مي عبدالله: كيف غيّرت الوظيفة الجيوسياسية للأرض مفهوم القوة في القرن الحادي والعشرين؟

مي حسين عبدالله  تاريخ : الممرات التجارية والمضائق البحرية لم تعد مجرد خطوط على الخرائط، بل أصبحت أدوات نفوذ، وأوراق ضغط، وعناصر فاعلة في إعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية والدولية
مي حسين عبدالله تاريخ : الممرات التجارية والمضائق البحرية لم تعد مجرد خطوط على الخرائط، بل أصبحت أدوات نفوذ، وأوراق ضغط، وعناصر فاعلة في إعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية والدولية


المقدمة

لم يكن تزامن التطورات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الأيام الأخيرة حدثًا عابرًا. فقد تجدد الصراع حول مضيق هرمز بين الولايات المتحدة وإيران، وتصاعد التوتر على الساحة السعودية–اليمنية وما يرتبط به من أمن باب المندب، وعودة الحديث عن ممرات تجارية بديلة، وتطورات لافتة في السويداء، واستمرار التوتر في جنوب لبنان. وللوهلة الأولى، قد تبدو هذه الملفات أحداثًا منفصلة، لكل منها أسبابه المباشرة وسياقه الخاص.

غير أن اللافت ليس كل حدث على حدة، بل تزامنها جميعًا حول عقد جغرافية تؤدي دورًا محوريًا في حركة التجارة والطاقة العالمية. وحين تتكرر التحولات في المضائق البحرية، والممرات البرية، والمناطق الواقعة على خطوط العبور الاستراتيجية، يصبح من المشروع التساؤل: هل نحن أمام سلسلة أزمات مستقلة، أم أمام مشهد أوسع يُعاد فيه تشكيل موازين القوة والنفوذ في المنطقة؟

لا يدّعي هذا المقال أن جميع هذه التطورات تتحرك وفق خطة واحدة، ولا يختزل العلاقات الدولية في تفسير أحادي، لكنه ينطلق من ملاحظة يصعب تجاهلها، وهي أن معظمها يلتقي عند نقطة مشتركة: الممرات التي تعبر عبرها التجارة العالمية، وخطوط الطاقة، وسلاسل الإمداد التي أصبحت تمثل شريان الاقتصاد الدولي.

لقد اعتادت الدراسات الاستراتيجية أن تربط القوة بما تمتلكه الدول من جيوش، أو بما تبسطه من سيطرة على الأرض. غير أن التحولات الاقتصادية والجيوسياسية خلال العقود الأخيرة أضافت بعدًا آخر إلى هذا المفهوم، يتمثل في القدرة على التحكم بحركة التجارة والطاقة، وتأمين الممرات الاستراتيجية أو التأثير في عملها. فالدولة التي تستطيع حماية طريق تجاري، أو التأثير في أمنه، أو تعطيله عند الضرورة، لا تمتلك موقعًا جغرافيًا متميزًا فحسب، بل تحوز أيضًا ورقة ضغط استراتيجية تمتد آثارها إلى الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية.

من هذا المنطلق، لا يسعى هذا المقال إلى تفسير كل حدث بمعزل عن غيره، بل إلى قراءة التطورات الأخيرة ضمن سياق جيوسياسي أوسع، ينطلق من سؤال رئيس:

هل أصبحت الممرات التجارية أحد أهم مقاييس القوة والنفوذ في القرن الحادي والعشرين، بحيث بات الصراع عليها يشكل إحدى الخلفيات الاقتصادية والجيوسياسية الرئيسية للحروب الدائرة في الشرق الأوسط؟

الفصل الأول

القوة في عصر الممرات

إذا كانت الحروب لا تزال تُحسم في الميدان، فإن النفوذ في القرن الحادي والعشرين لم يعد يُقاس بالقوة العسكرية وحدها.. فالدول لم تعد تتنافس على السيطرة على الأرض فحسب، بل على القدرة على التحكم بحركة التجارة والطاقة، وتأمين الممرات الاستراتيجية، أو التأثير في عملها وتعطيلها عند الحاجة.

لقد أدت التحولات الاقتصادية العالمية، وأزمات سلاسل الإمداد، وازدياد الترابط بين الأسواق، إلى إعادة تعريف مفهوم القوة في العلاقات الدولية. فالموقع الجغرافي لم يعد مجرد ميزة طبيعية، بل أصبح أصلًا استراتيجيًا تتحدد قيمته بالوظيفة التي يؤديها داخل شبكة التجارة العالمية، وبقدرته على ربط الأسواق، وتأمين حركة البضائع والطاقة، أو التأثير فيها.

ومن هنا، لم تعد المضائق البحرية، والموانئ، والممرات البرية، وخطوط السكك الحديدية مجرد وسائل للنقل أو التجارة، بل تحولت إلى أدوات نفوذ سياسي واقتصادي، وإلى عناصر مؤثرة في موازين القوى بين الدول. فالدولة التي تستطيع ضمان انسياب التجارة العالمية عبر أراضيها، أو فرض كلفة إضافية على مرورها، أو تعطيلها عند الضرورة، تكتسب ما يشبه «حق الفيتو» غير المعلن على جزء من الاقتصاد العالمي، وتملك ورقة ضغط تمتد آثارها إلى السياسة والعلاقات الدولية، بقدر ما تمتد إلى الاقتصاد.

ولعل هذا ما يفسر احتدام التنافس الدولي والإقليمي حول عدد من المضائق والممرات الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، وباب المندب، وشرق البحر المتوسط، إضافة إلى المشاريع البرية التي يجري العمل عليها لربط آسيا بأوروبا. فالتنافس لم يعد يدور حول الجغرافيا بمعناها التقليدي، بل حول من يمتلك القدرة على التأثير في شرايين الاقتصاد العالمي.

ولذلك، فإن قراءة التطورات الأخيرة من زاوية عسكرية بحتة لا تكفي لفهم المشهد كاملاً. فالمعارك تدور على الأرض، لكن آثارها تمتد إلى طرق التجارة، وأمن الطاقة، وسلاسل الإمداد، وهو ما يجعل البعد الاقتصادي حاضرًا بقوة في خلفية كثير من الصراعات، حتى عندما تبدو أدواتها عسكرية في ظاهرها.

الفصل الثاني

لماذا أصبحت الممرات محور التنافس الدولي؟

إذا كانت الممرات التجارية قد أصبحت أحد أهم مقاييس القوة والنفوذ، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا ازدادت أهميتها في هذا التوقيت تحديدًا؟

تكمن الإجابة في أن الاقتصاد العالمي أصبح أكثر ترابطًا وحساسية من أي وقت مضى تجاه أي اضطراب يصيب حركة التجارة أو سلاسل الإمداد. فقد كشفت جائحة كورونا، ثم الحرب الروسية–الأوكرانية، وأخيرًا التوترات الأمنية في البحر الأحمر، أن إغلاق مضيق بحري، أو تعطّل ميناء، أو تهديد خط ملاحي، لم يعد ينعكس على كلفة النقل فحسب، بل يمتد أثره إلى أمن الطاقة، وأسعار السلع، واستقرار الأسواق العالمية.

ومن هنا، لم تعد الممرات التجارية مجرد وسائل لنقل البضائع، بل تحولت إلى أصول استراتيجية تتنافس الدول على تأمينها، أو تطوير بدائل لها، أو الحد من قدرة خصومها على التحكم بها. وتبرز في هذا السياق مجموعة من الممرات التي اكتسبت أهمية استثنائية في السنوات الأخيرة.

يقع مضيق هرمز بين إيران وسلطنة عُمان، ويُعد المنفذ البحري الذي يربط الخليج العربي بخليج عُمان وبحر العرب، ومنه إلى المحيط الهندي. وتعبر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز القادمة من دول الخليج، الأمر الذي يجعله أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. ولذلك، فإن أي توتر أمني أو عسكري في هذه المنطقة لا ينعكس على دول الخليج وحدها، بل يمتد أثره إلى أسواق الطاقة والتجارة العالمية، وهو ما يفسر الاهتمام الدولي الدائم باستقرار هذا المضيق أو بالقدرة على التأثير فيه.

أما مضيق باب المندب، فيقع عند الطرف الجنوبي الغربي لليمن، حيث يفصل السواحل اليمنية عن جيبوتي وإريتريا، ويربط البحر الأحمر بخليج عدن، ومنه إلى بحر العرب والمحيط الهندي، ليشكل البوابة الجنوبية لقناة السويس وأحد أهم الممرات البحرية في العالم. ومن هنا، فإن أي تطور أمني في اليمن لا يبقى شأنًا محليًا، بل ينعكس مباشرة على أمن الملاحة الدولية، وحركة التجارة بين آسيا وأوروبا، وأسواق الطاقة العالمية. ولهذا، لم يعد باب المندب مجرد مضيق جغرافي، بل أصبح ورقة نفوذ ذات أبعاد إقليمية ودولية.

وفي المقابل، برزت مشاريع الممرات البرية بوصفها بدائل استراتيجية تقلل الاعتماد على المضائق البحرية المهددة، وتفتح طرقًا جديدة تربط الخليج وآسيا بأوروبا. ولم تعد المنافسة تقتصر على حماية الممرات القائمة، بل امتدت إلى رسم خرائط جديدة لحركة التجارة العالمية، بحيث يصبح الطريق البديل نفسه مصدرًا للقوة والنفوذ.

وهكذا، لم تعد قيمة الممر تُقاس بموقعه الجغرافي وحده، بل بالوظيفة التي يؤديها داخل شبكة الاقتصاد العالمي. فكلما ازدادت أهمية هذه الوظيفة، ازدادت المنافسة عليه، وتحول من طريق للتجارة إلى عنصر مؤثر في موازين القوى، ومن موقع جغرافي إلى أصل استراتيجي تتجاوز قيمته حدوده الطبيعية.

الفصل الثالث

من يرسم خريطة التجارة العالمية؟

من «الحزام والطريق» (2013) إلى IMEC (2023):

لم يكن الاهتمام بالممرات التجارية وليد التطورات الأخيرة، بل بدأ يتبلور بصورة أوضح منذ أن أطلقت الصين عام 2013 مبادرة «الحزام والطريق»، التي هدفت إلى إنشاء شبكة واسعة من الممرات البرية والبحرية تربط الصين بآسيا الوسطى، والشرق الأوسط، وإفريقيا، وأوروبا، عبر استثمارات ضخمة في الموانئ، والسكك الحديدية، والطرق، والبنية التحتية.

ولم تنظر بكين إلى هذه المبادرة باعتبارها مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل بوصفها رؤية استراتيجية تعزز موقعها في الاقتصاد العالمي، وتوسع نفوذها من خلال ربط عشرات الدول بشبكة تجارية تتجه بوصلتها نحو الصين.

وفي المقابل، نظرت الولايات المتحدة وعدد من حلفائها إلى المبادرة من زاوية مختلفة. فبالنسبة لهم، لم يكن «الحزام والطريق» مجرد مشروع للتنمية أو تحسين البنية التحتية، بل خطوة تمنح الصين نفوذًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا متزايدًا، عبر التحكم بجزء مهم من طرق التجارة العالمية.

ومن هنا، لم يعد التنافس بين القوتين يقتصر على التكنولوجيا أو الأسواق أو القدرات العسكرية، بل امتد إلى سؤال أكثر عمقًا: من سيرسم خريطة التجارة العالمية في العقود المقبلة؟

وفي هذا السياق، أُعلن عام 2023 عن الممر الاقتصادي الهندي–الشرق الأوسط–الأوروبي (IMEC)، الذي يهدف إلى ربط الهند بأوروبا عبر الخليج والشرق الأوسط، من خلال شبكة متكاملة من الموانئ، والسكك الحديدية، والبنية التحتية الحديثة. وبغض النظر عن التفسيرات السياسية المختلفة لهذا المشروع، فإنه يعكس اتجاهًا واضحًا نحو إنشاء مسارات بديلة تعيد توزيع حركة التجارة العالمية، وتمنح الدول الواقعة عليها أدوارًا اقتصادية وجيوسياسية جديدة.

ومنذ ذلك الحين، لم تعد المنافسة الدولية تدور حول من يملك أكبر اقتصاد أو أقوى جيش فحسب، بل أيضًا حول من ينجح في بناء الشبكة الأكثر قدرة على جذب التجارة العالمية، أو التحكم في مساراتها، أو تقليل اعتمادها على الطرق التي يسيطر عليها منافسوه.

ومن هنا، لم يعد الشرق الأوسط مجرد منطقة عبور بين الشرق والغرب، بل تحول إلى ساحة رئيسية يتقاطع فيها المشروع الصيني مع المشاريع الغربية والإقليمية، لأن موقعه الجغرافي يجعله حلقة الوصل الطبيعية بين آسيا وأوروبا وإفريقيا.

وهكذا، أصبح التنافس على الممرات جزءًا من تنافس أوسع على إعادة تشكيل النظام الاقتصادي الدولي، حيث لم تعد الدول تتنافس على الأسواق فقط، بل على الطرق التي تصل بينها.

الفصل الرابع

إعادة تموضع القوى الإقليمية... حيث تلتقي المصالح وتتعارض

إذا كان التنافس بين الولايات المتحدة والصين قد وضع الإطار الدولي للصراع على الممرات، فإن القوى الإقليمية لم تبقَ بمنأى عن هذه التحولات، بل بدأت تعيد تموضعها بما ينسجم مع مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية، إدراكًا منها أن أي تغيير في خرائط التجارة العالمية سيعيد، بالضرورة، توزيع موازين القوة والنفوذ داخل المنطقة.

وتبدو المملكة العربية السعودية من أكثر الدول اهتمامًا بهذا التحول. فموقعها الجغرافي، ورؤيتها الاقتصادية، وسعيها إلى تنويع مصادر الدخل، تجعل من ربط المملكة بشبكات التجارة العالمية هدفًا استراتيجيًا يتجاوز الاعتبارات التجارية التقليدية. غير أن هذا الهدف يصطدم بحقيقة جغرافية لا يمكن تجاهلها؛ إذ تبقى حركة تجارتها البحرية معتمدة بدرجة كبيرة على مضيق هرمز من جهة، وباب المندب من جهة أخرى، وهما ممران يتأثران بصورة مباشرة بالتوترات الإقليمية.

ومن هنا، يصبح البحث عن ممرات برية أو بحرية بديلة خيارًا استراتيجيًا، لا مجرد مشروع اقتصادي. فتنويع طرق العبور لا يعني الاستغناء عن المضائق البحرية، بل توزيع المخاطر، وتقليل قدرة أي أزمة أو مواجهة عسكرية على تعطيل حركة التجارة والطاقة.

أما تركيا، فتنظر إلى هذه التحولات من زاوية مختلفة. فهي تسعى إلى توظيف موقعها الجغرافي بوصفها حلقة الوصل الطبيعية بين آسيا وأوروبا، بما يجعل استقرار حركة التجارة الإقليمية مرتبطًا بأراضيها وبنيتها التحتية. ولهذا، تدعم المشاريع التي تعزز دورها كمحور للعبور، وفي مقدمتها الممر الأوسط وممر زنغزور، اللذان يمنحانها اتصالًا أوسع بآسيا الوسطى.

وفي المقابل، تنظر إيران بحذر إلى الممرات التي تقلل الاعتماد على أراضيها أو على مضيق هرمز، لأنها تدرك أن قيمة موقعها الجغرافي لا تكمن في الجغرافيا وحدها، بل في الوظيفة التي يؤديها داخل شبكة التجارة والطاقة الإقليمية. ولهذا، عارضت طهران مشروع ممر زنغزور بصورة علنية، معتبرة أن أي تغيير في الخريطة الجيوسياسية لشمالها قد ينعكس على دورها بوصفها دولة عبور، ويؤثر في إحدى أهم أوراق نفوذها الاستراتيجية.

أما الولايات المتحدة، فترى في تنويع الممرات التجارية جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تقليل اعتماد الاقتصاد العالمي على المسارات التي تمنح خصومها، وفي مقدمتهم الصين وإيران، أوراق ضغط إضافية. ومن هذه الزاوية، لا تبدو مشاريع الربط الجديدة مجرد مبادرات اقتصادية، بل أدوات لإعادة توزيع موازين القوة الجيوسياسية.

وفي السياق نفسه، تنظر إسرائيل إلى هذه التحولات من منظور لا يقتصر على المكاسب الاقتصادية المباشرة، بل يمتد إلى موقعها داخل شبكة الربط الإقليمي. فهي تدرك أن أي مشروع يربط الخليج بأوروبا عبر مسارات لا تجعلها عقدة رئيسية في حركة العبور قد يؤثر في الدور الذي تسعى إلى ترسيخه في المنطقة، كما أن أي مشروع يحد من النفوذ الجيوسياسي الإيراني ينسجم، من حيث النتيجة، مع مصالحها الاستراتيجية.

وهكذا، لا تتحرك الدول وفق تحالفات سياسية ثابتة بقدر ما تتحرك وفق شبكة معقدة من المصالح. فقد يلتقي خصمان عند مشروع اقتصادي واحد، كما قد يختلف حليفان حول مشروع آخر إذا مست نتائجه توازنات النفوذ بينهما. ولذلك، فإن فهم التنافس على الممرات لا يقتصر على قراءة خرائط النقل، بل يتطلب أيضًا قراءة خرائط المصالح التي تعيد رسم موازين القوة في الشرق الأوسط.

الفصل الخامس

التطورات الأخيرة... هل بدأت اللوحة الكاملة تتكشف؟

بعد استعراض خريطة الممرات، ومصالح القوى الدولية والإقليمية المرتبطة بها، يصبح من الممكن إعادة قراءة التطورات الأخيرة ضمن سياق أكثر ترابطًا. فالمشهد لا يقتصر على تجدد الصراع حول مضيق هرمز بين الولايات المتحدة وإيران، ولا على التوتر المتصاعد في الساحة السعودية–اليمنية وانعكاساته على باب المندب، بل يتزامن أيضًا مع انتقال البحث عن بدائل برية من مستوى التصورات العامة إلى مستوى مشاريع معلنة، وفي مقدمتها مشروع الربط السعودي–الأردني–السوري–التركي.

وقد كشف الإعلان التركي في 14 حزيران/يونيو 2026 أن الرياض وأنقرة تستهدفان إنشاء خط سكك حديدية يمر بالأردن وسوريا خلال ثلاث أو أربع سنوات، وأن إحدى وظائفه تخفيف آثار اضطراب الملاحة في مضيق هرمز. وتمنح هذه الإشارة المشروع بعدًا يتجاوز النقل؛ فهو يمثل محاولة لبناء هامش أكبر من الاستقلال الاستراتيجي عن نقاط الاختناق البحرية التي قد تتحول، في أوقات التصعيد، إلى أدوات ضغط على التجارة والطاقة.

وبالنسبة إلى السعودية، لا يعني إنشاء طريق بري الاستغناء عن هرمز أو باب المندب، فسيظلان من أهم منافذها البحرية، لكنه يهدف إلى توزيع المخاطر، وتقليل اعتمادها على مسارين يتأثر أحدهما بالتوتر مع إيران، بينما يتأثر الآخر بالحرب والنفوذ الذي يمارسه الحوثيون في اليمن. وبذلك لا تعود المسألة مجرد اختيار طريق أقصر، بل بناء شبكة أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات.

أما تركيا، فترى في هذا المشروع فرصة لترسيخ موقعها بوصفها حلقة الوصل البرية بين الخليج وأوروبا، بما يجعل استقرار حركة التجارة الإقليمية مرتبطًا بأراضيها وبنيتها التحتية. وهنا تلتقي المصلحة التركية مع المصلحة السعودية، وإن اختلفت دوافع كل طرف؛ فالرياض تبحث عن هامش أوسع من الاستقلال في حركة تجارتها، بينما تسعى أنقرة إلى ترسيخ دورها بوصفها مركزًا إقليميًا للعبور.

وفي قلب هذا التصور تقع سوريا. فالربط بين الأردن وتركيا لا يمكن أن يتحول إلى ممر فعّال ما لم تكن الأراضي السورية مستقرة، والسلطة فيها قادرة على حماية الطرق والسكك، وضمان استمرارية النقل من الحدود الجنوبية إلى الحدود الشمالية. ولهذا، لا يعود استقرار سوريا ووحدة أراضيها شأنًا داخليًا فحسب، بل يصبحان شرطًا اقتصاديًا لنجاح أحد أهم مشاريع الربط الإقليمي.

ومن هذه الزاوية، تكتسب تطورات السويداء دلالة تتجاوز حدود المحافظة. فالممر لم يُعلن أنه سيمر داخل السويداء نفسها، لكن أي اتجاه نحو الانفصال، أو إقامة حكم ذاتي، أو تعدد للسلطات والمراكز الأمنية في الجنوب السوري، من شأنه أن يرفع مستوى المخاطر المحيطة بخطوط العبور، ويزيد عدد الجهات التي ينبغي التفاهم معها لضمان أمن الطريق. والممرات التجارية تحتاج إلى دولة مستقرة أكثر مما تحتاج إلى مجرد خريطة مفتوحة.

ولهذا، يبدو توقيت تجدد الدعوات إلى الانفصال أو «تقرير المصير» في السويداء لافتًا عند مقارنته بتوقيت الإعلان عن مشروع الربط السعودي–التركي. ولا يشكل التزامن وحده دليلًا على وجود توجيه خارجي أو خطة مباشرة لتعطيل المشروع، لكنه لا يفقد قيمته التحليلية. فعندما يلتقي التوقيت مع الجغرافيا، وتتقاطع النتائج المحتملة مع مصالح إقليمية ودولية واضحة، يصبح من المشروع اختبار العلاقة بين الأحداث، بدل التعامل معها بوصفها وقائع معزولة.

وترى الولايات المتحدة وعدد من حلفائها الإقليميين، وفي مقدمتهم السعودية، أن امتلاك إيران القدرة على التأثير في أمن مضيق هرمز، إضافة إلى قدرة حلفائها في اليمن على التأثير في الملاحة عبر باب المندب، يمنحها أوراق ضغط استراتيجية على حركة التجارة والطاقة. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الاهتمام المتزايد بالممرات البرية والبحرية البديلة بوصفها وسيلة لتقليل الاعتماد على هذه المسارات، والحد من قدرة أي طرف على توظيف موقعه الجغرافي كورقة ضغط في أوقات الأزمات.

وفي هذا السياق، قد تتلاقى مصالح أطراف مختلفة، وإن اختلفت دوافعها. فالسعودية تسعى إلى تنويع منافذ تجارتها، والولايات المتحدة تنظر إلى تقليص أوراق القوة الإيرانية بوصفه جزءًا من استراتيجيتها الإقليمية، كما قد ترى إسرائيل في أي مشروع يحد من النفوذ الجيوسياسي الإيراني تطورًا ينسجم مع مصالحها الاستراتيجية. غير أن هذا التلاقي في النتائج لا يعني بالضرورة تطابق الأهداف أو وجود تنسيق مباشر بين جميع هذه الأطراف.

وفي هذا المستوى من التحليل، لا تكفي قراءة التصريحات الرسمية وحدها، لأن العلاقات الدولية لا تُبنى على الخطاب المعلن فقط، بل أيضًا على تلاقي المصالح والنتائج. ولذلك، لا يقتصر التحليل الجيوسياسي على سؤال: «من قال ماذا؟» بل يمتد إلى سؤال لا يقل أهمية: «من يستفيد؟» فالتاريخ السياسي، ولا سيما في مناطق الصراع، يكشف أن الأهداف المعلنة لا تعكس دائمًا كامل الحسابات الاستراتيجية، وأن قراءة أنماط السلوك المتكررة تشكل جزءًا أساسيًا من فهم ما يجري. ومن هذا المنطلق، يصبح من المشروع طرح فرضيات تحليلية تستند إلى المصالح والنتائج، حتى عندما لا يتوافر دليل مباشر يربط بين جميع الأحداث.

وفي ضوء هذا المنهج، لا يمكن استبعاد البعد الإسرائيلي من أي قراءة استراتيجية للتطورات الجارية. فمنذ قيامها، ارتبطت العقيدة الأمنية الإسرائيلية بأهمية السيطرة على المواقع ذات القيمة الوظيفية، والحفاظ على تفوقها الاستراتيجي، ومنع قيام بيئات إقليمية قد تحد من حرية حركتها أو تقلص من مكانتها. ومن هذا المنظور، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كان قيام ممر بري مستقر يربط الخليج بتركيا وأوروبا عبر سوريا، من دون أن يجعل إسرائيل عقدة رئيسية في شبكة الربط، ينسجم مع مصالحها الاستراتيجية أم يتعارض معها.

ولا يهدف هذا التساؤل إلى الجزم بوجود دور إسرائيلي مباشر في كل تطور تشهده المنطقة، وإنما إلى الإشارة إلى أن النتائج الاستراتيجية المحتملة لبعض الأحداث قد تتقاطع، موضوعيًا، مع مصالح إسرائيل الاستراتيجية، وهو ما يجعل إدراج هذا الاحتمال ضمن التحليل أمرًا مشروعًا، ما دام يقدَّم بوصفه فرضية تستند إلى قراءة المصالح، لا إلى الجزم أو الادعاء.

وعند جمع هذه الخيوط، لا تبدو التطورات الأخيرة حلقات متطابقة في خطة واحدة، لكنها تتحرك فوق أرضية مشتركة: كل دولة تحاول أن تمنع خصمها من امتلاك حق الفيتو على تجارتها، وأن تبني لنفسها طرقًا بديلة تضمن استمرار الحركة إذا أُغلق ممر أو تعطل آخر.

الخاتمة

تكشف القراءة المتأنية للتطورات الأخيرة أن الشرق الأوسط قد يكون دخل مرحلة يُعاد فيها تعريف القوة ذاتها. فالصراع لم يعد يدور حول السيطرة على الأرض بمعناها التقليدي فحسب، بل حول القدرة على توظيف الجغرافيا، والتحكم بحركة التجارة والطاقة، وتأمين طرق العبور أو التأثير فيها. فالممرات التجارية والمضائق البحرية لم تعد مجرد خطوط على الخرائط، بل أصبحت أدوات نفوذ، وأوراق ضغط، وعناصر فاعلة في إعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية والدولية.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم السباق نحو إنشاء ممرات بديلة، والتنافس على الموانئ، وخطوط السكك الحديدية، والعقد اللوجستية، بوصفه أكثر من مجرد منافسة اقتصادية. إنه جزء من سعي الدول إلى امتلاك حرية الحركة لنفسها، وتقليص قدرة الآخرين على امتلاك حق الفيتو على تجارتها وأمنها الاقتصادي. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بمن يسيطر على طريق، بل بمن يمتلك القدرة على ضمان استمراره أو تعطيله عند الحاجة.

ولعل أهم ما تكشفه هذه الصورة أن قيمة الأرض لم تعد تُقاس بمساحتها وحدها، بل بالوظيفة التي تؤديها. فتلال علي الطاهر تستمد أهميتها من إشرافها على محاور الحركة، والجولان من موقعه الاستراتيجي، ومضيق هرمز وباب المندب من قدرتهما على التأثير في تجارة العالم، وميناء حيفا من موقعه داخل شبكات الربط البحري، والممرات البرية الجديدة من قدرتها على إعادة رسم خرائط التجارة والنفوذ. فالقاسم المشترك بين هذه الأمثلة جميعًا ليس حجم الأرض، بل الدور الذي تؤديه داخل شبكة الحركة الإقليمية والدولية.

ولذلك، فإن التحولات التي تشهدها المنطقة لا ينبغي أن تُقرأ من خلال خرائط الجبهات وحدها، بل أيضًا من خلال خرائط الموانئ، والمضائق، والسكك الحديدية، والممرات التجارية. فهناك، في كثير من الأحيان، تتشكل ملامح القوة الحقيقية، وتُعاد صياغة موازين النفوذ.

وربما لهذا، فإن السؤال الذي سيحكم كثيرًا من صراعات المستقبل لن يكون فقط: من يسيطر على الأرض؟ بل: ما الوظيفة التي تؤديها هذه الأرض؟ لأن الجغرافيا، في عالم اليوم، لم تعد تكتسب قيمتها من حدودها، بل من قدرتها على التأثير في حركة العالم.

بقلم : مي حسين عبدالله

تاريخ : 16 تموز 2026

تعليقات: