
مُقدّم هذا الكتاب وجامعه، قاسم حدّاد، أسماه كتاب "العزلة"، عزلة هذا الفنّان الكبير عن المجتمع. أمّا العنوان "أيّها الفحم يا سيّدي" فمأخوذ من عبارة وردت في كتابات "فان غوغ" حول عمّال المناجم الذين يقضون حياتهم أسفل الأرض يعملون في تلك المناجم الحالكة السواد والتعب.
يمكن القول أنّه كتاب شيّق وقيّم بكل المعايير، عميق، مليء بالدلالات، والفلسفة، والشعر، والأدب، والمجتمع، والدين.. هو حصيلة بعض ما كتبه الفنّان الرائد "فانسنت فان غوغ" Vincent Van Gogh في دفاتره، وتمّ جمعها في هذا الكتاب المترجم إلى لغتنا العربيّة؛ لا تقلّ كتابات هذا الفنّان روعة وطليعيّة وشأنًا عن أعماله الفنّيّة، بل هما جناحان لطائر واحد اسمه "فان غوغ"؛ يمكننا القول إنّ كتاباته هي إبداع موازٍ لأعماله الفنّيّة، ولا تقلّ عنها إشعاعًا وجمالًا..
لقد ترك كبار الفنّانين كتابات ومنشورات وأبحاثًا ودراسات عبر التاريخ، بدءًا من "ليوناردو دافنشي" Léonard Da Vinci (كتاب التصوير)، مرورًا بالألماني "دورر" Durer، لتكرّ السُبّحة، وتكثر الكتابات، ولا سيّما مع فنون الحداثة في القرن العشرين، الذي أعطى الكثير من الكتابات، التي لا يُمكن إحصاؤها، كأن نذكر على سبيل المثال كتابات الفنّان الروسيّ "فاسيلي كاندكسكي" Wassily Kindinsky، والهولنديّ "بيات موندريان" P. Mondrian، والروسيّ "كازيمير ماليفيتش" K. Malevitch، والسويسريّ "بول كلي" P. Klee، والفرنسيّ "إيف كلاين" Yves Klein، وغيرهم الكثير الكثير، حيث سبق وتناولنا بعض كتابات هؤلاء في إصداراتنا السابقة.
ما سنعرضه في هذه المقالة هو كتاب "قاسم حدّاد" حول بعض كتابات "فان غوغ" الذي لم يتسنّ له طباعتها في كتاب، أو كُتب. تتنوّع عناوين الكتاب الذي بين أيدينا، أو المدوّنات، وتتعدّد، ولا ننسى رسائله القيّمة إلى أخيه "ثيودور"، أو "ثيو" Théo، الذي كان له سندًا وحيدًا في حياته وعطائه؛ كتب له عن غربته، ومعاناته، وآلامه، وحبّه، وشغفه. كتب عن أعماله، وما أراد إيصاله من خلالها. في هذا الكتاب نرى (حنان العائلة، الكائنات، الرماد، الله في الكنائس، الطفولة، الكهنوت، ثيودور الأب والأم والإبن، حديث الشجر، إنجيل المنجم، كلام الأحد، الصلاة، عمّال الشمس، الحرّيّة، بريد الآلهة، الرسائل، السفر، الحجر، اللون، الظلام، الأزرق، الأصفر، الضوء، آكلو البطاطس، الطبيعة، الفراشة، الصديق، الجنون، جمال القلب، الثورة الفرنسيّة، تحرير الثورة، الشعر، الريشة العليلة، سؤال الرسم، الكحول، الأبيض، البورتريه، شكسبير، الآخر، المسيح، فنانون، الخزامى، الله، الأرجوحة، شمس فرنسا، الجمال، الشكل، الموت والحياة، زنزانة العلاج، الطائر، النار، حزن لا ينتهي، وغيرها..). إذًا، هو كتاب غنيّ، كما نرى من عناوين، ورصيد فكريّ، وجماليّ. سنحاول الوقوف على بعض ما جاء فيه لتبيان أهمّيّته ومحتواه، إذا أمكننا إلى ذلك سبيلا.
نشير هنا إلى أنّ الفنان "فان غوغ" عاش فقط سبعًا وثلاثين عامًا، قضاها حياةً بوهيميّة متنقّلة متشرّدة ولّادة للفنّ، والكتابة، والعطاء الإنسانيّ الحرّ، في بحث عن الجوهر. "ألوان وكلمات تختصر الحياة في عشر سنوات قصيرات قبل المغادرة"، كما يقول مقدّم الكتاب. أعطى الفنّان في حياته ألفًا ومئة رسم، وتسعمئة لوحة، وثمانمئة رسالة؛ كمٌّ هائلٌ من العطاء، لم يسبقه إليه أحد، لونًا وكتابة..
نكتشف من كتاباته أنّه مثقّف إلى أقصى الحدود؛ كتب عن شعراء، وفلاسفة، ولاهوتيّين، وفنّانين، وعلماء، الخ..
عن صداقته لـ"غوغان"، التي حُكِي عنها الكثير، ورغبته الشديدة في البقاء معه كصديق يسامره في حياته وعطائه، يقول: "صديق يريد أن يقول عنّي. لن يعرف أحد دلالة هذا الصديق في حياتي، صديق ملتبس بالعدوّ. لم أحبّ صديقًا مثل غوغان. مشاحنات الديكة، التي لم تتوقّف بيننا، دليل فصيح على فشلنا في استغناء أحدنا عن الآخر. صديق فهمني كما أحبّ أن أفهم نفسي، أزعم أننّي أفهمه بما يكفي لتفادي رغبتي في قتله.. يؤمن بأنّني مؤسّس نظام الفوضى في هذا الكوكب، فيما كنتُ أكتشف أجمل المغامرات في لوحاته، وكلانا لم يكن دقيقًا في تقديره.. ها هو يذهب الآن، لكي اشعر به أكثر قربًا إليّ لفرط الفراغ الذي يتركني فيه. لا يجد الإنسان صديقًا مثله كلّ يوم، ولا يفقده". وفي مكان آخر يقول: "نساءٌ كثيرات قتلنني، وغوغان استكملني.. لا أعرف بالضبط، هل جاء ليقاتل معي، أم ليقتلني. لم يكن ليتركَ السيفَ من يده طوال الوقت.. كانت السكّين في يدي أثناء الرسم. وكنتُ في لحظة الهياج (بعد مشاجرته مع غوغان) فأحدثت تلك الحركة جُرحًا في شحمة الأذن.. راق لمن يراني الكائن الغريب، أن يحوك قصّة المجنون الذي قطع أذنه ليقدّمها إلى أمرأة لم تكترث به.. أخبرني الآخرون عن شخص، في كياني، حمل فلذة الأذن المقطوعة، وذهب ليطرق باب راشيل يهديها تلك القطعة البشريّة لتعتني بها.. جنون أن يصدر هذا عن كائن عاقل. هل فعلتُ هذا فعلًا؟"، يتساءل فان غوغ. يقطع هذا القول الشكّ باليقين، وينفي كلّ ما قيل حول قيامه بقطع أذنه ليهديها إلى غانية!
يحكي "فان غوغ" الكثير عن "غوغان" الذي "يحبّ أن يظهر في صورة الفارس، شخصيّة قويّة تضاهي المارد مكابرة وعنفًا". يحكي عن أخيه "ثيو"، أو "ثيودور"، أخيه وصديقه الوحيد الذي وقف بجانبه حتى وفاته، يقول: ".. فردٌ واحدٌ في العائلة تولّى إنقاذي، وتعويضي عن هذا الفقد الضخم. شخصٌ وضع أنامله الناعمة في تلافيف روحي، وانعطف بي نحو أقرب نهر في حديقة الله، نغتسل معًا في ماء منسيّ بلا موج، ولا زبد، ولا حجارة. فتنبثق شمسٌ تنتشلني من العتمة.. إنّه ثيودور يصعب اختزال الغابة في كتاب، وفي وثائق". ليختتمها بقوله : "الجناح حرّيّة الطائر".
وفي العائلة، التي افتقدَها، يقول: "العائلة كنيسة ثانية، ألا يُقال للأب ربّ العائلة؟.. آهٍ ثيودور العظيم، لقد كان وحده.. حنان العائلة". عانى فان غوغ الكثير من والديه، وكتب إلى ثيودور يشكو له معاناته معهما: ".. ماذا أفعل لهم يا أخي. قل لهم يا أخي. لا أعرف يا أخي، كيف حدث أنّهما والداي يا ثيودور. لا يعجبهما أي شيء أفعله. يتهمانني بقراءة كتب الفجور عندما يريان "فكتور هوجو" في غرفتي. لا يُحبّان ما أحبّ. لا يعتقدان بموهبتي في الرسم. ويغصبانني على تقليد أعمامي في التجارة، وانخراطي في القطيع.. لماذا يا أخي؟.. ماذا فعلتُ لهما يا أخي؟.. لماذا لا تصدّهما عنّي يا أخي؟.. يريدان أخذي إلى المستشفى أو السجن، كما صرّحا لي. أين العائلة يا أخي؟.. يتحدّثان عن الدين، ويتحصّنان به. أعرف الدين أكثر ممّا يظنون. لقد درسته وعلّمته للناس. لن يغلباني بالدين. وهو على كلّ حال لم يعد في رأس اهتماماتي. لقد أصبح شأنًا شخصيًّا، ولم تعد عموميّته تعنيني. ليفعلا بدينهم ما يريدون، وليكفّوا عن محاربتي به. فالسيوف الصدئة تصيب حاملها. ماذا يريدون منّي يا أخي؟ ماذا يريدون؟".
ودائمًا يتوجّه إلى ثيودور؛ يتحدّث عن فعل القراءة والكتابة، والفرق بينهما: "لا تهتم، فالغابة ليست للأشجار فحسب، إنّها لنا أيضًا.. فليس كلّ ما تكتبه تقدر على قراءته.. إنّ الكتابة، يا عزيزي ثيودور، أسهل من القراءة، فالكتابة حلمٌ، والقراءة واقع قيد التحقيق. لن تصادف في الحياة حلمًا يتحقّق، أو أنّه لا يتحقّق بسهولة.. يا عزيزي ثيودور.. كلّما اعتدتَ على طريق، إذهب إلى غيرها".
وهنا نرى إنسانًا في قمّة وعيه، يردّ على من يتّهمه بالجنون بقوله: "في العمل الفنّيّ تستطيع أن تعرف ما إذا كنتَ موجودًا، أم لا. أتوقّفُ عن الرسم فأموت. هذا ليس اختزالًا، ولا مجازًا. الأطبّاء أنفسم، كلّ من عاينني وقف بجانب السرير، وقال: خذوة إلى الرسم. كيف يجرؤ الآخرون أن يطلقوا كلامًا على عواهنه، يعتبرونني مجنونًا، ويذهبون إلى النوم؟ المجنون يشكّل له العمل عقابًا. فيما كان الرسم حياتي. الفنّ يمنحني التوازن في سديم الحقيقة، مثل موسيقى كونيّة توقظ الحياة. هذا سبب يجعلني أعتبر النومَ وقتًا ضائعًا إن لم أقضه في غزل خيط في قميص البشريّة. في النهار تنهض باكرًا، ويأتي الليل سريعًا عندما لا تكون في العمل. وقت العاطل ليلٌ كثيف الأجنحة أرحم منه طائر الرخّ الأسود".
