فايز أبو عباس: المجتمع الخيامي بين العهد العثماني والاستقلال.. بنية المجتمع والألقاب والبيوتات (ج1)

الأستاذ فايز أبو عباس
الأستاذ فايز أبو عباس


المجتمع الخيامي وتقسيماته

كان المجتمع الخيامي، حتى مطلع القرن العشرين، يتكوّن من فئات متعدّدة تختلف أدوارها بحسب الوظيفة والعمل والمكانة الاجتماعية. ولعلّ تعبير «الفئات الاجتماعية» أو «الجماعات الشعبية» أدقّ من تعبير «الطبقات»، لما تحمله كلمة الطبقة من دلالة هرمية وحساسية اجتماعية.

يشبه المجتمع الهرم الذي يتكوّن من قمة ومدارج وقاعدة؛ فكل جزء منه يستند إلى الآخر، ولا يمكن للقمة أن تبقى من دون الدرجات التي تحملها، كما لا تستقيم هذه الدرجات من دون القاعدة التي تقوم عليها.

وقد ظل هذا التنظيم الاجتماعي سائداً في المجتمعات القديمة التي خضعت للحكم العثماني قروناً طويلة، إلى أن بدأت التحولات الكبرى مع الحرب العالمية الأولى وانتهاء العهد العثماني، ثم خضوع لبنان للانتداب الفرنسي. ومع تلك المرحلة، أخذت رياح التغيير تهبّ على المجتمع بفعل الأفكار والأنماط الغربية الجديدة، فطالت اللباس والعادات وأساليب الحياة.

ومن هنا، يمكن تناول المجتمع الخيامي من خلال الأدوار التي أدّتها فئاته في السياسة والإدارة والاقتصاد والإنتاج والعمل والمهن، ومدى مساهمة كل فئة في تكوين البلدة ومنحها مكانتها في المنطقة.


الألقاب ودلالاتها الاجتماعية

عرف العهد العثماني عدداً من الألقاب التي كانت تحمل دلالات وظيفية واجتماعية، مثل: الأفندي، والأغا، والبيك، والباشا، وصولاً إلى السلطان.


الأفندي

كان لقب «الأفندي» يُطلق على من يتولى وظيفة أو مهمة لدى الدولة، سواء أكانت إدارية أم أمنية أم مالية. ومن هنا شاع التعبير: «حاضر أفندم»، ولا يزال اللقب مستخدماً في بعض المناطق للإشارة إلى رجل الأمن أو الموظف الرسمي.

كما أُطلق أحياناً على المتمولين وكبار الملاك وأصحاب المصالح والأراضي الذين يعمل لديهم الأجراء أو المزارعون بنظام الضمان.


الأغا

لم يكن لقب «الأغا» شائعاً في جنوب لبنان، بل عُرف أكثر في المناطق الشمالية، وكان يدل غالباً على رئيس العشيرة أو كبير القبيلة.


البيك

كان لقب «البيك» أوسع دلالة من «الأفندي» و«الأغا»، إذ كان يُطلق على شخصية سياسية أو اجتماعية مرجعية، تمتد سلطتها إلى منطقة واسعة، وتتولى تمثيل أهلها أمام الدولة، وحلّ النزاعات، والمساهمة في تحقيق المطالب والحاجات العامة.


الباشا

أما «الباشا» فكان من كبار رجال السلطنة، وقد يكون ممثلاً للسلطان، أو قائداً عسكرياً، أو وزيراً، أو مستشاراً مقرّباً منه. وكان يشكّل إحدى ركائز الحكم في مجالات الإدارة والأمن والسياسة والاقتصاد.


من «العائلة» إلى «البيت»

لم تكن كلمة «العائلة» كثيرة الاستعمال في جنوب لبنان، بل كان الناس يستخدمون كلمة «البيت» أو «البيوتات»، فيقال مثلاً: بيت الأسد، وبيت الخليل، وبيت عسيران، وبيت الزين، وبيت العبد الله، وبيت بزي، وبيت بيضون.

وكان لهذا التعبير دلالة اجتماعية عميقة؛ فالبيت هو موضع اجتماع الأسرة، ولكنه أيضاً مكان مفتوح للضيف والصديق وطالب الحاجة. لذلك كان تعبير «البيت» أكثر شمولاً وانفتاحاً من التعبيرات العائلية أو العشائرية الضيقة.

وفي الخيام كان يقال: «فلان من بيت العبد الله» أو «من بيت عواضة» أو «من بيت خريس»، أكثر مما كان يقال: «من عائلة فلان». والقصد من ذكر هذه الأمثلة التوضيح فقط، مع كامل الاحترام لجميع بيوتات الخيام والجنوب.


(يتبع...)

تعليقات: