
يرى مراقبون أن ثمة ارتباط بما يحصل من تصعيد في جنوب لبنان بوجود نية لدى إسرائيل بتوسيع \"المنطقة الصفراء\" (أ ف ب)
لم تتوقف عمليات الجرف وهدم الأبنية في القرى الحدودية... والتركيز على علي الطاهر هدفه انتخابي
ملخص
يبدو أن جبهة الجنوب اللبناني وعلى رغم الوقف المعلن لإطلاق النار، قد دخلت في صلب حسابات الفرقاء الإسرائيليين الذين يتحضرون لخوض انتخابات "الكنيست" المفترض إجراؤها في أكتوبر المقبل.
مما لا شك فيه أن مناطق عديدة في جنوب لبنان لم تتوقف الحرب فيها من الجانب الإسرائيلي على رغم إعلان وقف إطلاق النار في الـ19 من يونيو (حزيران) الماضي، فالطائرات الحربية لم تزل تغير على مناطق واسعة في أقضية النبطية وصور وبنت جبيل، والمسيرات تستهدف مارة وسيارات، وتواصل المدفعية الثقيلة قصفها لأحياء كثيرة في قرى النبطية الفوقا، وكفرتبنيت، وكفررمان، وأرنون، وزوطر الشرقية، ويحمر الشقيف، في قضاء النبطية شمال نهر الليطاني، وهي مناطق محتلة أو شبه محتلة من قبل إسرائيل - وفي حداثا وبرعشيت في قضاء بنت جبيل، والقنطرة ودير سريان بقضاء مرجعيون، والمنصوري بقضاء صور وغيرها هنا وهناك.
تصعيد خطر
وشهد الوضع الأمني الأسبوع الماضي انفجاراً لافتاً تسبب في حال نزوح كبيرة للعائدين إلى قراهم وبلداتهم خارج مناطق الاحتلال المباشر، حتى ظن الجميع أن جولة جديدة من الحرب الإسرائيلية تجددت في جنوب لبنان وأطاحت الوقف الهش لإطلاق النار. إذ أغارت الطائرات الإسرائيلية فجر السبت الـ15 من أغسطس (آب) الجاري، على منتجع سياحي في بلدة أنصار (غرب مدينة النبطية وتبعد عنها 15 كيلومتراً) قتلت جراءها عائلة بأكملها كانت نزيلة المنتجع تتألف من الزوج علي سمير الحاج حسن من بلدة شمسطار البقاعية (شرق لبنان) قالت إسرائيل إنه أحد قياديي "قوة الرضوان" في "حزب الله"، وزوجته زينب مهدي ناصر الدين (معلمة وشاعرة ومترجمة) مع أبنائهما الأربعة، حسين وحسن وعباس وزهراء، فضلاً عن سقوط عدد من الجرحى.
ولم تكد تمضي ساعات قليلة حتى أغار الطيران الإسرائيلي مجدداً على بلدة دير الزهراني هذه المرة، والتي تقع شمال غربي مدينة النبطية وتبعد عنها نحو 8 كيلومترات، واستهدفت الغارة مبنى قريباً من الشارع العام، مما أدى إلى مزيد من الإصابات، منهم من أصيب داخل سيارته خلال عبوره بالمكان. وقال الدفاع المدني اللبناني إنه انتشل من تحت الأنقاض 4 جثامين، في حين نقلت عناصره 5 مصابين آخرين إلى مستشفيات النبطية. هذا التطور الذي أعدته الأوساط اللبنانية الأخطر منذ قرار وقف إطلاق النار في 19 يونيو الماضي، وإلى جانب تسببه في مقتل 11 شخصاً في الأقل، أدى إلى حركة نزوح خانقة، وبخاصة من منطقة النبطية، أفضت في ذروتها إلى ازدحام الطرقات نحو شمال الليطاني والزهراني بآلاف السيارات.
تزامن هذا التصعيد مع غارات إسرائيلية ليلية على جبل "علي الطاهر" المشرف على مدينة النبطية، وقريتي النبطية الفوقا وكفرتبنيت، وعلى التلال الشرقية لمدينة النبطية وجارتيها النبطية الفوقا وكفررمان، دمر خلالها عدداً من القصور والأبنية الفخمة، ناهيك بتفجيرات كبيرة شهدتها قرى كفرتبنيت، وأرنون، ويحمر الشقيف، وزوطر الشرقية التي قام الجيش الإسرائيلي بتدمير مبنى مدرستها الأولى ودار البلدية. في وقت يستمر القصف الليلي وخلال النهار والتفجيرات الضخمة التي يسمع دويها إلى مناطق بعيدة من الجنوب والبقاع على تلال "علي الطاهر" و"الدبشة" و"دوحة كفررمان" مخلفة قلقاً وخوفاً دائمين لدى سكان النبطية وجوارها ممن عادوا إليها بعد وقف إطلاق النار.
هدم وجرف وتفجير
من جهته هدد "حزب الله" بالرد، ودان ما سماه "التصعيد العدواني والمجزرة الوحشية التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي في حق المدنيين الآمنين في جنوب لبنان، في إثر استهدافه منزلاً في أطراف بلدة أنصار ومبنىً سكنياً مأهولاً في دير الزهراني بقضاء النبطية"، مما أدى إلى مقتل 11 شخصاً، بينهم أطفال ونساء، وسقوط 12 جريحاً".
وحمل الحزب "حكومة الاحتلال والإدارة الأميركية المسؤولية الكاملة عن التمادي في العدوان وانتهاك السيادة اللبنانية وتوفير الدعم والغطاء لهذه الجرائم"، محذراً "العدو الإسرائيلي من أن محاولات فرض أمر واقع جديد، واعتداءاته المتواصلة لا يمكن أن تستمر، وستقابل بما يناسبها دفاعاً عن لبنان وشعبه وسيادته وكرامته الوطنية".
في المقابل، لم تتوقف عمليات الجرف الإسرائيلية وهدم الأبنية في زوطر الشرقية، ويحمر، وكفرتبنيت، ورصدت كاميرات إعلاميين ومواطنين من زوطر الغربية التي تخضع لمشروع "المناطق التجريبية" ودخلها الجيش اللبناني في الـ21 من يوليو (تموز) الماضي، آليات إسرائيلية ضخمة، منها جرافات من نوع D9 تقوم بهدم المنازل وتجريفها، في وقت لم تتوقف أعمال التفجير والتفخيخ لأحياء ومجمعات سكنية، وبخاصة في بلدة كفرتبنيت التي تبعد نحو 4 كيلومترات عن مدينة النبطية.
يقول العميد الركن المتقاعد في الجيش اللبناني محمد عطوي، إنه "لا شك في أنه لم يعد أمام إسرائيل اليوم سوى تدمير القرى الجنوبية وجعلها أرضاً محروقة بهدف السيطرة عليها فيما بعد، ومنع الأهالي من الدخول إليها أو الإقامة فيها أو الاستفادة من أرضهم ومن بيوتهم. في المقابل نحن نرى أن هناك مرتفعاً أمام إسرائيل لا يتعدى علوه 600 متر ومساحته لا تتعدى الـ500 إلى600 متر مربع، لم تستطع حتى الآن السيطرة عليه، على رغم قدرتها العسكرية".
الحل في انسحاب إسرائيلي
وأضاف عطوي، "إذا أرادت إسرائيل أن تقدم على عملية احتلال حتى منطقة (نهر) الزهراني أو ما قبل الزهراني أو ما بعد الليطاني، ستنبت مقاومة لاحتلالها على نحو ما كان قبل العام 2000، أي قبل انسحابها من جنوب لبنان آنذاك. بالتالي هذه المقاومة ستستنزف إسرائيل. لذا، كل ما هنالك اليوم، أن إسرائيل تحاول أن تكسب بعض الأوراق قبيل انتخاباتها الداخلية التي ستجري قريباً، وهذه الانتخابات هي فقط لدعم (بنيامين) نتنياهو في التجديد له في رئاسة الحكومة".
ويرى عطوي أن "مشروع المناطق التجريبية فشل في حماية أبناء الجنوب وإعادتهم لقراهم". وأضاف، "هناك شعب من بيئة متقاربة غالبيتها من سكان متعاطفون مع 'حزب الله'، ما هي التجربة التي يجب أن يخضعوا لها كي يتخلوا عن تعاطفهم؟ لتتفضل إسرائيل وتنسحب، ثم تدخل بمفاوضات غير مباشرة مع الدولة اللبنانية، ويكون فيها ممثلون عن الحزب مشتركون بالمفاوضات كي يتوصل الجميع إلى حل الأمور".