يُعرّج على "مارتن لوثر" Martin Luther (مُصلح دينيّ مسيحيّ ألمانيّ شهير، يُعدّ الأب الروحيّ للإصلاح البروتستانتيّ)، ابن أحد أهمّ عمال المناجم. يقول إنّه اختطفه ذات ليل (بالمعنى الرمزيّ طبعًا)، وأخذه إلى المنجم، حيث هناك يأخذ مارتن لوثر درسَ الدين بقوّة. قرين يسبقه نحو الجرح، ونحو التعديل. يرى فان غوغ متشابهات بينهما (كان بإمكانه، بداية كيانه، أن يكون مصلحًا دينيًّا وواعضًا ورجل دين).. يرى أنّ الرسم نعمة الآلهة". وإنّه يرسم لأنّ "لا يحسن صنع شيء آخر". "أنجزتُ في عشر سنوات ما يكفي لحياة ثلاثة فنانين تجاوزوا الخمسين عامًا. وإلّا كيف سأستحقّ وصف المجنون". هذا كلام إنسان عاقل وواعٍ أكثر من الجميع. ��
في مكان آخر، يكتب بنفس فلسفيّ وجوديّ، "في الفنّ، كما الحياة، كلّما مشيتَ تسنّت لك المعرفة، في الحياة تعرف الناس، وفي الرسم تعرف الطبائع والمشاعر والمعاني وتحوّلات النهار والليل. في الناس تدرك المتاح لتجاوزه، وفي الرسم تدرك المحظور لكي تكسره. على أن لا تتوقّف. الحركة سرّ الحياة والتقدّم والمستقبل".
لا مكان يأوي إليه فان غوغ المتشرّد. منزله في لوحته: "أصوّر بيتًا وأدخله" (كما فعل الفنّان الصينيّ، الذي فتح بابًا في لوحته ودخل منه دون رجوع). لا حدود بين الرسم والحياة. في رسومي طرقٌ تفوق المنازل، كأنّني في الطريق أكثر ممّا في البيت. الدار سجنٌ، وفي الطريق حرّيّة السفر".
وفي رسالة إلى الفنّانين يقول: ".. بعض أصدقائي الرسامين لا يُقدّرون طاقة الحروف، فيتصرون للرسم. أقول بأنّ الأمر في الشخص. في الموهبة، وليس في الفنّ".. ليضيف في مكان آخر "إنّ الفنّ ليس رسمًا فحسب. هو قُربى الروح والجسد.. ليس كافيًا أن يجلس الشخص في الرسم وحده".
وهناك عودة إلى القراءة وأهمّيّتها، وعلاقة الفنون بالكلمات، تدلّنا على فنّان مثقّف شغوف بالأدب، والشعر، والفلسفة، وخبير بأساليب الفنّانين. ".. فالقراءة نقدٌ للحياة وإبداع لها. فلولا القراءة لما تكشّفت لنا العلاقة بين الحلم والكتابة.. ثمّة شيء من رامبراندت لدى شسبير، ومن كارافاجيو لدى ميشليه، ومن دولاكروا لدى فيكتور هوغو. ثمّة شيء من الكتب المقدّسة في رامبراندت.. كلمات شكسبير وأسلوبه يشابهان ريشة رامبراندت المرتجفة لفرط الحمى والانفعال، فلا تكاد تدرك أيّهما يرسم وأيّهما يكتب.. القراءة غذاءٌ أوّل بعد الرسم. ثمّة صراع دائم بين الجوع والكتاب، ودائمًا شغفي بالكتب ينتصر، برغم حاجتي الماسّة إلى الخبز.. الكتاب مشهد شاسع عابر يخترق التاريخ والجغرافيا.. لا تحبس كتابًا في مكتبة. الحرّيّة تقول هذا".
وحول النقد الذي طال إحدى لوحاته المُبكرة "آكلو البطاطس"، يقول: "عندما سمعتُ الملاحظات.. عرفتُ أكثر الأساليب فظاظة، لفرط تنوّع منتقدي اللوحة. فعندما تعرف عمّن يصدر هذا الرأي أو ذاك سيُخفّف عليك وقع القول مهما كان قاسيًا. في المرسم أنت أكثر حرّيّة من وجودك في المعرض، أنت هناك في القلعة.. في "آكلو البطاطس" قصدتُ أن يشعر المرء بأنّ هؤلاء الفلاحين يأكلون بالأيدي ذاتها التي زرعت البطاطس.. أحبّ أن يرى الناس لوحاتي مختلفة في كلّ مرّة، في كلّ زمن، بطريقة لا تشبه غيرها. دون مبالغة الإعجاب، لكن أيضًا دون التقليل من الصدق الذي يخترقني لحظة العمل. فليس أقلّ من عدد أصناف بطاطس الفلاحين، التنوّع المأمول في لوحاتي".
في مكان آخر، كتب ما لا يُمكن وصفه من حقيقة الفنّ وصدق الانتماء والانتشاء المتأتّي من عمليّة الخلق والإبداع.. مخاطبًا "إميل برنار" Emile Bernard، الرسام، والشاعر، والناقد الفرنسيّ، بقوله: "تعالَ، أُنظر إلى الطبيعة، وهي تقلّد ألواني. لكنّ برنار لا يأتي"..
وحول تجربته وعمله، يقول: "لم أقضِ العمرَ هدرًا.. كنتُ أنكبّ على ما أطاله من الكتب والمقالات المتاحة. قضيتُ الوقتَ في دراسة الكلاسيكيّين. يبدأ الرسم بخطّ، وسرعان ما تنبثق في الأفق حزمة ألوان مدروسة، ومنسوخة بمخيّلة لا تتعب.. لا أتعب من التجريب قبل الرسم وبعده.. لم أرسم بشرًا في طريقي إلّا وناقشتُ الله في خلقه. إنّه امتحان البورتريه بامتياز, وحين لا أجد أحدًا، أجلس لأرسم نفسي: لا لكي أخلّدها، لكن لأسألها.. البورتريه هو تاج أيقوناتي في كتاب البشر، شهادة الموتى على الأحياء؟ أفضّل رسم عيون الإنسان أكثر من الكاتدرائيّات..".
وحول ضراوة الإنسان وقسوته ووحشيّته، مقارنة بالحيوان، يقول: "هل رأيتم نمرًا بعد افتراس طريدته؟ هل راقبتموه جيّدًا؟ أنظروا في عينيه تمامًا. مغرورقتان حزنًا على صنيعه، ويكاد أن يندم. هاتِ لي بشرًا فعلوا ذلك بعد الحرب. إنّهم يحتفلون بعد المعارك، مباهاة فيما يخرجون من القتل".
وعلى حربه على لوحة دولاكروا "الحريّة تقود الشعب"، وعلى صاحبها، بقوله: "الفنّان الحرّ لا يغرّه هتاف الجماهير. الجماهير التي حملت دولاكروا على الأكتاف، بعد أن رسم لوحته الدمويّة. أكتاف الناس ليست عرش الفنّان.. رمبراندت، وليس دولاكروا، هو من جعلني أُدرك فلسفة الضوء في الرسم.. دولاكروا في لوحة "الحرّيّة تقود الشعب" المشحونة بالادّعاء الثوريّ.. شكّلت لي اللوحة نوعًا من الصدمة. لم أفهم فنّانًا يدعم حربًا، أو يُروّج لقتال. الفنّ أكثر جمالًا من ذلك، فهو سلاح الروح وتعويذة الجسد. "الحرّيّة تقود الشعب"، لوحة من انبثاقات دولاكروا الرومانسيّة. قدّم نموذجًا فنّيًّا دمويًّا للعالم. الحرّيّة تتقدّم على جثث القتلى. هو اعتبر لوحته إسهامًا في الثورة.. فعدم إعجابي باللوحة ليس بسبب (ثوريّتها)، لكن لأنّ أسئلة الفنّ أكثر جمالًا ودمويّة من أجوبة الثورة. وهي ثورة استبدلت الملك "شارل العاشر" بملك آخر هو "لويس فيليب"، ويحجبها عن الناس.. تذهب إلى اللوحة، تنظر إلى صورة المرأة/ الحرّيّة بمعزل عن محيطها، سترى إنّها أمرأة خارجة توًّا من أحد رسوم عصر النهضة، وربّما من إحدى لوحات روبنز.. مثل كولّاج بارع.. فرامبراندت كان رومانسيًّا أكثر ممّا يبدو دولاكروا. وهو أيضًا أكثر حداثة، موضوعات وأسلوبًا، من أعمال دولاكروا التي تنتمي، فنّيًّا، إلى ما قبل رامبراندت"..
فان غوغ، الخبير بالكلمة واللون يُشير إلى أنّ "الكلمة في القصيدة أكثر سيولة من اللون في اللوحة.. الكلمة في النصّ تقول، في حين أنّ اللون في اللوحة يُشير.. أرى الشعرَ فنًّا يدعو إلى الذهول، والذعر أكثر من الرسم".
وأثناء وقوفه أمام اللوحة البيضاء (اللحظة التي يخافها الفنّانون قبل البدء بالعمل)، يقول: "وقفتُ أسبوعًا كاملًا أمام الأبيض، تلفّني الحيرة والاضطراب، أبحث عن لون أبدأ به اللوحة الجديدة.. أطلقتُ الضربة الأولى في الأبيض الناعس، فانتفض مستيقظًا مثل فرس جامحة.. يظلّ الرسم ممتنعًا عنك إلى أن تُقدّم له القرابين.. بدون الرسم أنت في الظلمات"..
هناك سؤالٌ طرحه، نقف عنده مذهولين حيارى. كيف؟ ولماذا قالها؟ "هل تبيع صالونات الفنون لوحاتي أم جنوني؟ هل توقّع الفنّان المقام الرفيع الذي سيكون عليه اسمه وعمله بعد رحيله، والطلب على أعماله، في الوقت الذي لم يبع فيه إلّا عملًا واحدًا أثناء حياته وعطائه؟ هل توقّع أن يتحوّل إلى أحجية وأسطورة فاقت جميع الفنانين الأحياء والأموات؟ فان غوغ هو أيضًا عالم نفسيّ: "إن كان ثمّة نسق ثابت يُسمّى العقل، فالجنون ليس نقيضًا له. الخروج عن متعارف السلوك الجمعيّ، لا يعتبره الأطبّاء نشوزًا عقليًّا. على العكس، ثمّة أطبّاء اكتشفوا أنّ الانحراف العصابيّ لدى المُبدعين هو مدعاة نفسيّة، وفلسفيّة لمراقبة المعطيات الفنّيّة المترتّبة على هذا الانحراف، والعناية بها، وليس من العدل التسرّع بتوصيفه مرضًا سريريًّا يتّصل بجنون العقل. كما أن ليس كلّ جنون انقطاعًا عن الواقع. الواقع أكثر قوّة من كلّ شيء".
ومن أجمل ما خطّه عن علاقة الفنّ بالوطن: "إنّ "وطنك تصنعه بنفسك. كلّما رسمتَ جيّدًا حصلتَ على وطن جديد".
حاول أن يرسم واحدة من شخصيّات شكسبير، لكنّها فشلت جميعًا، "فشلت لكونها تستعصي على فنّ آخر غير الأدب.. في شكسبير تبدو النار أكثر من الدخان، هذا هو الفنّ". في مكان آخر يصرّح بأنّ "الفنّ يسبق الفكر في معظم الأحيان". هذا الشيء ما أكّد عليه أكثر من فنّان في أكثر من مناسبة وزمان، كما هي الحال مع "سلفادور دالي"، و"كاندنسكي"، و"ماليفيتش"، وغيرهم.
حول عمليّة الرسم، التي يعايشها معظم الفنّانين، والتي لا تخضع لقوانين وأفكار مُسبقة وجاهزة (غبّ الطلب)، بل كلّما فكّر "في رسم شيء"، يبدأ "في رسم شيء آخر"، و"ينتهي إلى شيء مختلف". "ينتهي الرسم بما لا يُمكن توقّعه، وما لم يكن في الحسبان".. يدعو الفنّانين إلى الابتكار وصنع أشكال جديدة في الفنّ: "تكرار الشكل مرذول في الفنّ.. لأنّ الرسّام هو صانع أشكال، ومن لا يصنع شكلًا جديدًا ليس رسّامًا.. أنت لا تستطيع أن تستمتع بعطر الوردة قبل أن تنظر إليها، شكلها يصل أوّلًا..". "أودّ تنفيذ رسوم تصفع بعض الناس".. وها هو، يصفع الجميع.. "لقد سحقتنا الحروب، وأنقذتنا الفنون.. العمر أقصر من أن تُحقّق فيه أحلامكَ، فلا تصرفه في الضغائن. دع قنديل المرأة يُضيء خطواتك بالحبّ، واذهب إليه".
وحول علاقته بالمرأة يختصر ذلك بجملة مُحمّلة بالدلالات: "كنتُ رجلًا بلا أمرأة. كيف ينبغي أن أرسم".
اُعجِبَ بتجربة "سيزان"، الذي نجا من ذيول الرومانسيّة، لكي يجترح أسلوبه الفذّ.. " كنتُ أتمنّى لو إنّني رسمتُ بعض لوحاته".
أمّا "رينوار"، فإنّ "بعض عاريّاته كانت موضوعاتها أجمل من أسلوبها".
بالنسبة لعمليّة تجارة اللوحات فيرى أنّها ليست طريقًا للنجاح والخلود والوجود.. "حتى لو حدث عرضٌ وطلبٌ على الأعمال، يتوجّب على الفنّان أن يكون بعيدًا عن هذه العمليّة برمّتها".. علّ فنّاني وطننا "لبنان"، الذين يركضون نحو الرّبح المادّيّ، يعون جيّدًا هذا القول..
ننهي مقالتنا باستعراض بلاغة بعض شذرات ما كتبه (ما قلّ ودلّ):
- جميلٌ ألاّ يتوقّف أحدٌ أمام جنسيّتنا عند الكلام عن الفنّ.
- علينا أن نتعلّم الإصغاء للطبيعة قبل رسمها.
- الفنّ أن تُعيد خلق الواقع بأحلامك.
- ما إن وصلتُ باريسَ، لاحقًا حتى انفجر شغف الفنّ، لم أترك مُتحفًا ولا رواقًا إلّا زرتُه.
- الرسم في عظامي.
- لا أصدّقُ أنّ عمري ثلاثون عامًا. أشعرُ أنّني أكبر من ذلك.
- سرعان ما يأتي وقتٌ يأخذك إلى مكان لا ترغب في الذهاب إليه.
- الشِعرُ في كلّ مكان.
- لم أختر المغامرة، إنّها قدري.
- أن تجعل اللوحة تتكلّم، تلك هي الحقيقة.
- معظم الفنّانين مجانين.
- عدم بيع لوحاتي، حقيقة يصعب تفاديها.
- ليست سوى لوحاتنا، ما يتحدّث عنّا في نهاية الأمر.
- الليل أغنى بألوانه من النهار.
- إيمانك بالرسم يتطلّب عدم الاكتراث بالرأي العام.
هذا بعض ما كتبه فان غوغ، الفنّان، والبليغ، والفيلسوف، والأديب، والشاعر، والعالم النفسيّ، والناقد، والسوسيولوجيّ، والإنسان المؤمن.. اجتمعت فيه كلّ هذه الصفات لتُنتجَ أعمالًا غيرَ مسبوقة وطليعيّة، مُرفقة بكتابات أثبتت أنّ عمليّة الفنّ هي وليدة فكر نيّر، واعٍ، يصنع التاريخ والجمال والإنسان..
كتابٌ قيّمٌ، مهمٌّ، جدير بالقراءة والتمعّن.. نتعرّف، من خلاله، على جوهر الفنّ وصدقه، وعلى المُبدع "فان غوغ"..
* المصدر: البعد الخامس






الخيام | khiyam.com
تعليقات: