يوسف غزاوي: “الأثر المفتوح” أو “العمل المفتوح” لأمبيرتو إيكو: تعدّد القراءات وانفتاحها Umberto Eco\ L`oeuvre ouverte


تمهيد:

في أثناء الحرب الحاليّة 2026، أرتاد أحد مقاهي بيروت، حيث يلتقي أصدقاء من أطياف فكريّة مختلفة: شعراء، فنانون تشكيليّون، كتّاب، مسرحيّون، نقّاد، موسيقيّون، صحفيّون، الخ، للتداول ببعض الأمور الثقافيّة التي تهمّنا، والتي لا نُتقن غيرها (كما يقول الفنّان فان غوغ)، والتي تخفّف عنّا ثقل أجواء الحرب الدائرة في المنطقة.

لقد عوّدتنا هذه العنقاء الجميلة، عروسة المدن، العاصمة العملاقة بيروت، على الحياة، والانبعاث، والعطاء الثقافيّ، والفنّيّ، والفكريّ، بالرّغم من الصعوبات كلها، والحواجز، والقهر، والحروب المختلفة. أمّا هذا المقهى، فهو ركن هادئ نسبيًّا بمرتاديه، ونعني بذلك تلك الفئة ممن نجالس في وقت معيّن من النهار، والذين غزا الشيب معظمهم. لا يسلم هذا المكان من بعض الضجيج المتأتّي من صخب شارع الحمراء القريب منه. مثقّفون دان الزمان لهم، ملأت إصداراتهم وأمسيّاتهم تلك الزاوية الصغيرة بحجمها، والكبيرة بحضورها ووقعها.. زمرة يمكن تسميتها بـ “عائلة المقهى المخلصة”، تجتمع يوميًّا كواجب وظيفيّ، ندر وجوده حتى بين العائلات المرتبطة بالقربة والهويّة؛ الانتماء الثقافيّ والدفء الروحيّ، والقهوة بطعم بيروت، هو ما يجمعهم. ما يُميّز هذه الجماعة هو تنوّعهم الجغرافيّ والمناطقي، ليأتي هذا التكتّل الثقافيّ الصغير ممثّلًا للوجه الحقيقيّ لهذا الوطن.

مناقشات كثيرة تجري بينهم، ومنها ما جرى منذ أيّام قليلة، وبشكل عفويّ ومقتضب، على وقع شرب القهوة السريع، مناقشة قضيّة المعنى في العمل الفنّيّ، وتحديدًا التشكيليّ منه. كانت هناك آراء مختلفة ومنوّعة تبعًا لثقافة كلّ واحد من الحاضرين المشاركين في الحوار. كان هذا النقاش سببًا لولادة هذه المقالة.

مثّل المعنى عبر العصور والعقود قضيّة وركنًا أساسيًّا من تعدّد الآراء والاجتهادات؛ هو رسالة عميقة يهدف المبدع إلى إيصالها إلى المتلقّي. هو (المعنى) تجربة جماليّة ودلاليّة مليئة بالإشكاليّات والفرضيّات، تختلف أبعادها باختلاف زوايا التلقّي. قضيّة معقّدة لا يمكن لأحد امتلاك ناصيتها أو الإجابة عنها لتعدّد ظروف نشأتها وزمنها ومبدعيها.. وفي عصرنا الحالي، ما زالت هذه القضيّة تحتلُّ حيزًا مهمًّا من اهتمامات وكتابات المفكرّين، حيث اختلفت عن سابقاتها، ولا سيّما بعد ظهور الـ “بنائيّة”، وما حملته من أفكار أبعدت صاحب النصّ عن نصّه، بل قتلته (موت المؤلّف)، وحصرت الأمر ببناء النصّ وحبكته، لتكثر بعدها الآراء والإضافات والمواقف مع ظهور الألسنيّة والسميولوجيا (علم العلامة) وغيرها.. ما يهمّنا هنا هو الإطلالة على هذا الكتاب الموجود بين أيدينا لمؤلّفه الإيطاليّ “أمبيرتو إيكو”، ورؤية ما حمله مجدداً على صعيد قراءة العمل بانتماءاته وأشكاله كافّة، من أدبيّة وفنّيّة وعلميّة..

المؤلّف “إيكو”:

أمبيرتو إيكو (1932- 2016)، فيلسوف إيطاليّ، ناقد، روائيّ، ألسنيّ، باحث في القرون الوسطى، متخصّص في التأويليّة وعلم العلامة (السميولوجيا) كما ظهر في روايته الشهيرة “إسم الوردة” عام 1980، وهي لغز تاريخيّ يجمع بين علم العلامة في الخيال مع تحليل الكتاب المقدّس والدراسات القروسطيّة والنظريّة الأدبيّة، وكذلك روايته “بندول فوكو” التي تتناول موضوعات مماثلة. تحوّلت روايته “إسم الوردة” إلى فيلم سينمائيّ لم يستطع أن يحاكي عمق الكتاب، كما قال البعض.

كتب بغزارة أثناء حياته، ومنها ترجماته لعدّة لغات، وكتابات صحفيّة. وهو أيضًا أستاذٌ جامعيّ. تسنّى لي أثناء دراستي الجامعيّة في باريس الاستعانة بمرجعه “الأثر (العمل) المفتوح” لأطروحتي الدكتوراه، والذي سيكون موضوع إطلالتنا هذه.

كتاب “الأثر المفتوح”:

سنحاول في هذه الدراسة الإطلالة على هذا المرجع (الأثر المفتوح) حسب تسمية المترجم له، لما حمله من جديد على صعيد المعنى، وسنقصر دراستنا على المقدّمة، لما حوته من عناوين وتفاصيل، وغنًى في البحث والطروحات. تَرجم هذا الكتاب إلى اللغة العربيّة “عبد الرحمن بو علي”، وقد صدر عن دار “الحوراء للنشر والتوزيع” في اللاذقيّة بسوريا عام 2013، والطبعة التي سنعتمدها في تغطيتنا هذه هي الثالثة. نشير هنا إلى أنّ هذه الترجمة اقتصرت على (جزء) من هذا الكتاب، وليس معظمه.

في مقدّمة المترجم حول مفهوم الانفتاح، يقول إنّه يحتاج إلى شرح طويل لتفسير المراد منه.. أمّا مناسبة الترجمة فهي الدفع إلى البحث في هذا المفهوم دون تطويل أو ابتسار، وإلى التنقيب عن أسسه، وإلى معرفة مجالات تطبيقه في بدايات استعماله في مرحلته الأولى، ثمّ في مرحلة ثانية عندما تمّت الاستفادة منه في الأعمال النقديّة. فما الذي يقصد من “الأثر المفتوح” أو “النصّ المفتوح” أو “العمل المفتوح”؟ وما هي أصوله؟ هل هي فلسفة إبيستولوجيّة أم علميّة أم إيديولوجيّة؟ ومن هم واضعو هذا المفهوم؟ يتساءل المترجم. ليضيف، أنّ تطبيق إيكو لهذا المصطلح لم يقتصر على العمل الأدبيّ، ذلك أنّه طبّقه على مجالات متعدّدة مثل الأعمال الموسيقيّة والتشكيليّة والتلفزيون وغير ذلك من المجالات التي ترتبط بالحياة الاجتماعيّة المعاصرة.

يخلص المترجم إلى التأكيد على أنّ جزءًا ضخمًا من الإنتاج الأدبيّ المعاصر- بل ومن الإنتاج الإنسانيّ- يكون مفتوحًا بدون قصد على التفاعل الحرّ للقارئ، ولأنّه يقوم على أساس الرمز فهو مفتوح على التفاعلات والتأويلات.

ويضيف القول إنّ مفهوم “الأثر المفتوح”، الذي وضعه إيكو، ومن دون أيّ شكّ، جاء ليسدّ فراغًا كبيرًا كانت تعاني منه الدراسات النقديّة، إذ بظهور هذا المفهوم تغيّر التقليد النقديّ السائد الذي اعتاد على التفسير الأحاديّ والضيّق، كما ازدادت قابليّة الأعمال الأدبيّة للتأويل بجميع أشكاله.. فيُقدّم القارئ وهو في مواجهة النصّ كلّ ما يختزنه من ترسانة تشمل الفكريّ والثقافيّ والاجتماعيّ.. وهذا ما يؤكّد عليه الفيلسوف الفرنسيّ “ميرلو بونتي”..

يُركّز “إيكو” على أعمال الكاتب والشاعر الإيرلنديّ “جيمس جويس” في أثره المفتوح، لكن ما يهمّنا من الأمر، في هذه المقالة السريعة، هو ما عرضه في مقدّمة كتابه، والتي أخذت منه حيّزًا لا بأس به.

(أربعة أمثلة موسيقيّة، أو سونوتات) مختارة من بين أمثلة كثيرة يتناولها إيكو في بداية مقدّمة كتابه ليصل إلى الحديث عن الأثر الفنّيّ الذي هو من جهة موضوع يمكن أن نجد له شكله الأصيل كما تصوّره المؤلّف، وذلك من خلال مظهر الآثار التي يحدثها في عقل المستهلك وإحساسه. إنّ كلّ مستهلك، حسب رأي إيكو، وهو يتفاعل مع مجموعة المثيرات، محاولًا رؤية وفهم علاقاتها، يمارس إحساسًا شخصيًّا، وثقافة معيّنة، وأذواقًا، واتجاهات، وأحكامًا قبليّة، توجه متعته في إطار منظور خاصّ به. وفي العمق فإنّ الشكل يكون مقبولًا جماليًّا، وبالضبط عندما يكون ممكنًا تصوّره وفهمه وفق منظورات متعدّدة، وعندما يحمل تنوّعًا كبيرًا في المظاهر والأصدية دون أن يتوقّف عن أن يكون هو نفسه. وبهذا المعنى الأوّل، يرى الباحث إنّ كلّ أثر فنّيّ حتى، وإن كان مكتملًا ومغلقًا من خلال اكتمال بنيته المضبوطة بدقّة، هو أثر “مفتوح” على الأقلّ من خلال كونه يؤول بطرق مختلفة، دون أن تتأثّر خصوصيّته التي لا يمكن أن تُختزل. ويرجع التمتّع بالأثر الفنّيّ إلى كوننا نعطيه تأويلًا، ونمنحه تنفيذًا، ونعيد إحياءه في إطار أصيل. هنا لا بدّ من الإشارة إلى المنهجيّة النقديّة للباحث الكبير الفرنسيّ السميولوجيّ “رولان بارت” صاحب العبارة المشهورة “موت المؤلّف”، الذي يقول: “إنّ هذا الاستعمال ليس امتيازًا خاصّا. إنّه على العكس من ذلك الوجود نفسه للأدب: الوجود في ذروته. فأن تكتب معناه إشعال معنى العالم، ووضع سؤال غير مباشر لا يجيب عنه المؤلّف، ويجب أن يجيب عنه كلّ واحد منّا، مستعملًا تاريخه ولغته وحرّيّته. لكن وبما أنّ التاريخ واللغة والحرّيّة تتغيّر بلا حدود، فإنّ جواب العالم عن سؤال المؤلّف هو بلا حدود. ونحن لا نتوقّف أبدًا عن الإجابة عما سبق أن كتب.. والمعاني وهي تتأكّد وتتصارع تمرّ ويبقى السؤال.. ولكي تتحقّ اللعبة.. يجب احترام بعض القواعد، فمن جهة يجب أن يحقّق العمل شكلًا حقًّا، وأن يدلّ على معنى محيّر حقًّا، لا على معنى مغلق”.

يتطرّق إلى العنصر الذاتيّ في المتعة الجماليّة- الذي يتضمّن علاقة تفاعليّة بين الأثر الذي هو المعطى الموضوعيّ والذات التي تستقبله- لم تكن غريبة عن القدماء، ليتطرّق إلى أفلاطون في الصوفيّ حول حديثه عن الرسامين وطريقة تقديمهم لشخوصهم بشكل واقعيّ.. ثمّ تطرّقه للعصر الوسيط ودانتي وأسماء كثيرة ساهمت بتشكّل مفتاح الشعر الوسيط. وهناك تأويلات الخطاب الاستعاريّ والمنظورات المتعدّدة التي تنفتح أمام الأثر الفنّيّ المعاصر. واختصارًا، يمكن أن نجد، كما يقول، في الجماليّة الباروكيّة مثالًا واضحًا عن المفهوم المعاصر لـ “الانفتاح”، فالفنّ “الباروكيّ” هو النفي نفسه للمحدّد والثابت والواضح، وهي الخصائص المميّزة للشكل الكلاسيكيّ للنهضة ذي الفضاء المحيط بمحور مركزيّ والمحدّد بخطوط متوازية وزوايا مغلقة، ترتبط كلّها بالمركز بشكل توحي فيه بالأبديّة “الجوهريّة” بدل أن توحي بالحركيّة. إنّ الشكل الباروكيّ، حسب رأيه، هو الآخر ديناميّ، وهو ينحو باتجاه تحديد الأثر- بواسطة لعبة الإملاءات والفراغات والضوء والظلّ والمنحنيات والخطوط المنكسرة والزوايا ذات الانحناءات المتنوّعة- ويوحي باتساع متنام للفضاء. ويستبعد البحث عن الحركة والرسم الخادع للرؤية المتميّزة ذات البعد الواحد والجبهيّة، ويحرّض المشاهد على التنقل الدائم لمشاهدة الأثر من زوايا جديدة دائمًا، وكلّ ذلك بسبب كونه شيئًا في تحوّل دائم.

نفتح مزدوجين هنا للتعريف بفنّ “الباروك”، أو الباروكيّ، الذي هو أسلوب فنّيّ وثقافيّ نشأ في روما أواخر القرن السادس عشر، وازدهر في أوروبا خلال القرنين السابع والثامن عشر. يعتمد على إثارة العواطف والدراما والزخرفة المبالغ فيها والحركة، قياسًا للمدارس والتيّارات الفنّيّة السابقة عليه، وبالتحديد، الكلاسيكيّة. تجلّى هذا الفنّ في الأدب، والعمارة، والنحت، والرسم والتصوير، والموسيقى، والأوبّرا، والرقص، والمسرح، الخ. من أبرز فنّاني الباروك “رمبراندت فان راين”، و”بيتر بول روبنز”، و”كارافاج”. وفي العمارة نجد “جيوفاني”، الذي يُعتبر المؤسّس الحقيقيّ لفنّ العمارة الباروكيّة.

لننتقل إلى القصيدة حيث يقول “إيكو” إنّه ينبغي أن ننتظر نهاية الرومانسيّة والنصف الثاني من القرن التاسع عشر، وأن ننتظر الرمزيّة، لكي نشهد تقدّمًا لنظريّة الأثر “المفتوح” بشكل واعٍ.. وستمضي تأكيدات “مالارمي” في نفس الاتجاه إلى أبعد من ذلك: “إنّ تسمية أيّ موضوع يعني استبعاد ثلاثة أرباع من متعة القصيدة التي هي السعادة المصاحبة للتخمين، لذلك فإنّ في التلميح إليه يكمن الحلم..”.

بهذا الشكل يرى أنّ الأثر يكون مفتوحًا بدون قصد على التفاعل الحرّ للقارئ.. يدور مجمل بحث إيكو المطوّل حول عمل “جيمس” الضخم، بدءًا من “أوليس” و”ستيفان” البطل وصولًا إلى استيقاظ عائلة “الفاينيكاس”، لنجد أنفسنا أمام عالم معقّد، عالم أينشتاينيّ حقيقيّ، ليس من السهولة الغوص فيه والوقوف على مساراته وتعقيداته.

يقول عن الموسيقى: “فنظرًا لأنّ الظواهر ليست مترابطة فيما بينها عن طريق حتميّة ارتباط كلمة بأخرى، يكون على المستمتع أن يتموقع طوعيًّا وسط شبكة من العلاقات التي لا تنضب، وأن يختار هو نفسه أبعاد المقاربة الخاصّة به ونقط علاماته، وسلم مرجعيّته ومحاولة استعماله في نفس الوقت أكبر عدد من السلالم والأبعاد الممكنة، وإعطاء الديناميّة لوسائل التقاطه وتنويعها إلى أبعد حدود”.. يتطرّق أيضًا إلى شعريّة المسرح عند “بريخت” الذي تنتهي أعماله بشكل غامض، لكنّه غموض ملموس بوصفه مواجهة للمشاكل التي يجب البحث عن حلّ لها، وعندئذ يكون الأثر “مفتوحًا” فيتحوّل إلى نقاش.. وهكذا يصير “الانفتاح” وسيلة تربويّة ثوريّة.

في تلك الأمثلة تنطبق مقولة “الانفتاح” على عدد كبير من أنماط الآثار الفنّيّة.. فمن الباروك إلى الرمزيّة كان الأمر يتعلّق دائمًا بـ “انفتاح” ينبني على المشاركة النظريّة والعقليّة للقارئ الذي يجب أن يؤوّل بشكل حرّ أثرًا فنّيًّا سبق تنظيمه، ويتوفّر على بنية معيّنة..

يعطي مثلًا عن متحرّكات الفنّان “كالدر”، وهي بيّنات تملك سلطة التحرّك في الهواء والظهور بأشكال مختلفة خالقة باستمرار فضائها الخاصّ وأبعادها الخاصّة. الفنّان “ألكسندر كالدر” (1898- 1976)، هو نحّات أميركيّ، وأحد أبرز الفنانين الأميركيّين في القرن الفائت. عُرِف بمنحوتاته الأنيقة التي عُرِفت باسم المتحرّكة. وقد سُمّيت هذه الأعمال بهذا الاسم، لأنّها تتحرّك فعلًا عندما تدفعها التيّارات الهوائيّة. وكان النحّاتون، الذي سبقوه، يمنحون الحركة للمنحوتات باستعمال المحرّكات أو آليّات الساعة. من أبرز النحاتين الذين استعملوا الآلات لتحريك منحوتاتهم السويسريّ “جان تانغلي”.

يتطرّق أيضًا إلى ملصقات فنّيّة فيها توليفات تجريديّة وأوراق مطويّة مسلّطة عليها أشعة ضوئيّة من خلال عدسة لنحصل على شاشة على تشكيل تلوينيّ حيث يشارك المشاهد في إبداع الموضوع الجماليّ.

ينتقل بعدها إلى “كتاب” مالارمي، الأثر الضخم والشامل الذي لم يستطع مؤلّفه الانتهاء منه. هو بناء مفتوح ومتحوّل.. فصفحات هذا الكتاب يجب ألّا تتتابع وفق نظام محدّد، بل يجب أن تخضع إلى عدد كبير من التجمّعات التي يضبطها نظام تبادل. يصل إلى القول إنّ الشاعر لا يقصد الوصول من وراء كلّ تأليف إلى قيمة تركيبيّة أو دلالة خطابيّة، فالبنية نفسها للجمل وللكلمات- التي تملك سلطة الإيحاء والقدرة على الدخول في علاقة إيحائيّة مع جمل وكلمات أخرى- تسمح بكلّ التبادلات، وتقبل بالعلاقات الجديدة، وبالنتيجة تقبل بآفاق إيحائيّة جديدة.

“يستطرد دائمًا مع مالارمي” ليصل إلى القول إنّ وظيفة الفنّ ليست معرفة العالم، وإنّما هي إنتاج مكمّلات للعالم. فهو يخلق حياة وقوانين خاصّة بها. ليضيف أنّنا نرى في الشكل الفنّيّ استعارة إبستمولوجيّة؛ ففي كلّ عصر تكشف الطريقة التي تنبني بها مختلف أشكال الفنّ- بالمعنى العام وبالمشابهة بالاستعارة وتجسيد المفهوم في صورة- عن الطريقة التي يرى بها العلم، أو في كلّ الأحوال، الثقافة المعاصرة الواقع.

يذكر سارتر الذي بيّن من جهته أنّ الوجود لا يمكن أن يختزل في سلسلة منتهية من المظاهر بمجرّد أنّ كلّ واحد منها يكون في علاقة مع ذات لا تتوقّف عن التغيّر.

يتناول “هوسيرا” و”ميرلوبونتي” و”سبينوزا”، وآخرين، ثمّ عودة إلى الموسيقى وأبعادها المتعدّدة، ورؤية “إينشتاين” المختلفة عن الإيبستمولوجيا الكمّيّة.. ثمّ حديث عن الناي المفرد لـ “بيرتو”، ودراما “بريخت” والإبداعات التشكيليّة.

يرى إنّ “انفتاح” العمل وديناميّته هما شيء آخر، وهو القدرة على إدراج مكمّلات مختلفة، والحيويّ التي لا تعني الاكتمال، بل الاستمرار عبر الأشكال المختلفة. ما يُلفت هنا قوله إنّ ما يستحقّ صفة “المفتوح” في منظور الغربيّين هو الأثر الذي يؤلّفه شخص واحد، والذي عبر التأيلات المختلفة يبقى بنية متجانسة ومحتفظًا بشكل من الأشكال بهذا الطابع الفرديّ الذي يعطيه وجوده وقيمته ومعناه.

ويرى أنّ الآثار “المفتوحة” والمتحوّلة تتميّز بالدعوة إلى إنتاج الأثر مع المؤلّف. وقد لاحظ، وذلك على مستوى أوسع، أنّ نمطًا من الآثار، بالرغم من أنّها كاملة مادّيًّا تبقى مفتوحة على توليد دائم لعلاقات داخليّة يجب على كلّ واحد منّا اكتشافها واختيارها أثناء التصوّر نفسه، وبصفة عامّة رأى أيضًا أنّ كلّ أثر فنّيّ بالرغم من كونه ضمنيًّا أو ظاهريًّا إنتاجًا لشعريّة الضرورة، يبقى مفتوحًا على سلسلة لا منتهية من القراءات الممكنة..

ينهي مقدّمته بالقول إنّ الشكل الفنّيّ الذي قام بتحليله، والذي أوضحه في جذوره التاريخيّة، وفي علاقاته المرجعيّة والتماثليّة التي تجعله يقترب من مظاهر أخرى في العالم المعاصر، يبقى في تطوّر متنام.. وهو يؤسّس إشكاليّة على جميع المستويات، وبصفة عامّة، فالأمر يتعلّق بوضعيّة مفتوحة وفي تحوّل.

ولمحبّي الشعر والشعراء، جاء قول ملفت في متون الكتاب: “الشاعر هو من يكتشف في لحظة الضيق الروح العميقة للأشياء، ولكنّه أيضًا هو من يعطي لهذه الروح وجودًا موضوعيًّا بواسطة وسيلة وحيدة هي الفعل الشعريّ..”.

ويذكر قولًا لـ “فلوبير” الذي يؤكّد أنّه لم يضع أيًّا من عواطفه في “مدام بوفاري”، لكنّه من جهّة أخرى يؤكّد أنّ “مدام بوفاري هي أنا”.. من خلال هذا الكلام يمكننا استنتاج الكثير ممّا يتعلّق بقراءات النصوص والفرضيّات التي رافقتها طيلة القرن الفائت، ولا سيّما البنيويّة التي رافقت نظريّة ما يُسمى بـ “موت المؤلّلف”.

في النسخة الفرنسيّة المنشورة عام 1962 عن منشورات “سوي”، وتحت عنوان “انفتاح، معلومة، تواصل”، يتناول بحديثه عالم الاجتماع والفيلسوف والمهندس الكهربائيّ الفرنسيّ “أبراهام مولز” الرائد والبارز في دراسات “علم المعلومات” و”علم الجمال المعلوماتيّ” وعلم التحكّم الآليّ “السيبرنيتيكا” على الفنون، الإدراك الحسّيّ، والتواصل الاجتماعيّ. يقول “إيكو” عن “مولز”: “تحت عنوان “معلومة، نظام وفوضى”، في دراساته الموحّدة تحت عنوان “نظريّة المعلومة والإدراك الجماليّ”، طبّق بشكل منهجيّ على الموسيقى أبحاث المعلومة (أنفورماتيك). يعتبر مولز، ودون مواربة، المعلومة كما تتناسب طرديًّا مع ما لا يمكن التنبّؤ به، وتميّزها بشكل جليّ عن الدلالة. أمّا المشكلة التي تفرض نفسها عليه هي إذن المُرسلة الغنيّة بالمعلومة، لأنها كشيء غامض، وبالتحديد بسبب هذا الشيء هي صعبة على فكّ لغزها..”.

في أثناء تحضيري لأطروحة الدكتوراه في فرنسا، تناولتُ موضوعًا جديدًا، وجريئًا (حسب قول مشرفتي على الأطروحة الأستاذة والباحثة في الفنون التشكيليّة “إيلودي فيتال”) من حيث طرحه، يقوم على قراءة العمل الفنّيّ التشكيليّ من خلال محاولة تأسيسنا لمنهجيّة جديدة تقوم على مبدأ “التحليل السيمونتيكي (الدلاليّ)” للأعمال التجريديّة من خلال دراستنا لثلاثة أعمال للفنّان الروسيّ “فاسيلي كاندنسكي”، حيث توصلنا من خلالها إلى القراءة “الإيقونوغرافيّة” المتعدّدة المقاربات، كالأيقونيّة، والمورفولوجيّة، والمجالات الرمزيّة، والنقديّة النفسيّة، والبلاغيّة، والدينيّة، والحسّيّة الحركيّة، والجماليّة، والألسنيّة، وصولًا إلى الاستنتاج التركيبيّ، وقد تختلف المقاربات والنقاط، تزيد أو تنقص، تبعًا للعمل الفنّيّ موضوع البحث.. (لمن يودّ الاطلاع على دراستنا الإيقونوغرافيّة لعمل للفنّان “ماكس إرنست”، نحيله إلى كتابنا “رؤى تشكيليّة حديثة ومعاصرة”، منشورات الجامعة اللبنانيّة 2008) وهي قراءة شاملة تُحيط بكلّ ظروف العمل التي نشأ فيها، وليس فقط حياة الفنّان، أو المؤلّف، أو بنيويّة النصّ كما كان يُطرح سابقًا، وهي دراسة تُشكّل جزءًا من التحليل السميولوجيّ الذي ظهر بدايات القرن العشرين، ويقوم على قراءة الأشياء من خلال العلامات التي تحيط بنا وبحياتنا من كلّ الجهات.. توصّلتُ أيضًا إلى وجود مستويين في كلّ عمل فنّيٍّ، وأعني بذلك الجماليّ والدلاليّ، اللذين يتناوبان الأعمال تبعًا للمرسلة ونوع العمل، أي اللوحة التشكيليّة؛ فهناك لوحات يطغى عليها الجانب الجماليّ، وأخرى الجانب الدلاليّ، وقد يتوازيان في حضورهما تبعًا للعمل وموجوداته ومُرسلته. يبقى للمشاهد وثقافته الدور في استخلاص المعاني منها، لكن الأبرز هي منهجيّتنا الإيقونوغرافيّة التي اقترحناها لقراءة اللوحة أو العمل الفّنيّ. وهنا نذكر أنّ كتاب إيكو “العمل المفتوح” شكّل أحد مراجعنا للأطروحة، إضافة لكتابات ومراجع أخرى منوّعة وغنيّة داعمة لفرضيّتنا التي تبقى إحدى النظريّات والمحاولات “المفتوحة” على الجديد، والتطوير، والتغيير، والمتحوّل..

خلاصة:

كتاب “إيكو” “العمل المفتوح”، ولا سيّما بنسخته الفرنسيّة، يتألّف من عدّة فصول غنيّة بشروحاتها، وأمثلتها، وتعقيداتها، وفلسفتها وتنوّعها، كالرموز، واللاهوت، والشعر، والجماليّة، والكاثوليكيّة، والأنتربولوجيا، والبلاغة، واللاشكليّ كأثر مفتوح، والإثارة، والصدفة، وأشعار “جيمس جويس”، مرفقة بهوامش للفصول…

تجاوز بهذا الكتاب مشروع البنيويّين الضيّق، ليصل إلى القول إنّ العمل الفنّيّ، على سبيل المثال، هو مجموعة مدلولات في دال واحد (كون العلامة تتألّف من دال ومدلول).

كتاب قيّم جدير بالقراءة للمختصّين، ولا سيّما انفتاحه ومروحته الفكريّة المنوّعة، حمل إلى البشريّة إضافات على صعيد العطاء الإنسانيّ الباحث دائمًا عن الجديد والتنوّع والانبعاث.. شاعريّة هذا الكتاب هي أساسيّة جوهريّة لدراسة الأعمال من خلال محاورة القارئ لها. أمّا العمل الفنّيّ فهو، بدوره، مُرسلة غامضة بشكل جوهريّ، فيها تعدّد المدلولات التي تتعايش مع دال وحيد. لكنّ هذا الغموض يمكنه أن يتحوّل إلى نهاية صريحة. يبني “إيكو” إشكاليّته على أساس يُصبح غموض العمل أكثر من صدفة، ممّا يعني ميّزة خفيّة إيجابيّة..

المصدر: مجلة البعد الخامس

تعليقات: