى.
تقدمت القوات الألمانية بسرعة هائلة نحو لينينغراد وموسكو وأوكرانيا.
وبدا في صيف 1941 أن المشروع السوفياتي الذي بُني خلال أكثر من عقدين قد يكون أمام خطر وجودي.
وهنا يعود السؤال التاريخي الكبير حول اتفاق 1939.
هل كان ستالين محقًا في محاولة تأجيل الحرب؟
الاتفاق منحه وقتًا إضافيًا قبل المواجهة المباشرة، وهذه حقيقة.
لكن تقدير قيمة هذا الوقت ونتائج السياسة التي رافقته أكثر تعقيدًا.
فالاتفاق لم يمنع الحرب، ولم يجعل الاتحاد السوفياتي مستعدًا تمامًا عندما وقعت.
كما أن تقسيم بولندا، وضم دول البلطيق، وحرب فنلندا، وكاتين تبقى وقائع قائمة بذاتها لا يمكن اختزالها في حجة الاستعداد لمواجهة هتلر.
وفي المقابل، لا يمكن فهم قرار موسكو سنة 1939 بمعزل عن اتفاق ميونيخ، وفشل سياسة الأمن الجماعي، وتعثر المفاوضات السوفياتية مع بريطانيا وفرنسا، وعدم الثقة العميق بين جميع الأطراف.
وهكذا نجد أنفسنا مرة أخرى أمام تاريخ لا يقبل الرواية ذات اللون الواحد.
بريطانيا وفرنسا حاولتا تجنب الحرب من خلال سياسة الاسترضاء قبل أن تكتشفا حدودها.
ستالين حاول تأجيل المواجهة مع ألمانيا وعقد معها تفاهمًا منح الطرفين مكاسب مؤقتة.
وهتلر استفاد من تناقضات الجميع إلى أن أصبح مستعدًا لتنفيذ
المشروع الذي كان في صلب رؤيته منذ البداية:
غزو الاتحاد السوفياتي.
لكن هتلر كان على وشك اكتشاف أن الوصول إلى عمق الأراضي السوفياتية شيء، وإسقاط الاتحاد السوفياتي شيء آخر تمامًا.
فالدولة التي بنت خلال سنوات قاعدة صناعية هائلة، وعبأت ملايين العمال والمهندسين والجنود، ستجد نفسها الآن أمام الاختبار الذي استُخدم خطره طويلًا لتبرير جزء كبير من سياسات التصنيع والتعبئة.
هل ستصمد؟
وإذا صمدت، فما الذي سيصنع الانتصار؟
ستالين؟
الجيش الأحمر؟
الصناعة السوفياتية؟
المساعدات الغربية؟
أم، قبل كل ذلك، ملايين المواطنين السوفيات الذين سيدفعون ثمنًا بشريًا يكاد يصعب تصوره؟
يتبع...
الحلقة العاشرة: الحرب الوطنية العظمى... من كارثة 1941 إلى ستالينغراد والطريق نحو برلين
د. خليل كاعين
7 تشرين اول 2026
الخيام | khiyam.com