ويوضح أن "أسباب التصعيد الإسرائيلي غير المتوقف في جنوب لبنان، هو فشل الضمانات الأميركية، إذ تبين أنها ليست ضمانات ولم تستطع حتى الآن الوصول إلى وقف جدي لإطلاق نار".
تصعيد لأجل الانتخابات الإسرائيلية
يعتبر الباحث السياسي مهند حاج علي أن "التصعيد اليوم له سببان رئيسان، أولهما على المستوى الكبير، أن نتنياهو يشدد بشكل ملح ومستمر على الخطر القادم من البرنامج النووي الإيراني، ويحكى كثيراً على منشأة جبل فأس والمنشآت المحفورة تحت الأرض التي لم يصلوا إليها بعد، وفيها مواد نووية إيرانية. هناك رغبة لدى نتنياهو بتوجيه ضربة أوسع على المستوى العسكري لإيران، وتحديداً ضرب منشآت الطاقة. أما الجانب الأميركي فمتردد".
وأضاف، "بالنسبة إلى لإسرائيليين فإن التصعيد من جانب لبنان يأتي بمثابة معبر لمواجهة مباشرة مع إيران، فإذا دخل الجيش الإسرائيلي على مناطق محدودة في الجنوب، مع حصول استهدافات أوسع، سيفضي الأمر إلى رد من 'حزب الله' بشكل أكبر من المعتاد، وهذا ما يستجلب رداً إيرانياً مباشراً على إسرائيل، من هنا يوجد مدخل مريح أكثر إلى الحرب التي تسعى إليها إسرائيل مع إيران".
أما السبب الثاني برأي حاج علي فهو "منطقة علي الطاهر، إذ أنه على مستوى الدعاية السياسية، يقال إن هناك منشأة واضحة ضخمة تحت الأرض، فيها مجموعة أنفاق هائلة، تشكل مادة دعائية كبيرة في وقت يحتاج نتنياهو لهذا الأمر. فإذا استطاعوا أن يسيطروا عليها، أو يستعرضوها على الشاشات، أظنها ستشكل صدمة كبيرة على المستوى الدولي كمادة دعاية جيدة لإسرائيل تظهر من خلالها حجم الخطر الذي تواجهه. ونحن نعلم أن إسرائيل، تعاني نظرة سلبية في الإعلام الغربي والدولي، إذ إنها متهمة بارتكاب إبادة جماعية وتطهير عرقي، تطاول مدنيين، بينهم أطفال ونساء في غزة وجنوب لبنان. بالتالي فإن إعادة تظهير العدو بشكل يبين أن أنفاقاً ومدناً تحت الأرض أقامها الحزب بمساعدة من إيران بكلفة مئات ملايين الدولارات، سيكون مفيداً لإسرائيل على المستوى الدولي وفي الداخل أيضاً، حيث قد تمكن لـنتنياهو من الفوز بالانتخابات المقبلة".
خطة تهجير أوسع
ويرى حاج علي "أننا الآن أمام معضلة ’علي الطاهر‘، وقد بتنا على مسافة زمنية قصيرة من الانتخابات الإسرائيلية، ويحتاج الإسرائيليون إلى إنجاز كبير كي يستفيدوا منه على المستوى العسكري من خلال الهجوم على تلك النقطة. أما السؤال التالي فهو: هل هناك خطة أشمل عند إسرائيل لتهجير أوسع للشيعة من المنطقة الحدودية؟ وأعتقد أن ذلك مرجح جداً، لأن الإسرائيليين ينظرون اليوم نحو الحدود المحيطة بهم على أن البشر والمجتمعات فيها هي العدو، بما يخالف القانون الدولي الذي يفرق بين القوى المتحاربة والمجتمعات المدنية".
ويضيف "بالمنطق الإسرائيلي العام، باتوا لا يريدون وجود مجتمع شيعي على الجانب الآخر من الحدود. وكذلك لا يريدون وجود مجتمع فلسطيني على الجانب الآخر من الحدود إن كان بغزة أو غيرها. أو مجتمع سوري على الجانب الآخر من الحدود مع سوريا. فهناك نظرة أو رؤية أو سياسة إسرائيلية تقوم على جرف السكان عند الجانب الآخر من الحدود، ورأيي أن هذا الشيء طويل الأمد. هي سياسة تلتزم فيها ليس الحكومة الحالية فحسب، بل المعارضة أيضاً. يعني هذه سياسة تأسيس قائمة في إسرائيل".
وحول تنفيذ فعلي لوقف إطلاق النار ومنع التصعيد وإعادة أبناء الجنوب إلى ديارهم يقول حاج علي إن "السؤال هو: هل بالإمكان من خلال التفاوض، ومن خلال الولايات المتحدة والقنوات الدبلوماسية إعادة تقويم هذه الاستراتيجية المتبعة من قبل إسرائيل وإيجاد ثغرات فيها من أجل إعادة الناس إلى بيوتهم؟ برأيي هذا ممكن بالسياسات، تحديداً إذا كانت الانتخابات الإسرائيلية أنتجت ائتلافاً مع قوى عربية، وإذا قيدت الولايات المتحدة السياسات الإسرائيلية، مما ينتج حلاً وسط في المرحلة القادمة".
ويتابع "إذا كان توجه الرئيس ترمب مع إطفاء الحرب بأي ثمن، وكان ثمة إصرار إيراني على انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان، أعتقد هنا بوجود خيط حل يمكن أن يتحقق على مستوى جنوب لبنان. وربما تستخدم الورقة بضغط من خلال مسار التفاوض اللبناني مع إسرائيل، هي احتمالات قائمة، وقد رأينا في الفترة السابقة أن المفاوض اللبناني استفاد من حاجة ترمب إلى وقف لإطلاق النار وكانت إسرائيل ترفض ذلك. الحل التفاوضي اللبناني هو حل وسط بهذه المرحلة".
أوراق معقدة
ويتساءل حاج علي "هل هذا الشيء ممكن أن يستمر أو ممكن تحقيقه؟ ممكن، لكنه أيضاً موضع خطر ويمكن أن نرى ربطاً كاملاً للنزاع اللبناني بالنزاع الإيراني، بخاصة إذا واصلت إيران الحرب من اليمن مثلاً، هذا الأمر يمكن أن تكون له انعكاسات على لبنان لاحقاً إذا تحقق هذا الربط وتم استخدام الساحة اللبنانية في حالات أخرى... ونحن كذلك مع إيجاد مسار لبناني يفصل لبنان عن هذه النزاعات والحروب".
واعتبر أن "الدولة اللبنانية ورثت واقعاً أنتجته حرب 'حزب الله' على إسرائيل. فماذا تستطيع أن تفعل؟ هل بإمكانها أن تشن حرباً أخرى على إسرائيل؟ أو أن تفاوض؟ لقد دخلت المفاوضات كونه المسار الوحيد الموجود أمامها، ولم يكن هناك خيار آخر".
لا يجد المتحدث ذاته أن "ثمة ارتباطاً بما يحصل من تصعيد في جنوب لبنان بوجود نية لدى إسرائيل بتوسيع ما يسمى المنطقة الصفراء. طبعاً لا يعني ذلك أن المنطقة الصفراء غير خاضعة للاتساع، مثلما يحصل اليوم في غزة. وهناك تصريح شهير لنتنياهو في أحد خطاباته يقول فيه إننا نحن اليوم نسيطر على 50 في المئة من قطاع غزة، ونذهب كي نسيطر على 70 في المئة، وربما أكثر. عندما توجد منطقة عازلة أو منطقة منزوعة السلاح والبشر، فمن الطبيعي أن تتولد منطقة مضادة تدفع إلى تسليح الناس بمواجهة الاحتلال وإلغاء المواثيق الدولية ومعاهدات جنيف، وتحجيم القانون الدولي على المستوى الذي حصل في جنوب لبنان، أي ستكون هناك حاجة إلى منطقة تحمي المنطقة الصفراء".

يقول متابعون إنه لم يعد أمام إسرائيل اليوم سوى تدمير القرى الجنوبية وجعلها أرضاً محروقة بهدف السيطرة عليها فيما بعد (أ ف ب)

شهد الوضع الأمني الأسبوع الماضي انفجاراً لافتاً تسبب في حال نزوح كبيرة للعائدين إلى قراهم وبلداتهم خارج مناطق الاحتلال المباشر (أ ف ب)

مناطق عديدة في جنوب لبنان لم تتوقف الحرب فيها من الجانب الإسرائيلي على رغم إعلان وقف إطلاق النار في الـ19 من يونيو الماضي (أ ف ب)
الخيام | khiyam.com
تعليقات: