كامل جابر: 12 % فقط بقوا.. النبطية تخشى الأسوأ بعد علي الطاهر

تطوق إسرائيل بالنار والغارات، منذ ما بعد وقف إطلاق النار، الحي الشرقي من مدينة النبطية (كامل جابر -اندبندنت عربية)
تطوق إسرائيل بالنار والغارات، منذ ما بعد وقف إطلاق النار، الحي الشرقي من مدينة النبطية (كامل جابر -اندبندنت عربية)


النداء الثاني حمل توقيع 400 شخصية عامة وطالب بـ إرسال الجيش اللبناني فوراً إلى المنطقة

ملخص

غاصت وسائل إعلام محلية ومواقع التواصل الاجتماعي في الحديث عن قرب احتلال الجيش الإسرائيلي مدينة النبطية بجنوب لبنان بعد الانتهاء من السيطرة على تلة "علي الطاهر" المشرفة عليها. وذهب بعضهم في التحليل إلى كيفية حصول الهجوم والتدمير.

عادت مدينة النبطية في جنوب لبنان لتتصدر الاهتمام الأمني والعسكري والسياسي بعد التصعيد الإسرائيلي نحوها الأسبوع الماضي. وقبل التفجير الضخم الذي طاول مرتفعات "علي الطاهر" قبل أمس الخميس استهدفت الطائرات الحربية الإسرائيلية وسطها، ودمرت دارة تراثية فيها وقتلت أشخاصاً بواسطة طائراتها المسيرة في نقطة قريبة من ساحتها، ونفذت غارة فجر الإثنين الماضي على مبنى سكني في بلدة كفررمان الملاصقة للنبطية من ناحيتها الشرقية، وتعد جزءاً لا يتجزأ منها، فقتلت فيها عائلة من 12 فرداً جلهم من الأطفال والنساء، مما تسبب بنزوح كبير من النبطية وكفررمان وجوارهما، وسط إشاعات تتحدث عن هجوم إسرائيلي مرتقب على مدينة النبطية.

كما زار اليوم الرئيس اللبناني جوزاف عون بشكل مفاجئ مدينة النبطية، ومن هناك أكد أن بلاده لا تجري حالياً مفاوضات جديدة مع إسرائيل، مشدداً على أن انسحاب الجيش الإسرائيلي وعودة الأسرى والنازحين وإعادة إعمار الجنوب تمثل ثوابت وطنية تلتزم الدولة بتنفيذها. ووصل عون إلى النبطية برفقة قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل وقادة الأجهزة الأمنية، في ظل توتر متصاعد في الجنوب، وتفقد عدداً من المناطق والأضرار، واستمع إلى شكاوى الأهالي واحتياجاتهم.

النبطية بعد "علي الطاهر"؟

ترافق التصعيد الأخير على النبطية بقصف مكثف على جارتها "النبطية الفوقا"، لم يوفر حتى مبنى "مستشفى غندور" فيها، القريب من وسط المدينة، والمؤلف من ثلاثة طوابق، إذ دمرته غارة إسرائيلية صباح السادس من سبتمبر (أيلول) الجاري بالكامل، بعدما كان المسؤولون عنه قد أخلوه بسبب الحصار الناري الذي تفرضه إسرائيل على البلدة منذ ما قبل وقف إطلاق النار في الـ19 من يونيو (حزيران) الماضي، واستهدفت سلسلة غارات مدمرة عشرات المباني ومنها قصور وفيللات (دور) في محلة "دوحة كفررمان" المطلة تماماً على مدينة النبطية والقريبة من تلة "الطاهر"، وفي "حي الفيلات" في "النبطية الفوقا"، في وقت لم تسلم الأطراف الشرقية للنبطية من غارات استهدفت دراجات نارية وسيارات أودت بعدد من ركابها.

وتطوق إسرائيل بالنار والغارات، منذ ما بعد وقف إطلاق النار، الحي الشرقي من مدينة النبطية، عاصمة المحافظة التي تحمل الاسم ذاته، بين "النبطية الفوقا" وكفررمان، المعروف بحي "المدارس والجامعات" وفيه ثلاثة مبانٍ جامعية من بينها كلية العلوم بالجامعة اللبنانية، وأكبر ثانوية رسمية في المحافظة (ثانوية حسن كامل الصباح)، ومدرسة ومهنية خاصتان، ومدارس للأطفال، بعدما استهدفتها بسلسلة غارات أدت إلى سقوط كثير من الضحايا وعطلت إمكان انطلاق العام الدراسي.

دعوات "لإنقاذ" المدينة

في الأثناء، غاصت وسائل إعلام محلية ومواقع التواصل الاجتماعي في الحديث عن قرب احتلال الجيش الإسرائيلي مدينة النبطية بعد الانتهاء من السيطرة على تلة "علي الطاهر" المشرفة عليها، وذهب بعضهم في التحليل إلى كيفية حصول الهجوم والتدمير. وتسبب ذلك بمزيد من القلق والمخاوف للعائدين إلى المدينة، وتسبب بحركة نزوح جديدة، لا سيما بعد الغارات التي طاولت قلب النبطية فجر السادس من سبتمبر الجاري.

في المقابل، برزت دعوات إلى تحييد النبطية من الصراع المسلح، جاء في طليعتها "نداء النبطية الثاني" الذي حمل 400 توقيع لشخصيات بينهم أطباء ومهندسون ومحامون ومصرفيون وإعلاميون وأكاديميون وكتاب، وناشطون ونائب، تحت عنوان "أنقذوا عاصمة جبل عامل وحاضرته التاريخية"، يطالب بـ"إرسال الجيش اللبناني فوراً إلى النبطية".

وجاء في النداء "النبطية وقراها مهددة اليوم بأن تلقى مصير قرى وبلدات ومدن سبقتها إلى الهدم والتهجير. أهل الجنوب يعيشون بين النزوح والخوف والانتظار، وقرى كاملة فقدت ملامحها، ولا أحد يستطيع أن يطلب من الناس انتظار وصول الخراب إلى مدينتهم كي يرفعوا الصوت"، وأضاف النداء أن "دور الدولة ليس أن تكون مراقباً أو شاهداً على تمدد الاحتلال والدمار والتهجير، بل أن تستخدم كامل صلاحياتها وإمكاناتها لمنع اتساع الاحتلال، وحماية ما تبقى من المدن والقرى، وسحب الذرائع التي يستخدمها العدو لتبرير مزيد من التدمير والتهجير".

وختم بالقول "نحن الموقعين أدناه، من أبناء النبطية وجبل عامل والجنوب، ومن اللبنانيين الحريصين على حماية المدينة وأهلها، نطالب بانتشار الجيش والقوى الأمنية في النبطية ومحيطها وعلى مداخلها، وتولي الدولة المسؤولية الكاملة عن أمنها، وحصر قرار الحرب والسلم بمؤسساتها الشرعية، وإطلاق تحرك سياسي ودبلوماسي عاجل، عربياً ودولياً، لوقف الاعتداءات ومنع اتساع الاحتلال".

البلدية: "لا مظاهر مسلحة"

يرحب رئيس بلدية النبطية عباس فخر الدين "بأي بيان يدعو إلى حماية النبطية واستتباب الأمن فيها وتعزيز الدولة وجودها، لكن في الوقت عينه لا يجوز مساواة الضحية بالجلاد وهذا الأمر غير مقبول"، وأضاف، "نرفض في الوقت عينه أي اتهامات بالتخوين لمن يخالف الرأي، ومن يخون الناس هو إنسان جاهل ولا يفقه من الأمور شيئاً. إن اختلافنا في الرأي لا يجعلنا أعداء، والمخطئ هو من يتطاول على الناس وعلى أعراض الناس ويتهمها بالعمالة وبالخيانة ونحن لا علاقة لنا بهم".

ونفى فخر الدين أن تكون هناك "مظاهر مسلحة في المدينة"، وقال "أنا أتحدى أي إنسان يقول بوجود سلاح ظاهر غير سلاح الدولة اللبنانية في النبطية، ومن يقول بغير ذلك فهو كاذب ابن كاذب، مستحيل هذا الأمر"، على حد تعبيره.

وأوضح رئيس البلدية أن "الاعتداءات الإسرائيلية منذ يومين تتركز على المحيط وتحديداً النبطية الفوقا وأطراف كفررمان، في وقت عادت الحيوية كي تدب في المدينة بعد الغارات التي سبقت، ومنها المجزرة التي ارتكبها العدو في بلدة كفررمان، جارة النبطية، وذهب ضحيتها 12 فرداً من عائلة واحدة معظمهم من الأطفال والنساء. هذه المجزرة وحدها دفعت من عادوا إلى النبطية وقرى الجوار إلى النزوح مجدداً. اليوم لا يوجد في النبطية أكثر من 12 إلى 13 في المئة من سكانها، يزيد هذا العدد نهاراً ثم يتراجع مع حلول المساء والليل، بسبب الخوف واستمرار القصف على التلال".

​ويحمل رئيس البلدية "بعض وسائل الإعلام المحلية ومواقع التواصل الاجتماعي مسؤولية خوف الناس وقلقهم من خلال بث إشاعات وتحليلات تروعهم، لدرجة أن بعضهم تحدث عن أن الإسرائيليين باتوا عند مداخل النبطية وهذا أمر مؤسف للغاية، ثم كتب بعضهم أن بلدية النبطية تحذر المواطنين من العودة إلى المدينة والتريث نتيجة أن الأوضاع ليست جيدة، وهذا ما لم يحصل أبداً. أنا لست مخولاً كي أدعو الناس إلى العودة ولا إلى منعهم من هذه العودة، القرار ليس بيدي ولا أستطيع أن أقدم ضمانات لمن أدعوه للعودة، وهذا الأمر متروك للناس أنفسهم. نعم نحن طالبنا الدولة بتعزيز سرية الدرك في المدينة بعد إخلائها أيام الحرب، وفتح السجل العدلي وعودة الشرطة القضائية كي نيسر أمور المواطنين، وأبلغنا من قبل رئيس الحكومة (تمام سلام) ووزير الداخلية (أحمد الحجار) بأن الأوامر أعطيت كي تعود القوى الأمنية إلى النبطية".

الجيش لم يغادر المدينة

يكشف فخر الدين أنه "قبل التطورات الأخيرة، عادت نحو 70 في المئة من الدوائر الحكومية إلى النبطية، أما الجيش فلم يغادر النبطية كي نقول فليعد إليها، حتى في خلال العدوان والغارات كان الجيش اللبناني يواكب الفرق الإسعافية وعمليات الإنقاذ، وينفذ دوريات، ولم يغب عن الساحة أبداً. نعم نطالب بتعزيز الجيش في النبطية، ولم يصدر أي بيان من النبطية يقول إنه ممنوع على الجيش أن ينتشر فيها أو يعزز حضوره، حتى من 'حزب الله' نفسه. نحن منذ 40 و50 سنة نطالب بتعزيز حضور الدولة في المنطقة، ومنذ وقف إطلاق النار في يونيو الماضي ونحن نناشد مؤسسات الدولة لتعود وتعين المواطنين في ما يحتاجون إليه من خدمات رسمية".

ويشير رئيس البلدية إلى أن رئيس الجمهورية جوزاف عون "تحدث إليَّ منذ أيام عبر الهاتف وقال نحن معكم، وإلى جانبكم"، وأضاف أن الرئيس عون قال له إنه أجرى اتصالات مع دول عربية وأوروبية ومع الولايات المتحدة، مؤكداً عدم القبول بأي اعتداء على النبطية وعلى الجنوب، مشيراً إلى أنه سيتم تعزيز وجود الجيش وحضور مؤسسات الدولة كي يطمئن الناس.

​وشرح فخر الدين أن "الحرب الأخيرة تسببت في دمار نحو 750 وحدة سكنية بشكل كلي في النبطية وقرية كفرجوز، وإصابة ما بين 1250 إلى 1300 وحدة سكنية أخرى بأضرار جسيمة أو نصفية، وأكثر من 3 آلاف وحدة بأضرار متوسطة، ونتحدث هنا عن زجاج وأبواب ونوافذ وألمنيوم، يضاف إليها نحو 225 موقعاً اقتصادياً أصيبت بدمار كلي، ونحو 400 متجر ومكتب وعيادة مصابة بأضرار مختلفة".

وتمنى رئيس البلدية "على الدولة اللبنانية وتحديداً وزارة الداخلية أن تفرج عن بعض أموال بلدية النبطية كي نستطيع أن نواصل العمل بعدما أرهقتنا الديون، وخلو صندوقنا المالي، وهذا ما أبلغنا به رئيس الحكومة، وربما لن نستطيع دفع الرواتب عن سبتمبر الجاري إذا لم تصل أي أموال أو أي دعم، فنحن منذ توقف الحرب نقوم بإزالة النفايات بالدين، ولن نتحدث عن أعطال الشاحنات والآليات وغيرها. وقد بلغت خسائر مولدات الكهرباء أكثر من 250 ألف دولار بسبب تمنع المواطنين عن دفع هذه المستحقات، في حين لا يمكننا أن نقطع التيار الكهربائي عنهم، فيما تبلغ تغذية شركة كهرباء لبنان لمدينة النبطية ساعتين كل 24 ساعة".

استمرار القضم والضم

من جهته يقول وزير خارجية لبنان السابق عدنان منصور (2011 - 2014)، إن "الإسرائيلي اليوم يتبع سياسة القضم والضم، أي إنه يقوم بتطهير قرية ثم يتمركز فيها، ومستمر بذلك، في البداية كان يتحدث عن جنوب الليطاني، اليوم تجاوز جنوب الليطاني وصار شماله، والدليل أن 'علي الطاهر' تقع شمال الليطاني، وليس جنوبه. ونرى أنه في كل يوم يتوسع أكثر، للأسف الشديد، ليس هناك رد فعل لبناني رسمي على مستوى المسؤولية، نسمع بعضهم يستنكر أو يرفض، لكن في حقيقة الأمر هناك من سلم زمام أموره من خلال اتفاق الإطار، هذا الاتفاق ماذا يقول؟ إن العمليات العسكرية التي تقوم بها إسرائيل هي رد على التهديدات التي تحصل لها، يعني أعطى الحق لها بأن تواجه ما تراه تهديداً، وأن تفعل ما تشاء".

​وتابع الوزير السابق "التوسع بالنسبة إلى إسرائيل أمر طبيعي، وبالنسبة إلى بعض أطراف الداخل اللبناني هو ثمن، هناك من يتمنى أن تحتل إسرائيل أكثر من الليطاني وتتعدى النبطية، حتى لو أرادت أن تصل إلى صيدا وغير صيدا. الدولة اليوم أصبحت أمام أمر واقع، لا الدبلوماسية تتدخل، ولا اتفاق الإطار أثبت جدواه، وثمة سبع جولات من المحادثات لم تستطع الدولة اللبنانية أن تحقق شيئاً إيجاباً تخبر الشعب به، وعندما أعطى اتفاق الإطار الحق لإسرائيل في أن تفعل ما تشاء، لم يشر في الوقت عينه بكلمة واحدة إلى موضوع الانسحاب".

وحذر منصور من أن "الخطر محدق بالنبطية، وليس النبطية وحدها، ربما يواصلون حتى يفرضوا أمراً واقعاً على الدولة اللبنانية، تطلعات إسرائيل لا حدود لها، والشيء الآخر أن لا أحد يستطيع أن يكبح تغولها"، وتابع "هذا يجري في وقت لم يشر فيه لبنان بأي شكل من الأشكال، إلى أنه هو الذي يتعرض للعدوان من قبل إسرائيل وله حق الرد. لبنان في اتفاق الإطار تخلى عن كل ورقة قوية بيده، لهذا السبب تتمادى إسرائيل اليوم، وهي تريد النبطية، لأنها أكبر مدينة شيعية في لبنان، وهي مركز الثقل في وسط لبنان كله، إذا سقطت النبطية فهذا يعني تهجير أهلها بالتأويل والتخويف، بالقصف والضرب وبأي شيء، عندما تسيطر إسرائيل على النبطية لبنان كله يصبح تحت الأمر الواقع".

النبطية... الأهمية الجغرافية والتاريخية

لا تُقرأ أهمية النبطية في الحرب الدائرة من موقعها على الخريطة فحسب، بل من الوظيفة التي أدتها تاريخياً في جنوب لبنان. فالمدينة، الواقعة شمال نهر الليطاني وعلى مسافة غير بعيدة من الحدود، شكلت لعقود مركز الثقل السكاني والتجاري والإداري والسياسي لجزء واسع من الجنوب، وحلقة وصل بين القرى الحدودية والساحل والبقاع وبيروت. ومن يراقب النبطية ومحيطها لا يراقب مدينة واحدة، بل عقدة طرق وممرات تقود نحو بنت جبيل ومرجعيون وإقليم التفاح والزهراني، فيما تمنح المرتفعات المحيطة بها، من الشقيف إلى علي الطاهر، قيمة عسكرية إضافية لمن يستطيع السيطرة بالنار والمراقبة على هذا الحيز.

وهذه الأهمية ليست وليدة المواجهة الحالية. فمنذ الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وجدت النبطية نفسها على تماس مباشر مع الاحتلال الذي امتد إلى أجزاء واسعة من الجنوب، فيما تحولت المنطقة ومحيطها خلال الأعوام اللاحقة إلى إحدى ساحات القتال ضد الوجود الإسرائيلي. وبعد انسحاب إسرائيل من معظم الجنوب عام 2000، تغيرت الجغرافيا العسكرية لكن النبطية احتفظت بثقلها، ثم عادت إلى دائرة النار خلال حرب يوليو (تموز) 2006، حين تعرضت المدينة وبلدات قضائها والبنى التحتية والطرق والجسور في محيطها لضربات إسرائيلية واسعة.

لكن موقع النبطية اكتسب بعد ذلك بعداً آخر مع ترسخ البنية العسكرية لـ"حزب الله" في جنوب لبنان. فالمنطقة الواقعة شمال الليطاني لم تكن جزءاً من الانتشار الدولي الذي أُنشئ جنوب النهر بعد حرب 2006، مما جعل النبطية وإقليم التفاح والمرتفعات المحيطة بهما عمقاً بالغ الحساسية للحزب. ومن هنا تبرز أهمية الحديث اليوم عن مرتفعات علي الطاهر وقلعة الشقيف وما يحيط بهما، فالمعركة لم تعد مرتبطة فقط بإبعاد مقاتلي "حزب الله" عن الحدود، بل بمقدار ما تستطيع إسرائيل دفع نطاق سيطرتها النارية والاستخبارية شمالاً، نحو منطقة شكلت تاريخياً بوابة الجنوب وعمقه في آن واحد.

الجيش في كل الجنوب

من ناحية ثانية، ينتقد الباحث السياسي، نسيب حطيط، ما اعتبر أنه "عملية التضليل بدخول الجيش إلى النبطية، لأن الجيش كان موجوداً في كل الجنوب. ومنذ التحرير عام 2000 يعلم العدو والخصم المبغض والمحب والجميع أن الجيش يستطيع الوصول إلى أي نقطة في الجنوب من دون أن يحتج أحد أو يمنعه أحد، فعملية مسرحية دخول الجيش إلى النبطية أولاً تدين الدولة وتصيب الجيش بمقتل، لماذا نزح الجيش عن النبطية قبل أن يدخل الإسرائيلي، مع أن دوره أن يبقى في النبطية كجيش يدافع عن المدينة؟ وهذه إدانة".

وحول سؤال من يحمي النبطية؟ يجيب الباحث حطيط أن "ثلاث فرضيات تحمي النبطية: إما أن تكون هناك قوة ردع مسلحة تمنع سقوط النبطية، سواء قوة ردع كانت محلية وطنية أو وطنية بإسناد خارجي، والفرضية الثانية أن يكون هناك قرار سياسي دولي بصورة أساس من الراعي الأميركي يدعم الدولة اللبنانية، في أنه أعطاها حماية النبطية، والفرضية الثالثة وهذه ساقطة في موضوعيتها أن يكون الجيش اللبناني قادراً على حماية النبطية بقواه العسكرية، وهذا غير موجود نتيجة عدم تكافؤ القوى".

الجيش سيمنع السرقات

ويضيف حطيط، "ثمة أمر آخر وهذا شيء مؤسف، أن انتشار الجيش والقوى الأمنية سيسهم في منع السرقات، نأسف أن هذا المجتمع المنكوب وصل إلى مرحلة لا يستطيع أن يحمي أرزاقه وبيوته، وهذه مشكلة، مشكلة كذلك وحتى في حضور القوة الثنائية (حركة ’أمل‘ و'حزب الله') التي هي في الأصل مسيطرة على الأرض وأعطتها الناس ثقتها ألا تستطيع حماية أرزاق الناس وممتلكاتها، فصرنا نستعين بالأجهزة الأمنية والجيش كي نمنع ذلك، إنها جرعة معنوية لمنع السرقات وتيسير بعض الدوائر الرسمية". ويؤكد حطيط أن "قرار اجتياح النبطية تملكه إسرائيل وأميركا وحدهما، حتى الدولة اللبنانية لا تستطيع أن تمنع اجتياحاً، لأنها جربت جنوب الليطاني بعدما تسلمت من 'حزب الله' المنشآت والقرار وكل شيء فماذا كانت النتيجة؟ هل استطاع الجيش منع الاجتياح؟ هل استطاع منع تدمير القرى؟".

​​وينفي حطيط "وجود أي مظاهر مسلحة في النبطية وغير النبطية لغير الجيش اللبناني والقوى الأمنية، وهذا باعتراف الجيش، منذ عام 2006 وقبله منذ عام 2000، وعندما يقال إن المسلحين ينتشرون في النبطية والقرى، هذا افتراء، فكل الصحافة وجميع أجهزة الأمن تعرف ذلك، حتى الناس العاديون يعرفون أن المقاتلين لا يظهرون بسلاحهم أو ببزاتهم المرقطة، وفي الأساس فإن أهل القرى لا يعرفون المقاتل في أكثر الأحيان إلا بعد سقوطه وخلال تشييعه. نحن الآن أمام حرب مفاهيم ومصطلحات يمكن أن تكون أشد وأخطر من الحرب العسكرية، لأن تغيير المفاهيم والمصطلحات يسقط السلاح ويسقط المقاومة العسكرية وكل شيء".

النبطية خلال الحرب الأخيرة (كامل جابر - اندبندنت عربية)
النبطية خلال الحرب الأخيرة (كامل جابر - اندبندنت عربية)


تلة علي الطاهر كما بدت بعد التفجير الإسرائيلي ليل الخميس 10 سبتمبر الحالي (كامل جابر - اندبندنت عربية)
تلة علي الطاهر كما بدت بعد التفجير الإسرائيلي ليل الخميس 10 سبتمبر الحالي (كامل جابر - اندبندنت عربية)


عادت مدينة النبطية في جنوب لبنان لتتصدر الاهتمام الأمني والعسكري والسياسي بعد التصعيد الإسرائيلي نحوها الأسبوع الماضي (كامل جابر - اندبندنت عربية)
عادت مدينة النبطية في جنوب لبنان لتتصدر الاهتمام الأمني والعسكري والسياسي بعد التصعيد الإسرائيلي نحوها الأسبوع الماضي (كامل جابر - اندبندنت عربية)


قصف مدينة النبطية خلال حرب عام 2006 (أ ف ب)
قصف مدينة النبطية خلال حرب عام 2006 (أ ف ب)


تعليقات: