فايز أبو عباس: ذكريات من الماضي.. أيام الصبا في الخيام (الحلقة التاسعة)

المربي الأستاذ فايز أبو عباس: إنّها ذكريات من زمن مضى، لكنها ستبقى جزءاً من حياتي وتاريخ عائلتي، وشهادة على مرحلة مهمّة من تاريخ أبناء الخيام وجبل عامل الذين عاشوا وعملوا في فلسطين قبل النكبة
المربي الأستاذ فايز أبو عباس: إنّها ذكريات من زمن مضى، لكنها ستبقى جزءاً من حياتي وتاريخ عائلتي، وشهادة على مرحلة مهمّة من تاريخ أبناء الخيام وجبل عامل الذين عاشوا وعملوا في فلسطين قبل النكبة


من بيت العائلة بين كروم الزيتون في بلد الشيخ، إلى المدرسة الأولى وذكريات الطفولة في أحضان جبل الكرمل... يستعيد الأستاذ فايز أبو عباس مشاهد من الحياة في ضواحي حيفا خلال أربعينيات القرن الماضي، قبل أن تنتهي سنوات الاستقرار بالتهجير والعودة إلى الخيام، حاملاً معه صوراً وذكريات لا تزال حيّة في وجدانه.


ثماني سنوات في بلد الشيخ... قبل الرحيل إلى الخيام

لم تدم إقامتنا في «بلد الشيخ»، إحدى ضواحي حيفا الشرقية، أكثر من ثماني سنوات، قبل أن تضطرّنا أحداث نكبة فلسطين عام 1948 إلى مغادرتها والعودة إلى بلدتنا الخيام، مع أعداد من الفلسطينيين الذين شُرّدوا من ديارهم ولجأوا إلى لبنان.

خلال تلك السنوات، كان والدي يعمل في شركة «شل»، وقد تنقّلنا بين أربعة مساكن، بقيت بعض تفاصيلها وصورها راسخة في ذاكرتي، رغم صغر سنّي ومرور ما يقارب ثمانية عقود على تلك المرحلة.

كان منزلنا الأول، على ما بقي في ذاكرتي، يقع في الجهة الغربية من بلد الشيخ، على مقربة من مكان عمل والدي، وعند الحدود الفاصلة بينها وبين منطقة تُعرف باسم «حواسة»، وهي من الضواحي الأقرب إلى مدينة حيفا من جهة الشرق.

ولم تطل إقامتنا هناك، إذ انتقلنا إلى غرفة في بناء كبير يملكه السيّد سالم فرج، الذي كان متزوّجاً من السيّدة مريم سليمات، وهي من أبناء بلدتنا الخيام.

وكان سالم فرج يعمل أيضاً في شركة «شل»، حيث تولّى مهمّة مراقبة العمال والإشراف عليهم، أو ما كان يُعرف آنذاك باسم «الفورمان».

وقد سبق أن تحدّثت عن هذا الرجل الطيّب في الحلقة الماضية، وعن محبّته لأبناء الخيام وحرصه على مساعدتهم.


بين كروم الزيتون.. محطّة أخرى من طفولتنا

بعد فترة قصيرة، انتقلنا إلى مجمّع سكني يقع بين كروم الزيتون التي كانت تغطّي مساحات واسعة من سفوح جبل الكرمل وسهل مرج ابن عامر.

وكانت المنطقة تتميّز بأشجار الزيتون المعمّرة وبطبيعتها الزراعية الجميلة، فيما أقام الجيش البريطاني بين تلك الأراضي معسكراً كبيراً يشرف على الطريق الرئيسية التي تربط حيفا بالمناطق الداخلية من فلسطين.

أمضينا هناك مرحلة أخرى من طفولتنا، قبل أن يتّخذ والدي قراراً ببناء منزل خاصّ ومستقلّ لعائلتنا، بعد أن استقرّ في عمله وأصبح قادراً على تحقيق هذا الحلم.

وهكذا انتقلنا إلى المسكن الرابع والأخير، الذي بقي منزلنا حتى أحداث النكبة والتهجير.


بيتنا الصغير على سفح الكرمل... حلم والدي الذي تحقّق

لا أذكر اليوم ما إذا كان والدي قد اشترى الأرض التي أقام عليها المنزل، أو استأجرها، أو اتّفق مع صاحبها على البناء بالمناصفة، كما لا أذكر مساحتها.

لكنّ ما أتذكّره جيّداً هو فرحتنا عندما أصبح لنا بيت مستقلّ، نستطيع أن نعيش فيه بحرّية وراحة، بعيداً عن التنقّل بين المساكن.

كان منزلنا يقع على سفح جبل الكرمل، مطلّاً على سهل مرج ابن عامر، ومحاطاً بأشجار الزيتون التي كانت تنتشر على مساحات واسعة من الأراضي المحيطة.

ومن موقع المنزل، كانت تمتدّ أمام أعيننا مناظر طبيعية أشبه بلوحات فنّية تتداخل فيها الألوان والأشكال؛ أخضر المزروعات، وبنّي التربة، وأحمر الأرض، وألوان الأزهار والثمار المتناثرة بين الحقول.

وكانت تلك المساحات الزراعية تتخلّلها طريق رئيسية تشكّل شريان التواصل بين حيفا والمدن والبلدات الفلسطينية في الداخل، وصولاً إلى الناصرة ونابلس والقدس.

وما زلت، حتى اليوم، أستعيد تلك المشاهد الجميلة التي شكّلت جزءاً عزيزاً من عالم طفولتي.


سهل مرج ابن عامر.. لوحات من الخضرة والألوان

كان سهل مرج ابن عامر يتميّز بخصوبة أرضه وكثرة مزروعاته، ولا سيما الخضار التي كانت تُزرع في البساتين المنتشرة عند أسفل سفوح جبل الكرمل.

وكانت المياه تُستخرج من الآبار بواسطة وسائل تقليدية يُطلق عليها الأهالي اسم «الحنّانات».

وتقوم هذه الوسيلة على آلية تديرها الحيوانات بحركة دائرية، فتتحرّك دواليب وأوعية مخصّصة لرفع المياه من الآبار، ثم تصبّ في أقنية تُستخدم لريّ المزروعات.

وكانت هذه البساتين تنتج أنواعاً مختلفة من الخضار، تُجنى وتُنقل إلى أسواق حيفا لبيعها.

وقد أضفت الزراعة على السهل منظراً بديعاً؛ فكانت النباتات بأوراقها وأزهارها وثمارها تشكّل مساحات متداخلة الألوان، تتبدّل ملامحها مع الفصول، مع احتفاظ كثير من البساتين بخضرتها صيفاً وشتاءً بفضل مياه الريّ.

وكان هذا المشهد الطبيعي من أجمل ما اختزنته ذاكرتي عن تلك المنطقة.


مدرسة الشيخ عبدالله.. خطواتي الأولى على طريق العلم

في تلك الضاحية، «بلد الشيخ»، بدأت رحلتي الأولى مع المدرسة.

ولا أعرف على وجه اليقين سبب تسمية هذه المنطقة بهذا الاسم، لكنّني أذكر أنّني كنت، وأنا طفل لم يتجاوز الخامسة من عمره، أتوجّه يومياً إلى المدرسة سيراً على الأقدام، حاملاً كتبي ودفاتري وأقلامي.

كانت مدرسة خاصة، هي الوحيدة التي أذكر وجودها في تلك الضاحية، وتُعرف باسم «مدرسة الشيخ عبدالله».

وكان صاحبها، الشيخ عبدالله، يتولّى التدريس فيها، وهو رجل يعتمر العمامة، ويساعده أستاذ آخر يُدعى إبراهيم.

لم تكن المدرسة كبيرة أو مجهّزة بما نراه اليوم من وسائل تعليمية، لكنّها كانت بالنسبة إلينا نافذة على عالم المعرفة والتعلّم.

وما زلت أستعيد صورة ذلك الطفل الصغير، وهو يسير بين البيوت والأشجار، متأبّطاً كتبه ودفاتره، في طريقه إلى المدرسة، غير مدرك أنّ هذه الأيام البسيطة ستصبح يوماً من أثمن ذكريات حياته.


بلد الشيخ... هدوء الريف وبساطة الحياة

كانت بلد الشيخ، في تلك السنوات، منطقة قليلة العمران، تتوزّع فيها البيوت على مسافات متباعدة، وتحيط بها الأراضي الزراعية وكروم الزيتون.

وقد تميّزت بهدوئها وبساطة الحياة فيها، بعيداً عن صخب مدينة حيفا وحركتها التجارية والصناعية.

وكانت المقاهي المنتشرة على امتداد الطريق العام، ولا سيما قرب «الحنّانات» والبساتين، من أبرز مظاهر الحياة الاجتماعية في الضاحية.

فكان الرجال يقصدونها للجلوس والراحة، وتبادل الأحاديث والأخبار والحكايات، وتدخين النرجيلة، في أجواء من الألفة والهدوء.

وكانت هذه المقاهي ملتقى لأبناء المنطقة والعمّال والمزارعين والعابرين، ومكاناً للتواصل الاجتماعي وتبادل أخبار العمل والحياة اليومية.

غير أنّ بساطة الحياة في بلد الشيخ كانت تقابلها محدودية واضحة في الخدمات الصحية والتجارية، وهو ما جعل السكان يعتمدون على المناطق المجاورة لتأمين كثير من احتياجاتهم.


مستعمرة «نيشر»... عمران منظّم وخدمات افتقدتها الضاحية

كانت تجاور بلد الشيخ مستعمرة يهودية تُعرف باسم «نيشر»، تقع بالقرب من الطريق الرئيسية التي تربط حيفا بالمناطق الفلسطينية الداخلية.

وأذكر أنّ هذه المستعمرة كانت تتميّز بأبنيتها المنظّمة وشوارعها الواسعة، التي تحيط بها الأشجار الظليلة، وبما يتوافر فيها من مرافق وخدمات لم تكن موجودة في بلد الشيخ.

وكانت تشرف على مقالع وكسّارات تُستخرج منها المواد الأولية التي تُنقل إلى معمل الإسمنت القريب.

وقد لفت انتباهي، حتى وأنا طفل صغير، ذلك التباين بين طبيعة العمران والخدمات في المستعمرة وبين بساطة البيوت والإمكانات المتوافرة في ضاحيتنا.

ولم يكن هذا التفاوت محصوراً بالمباني والطرقات، بل شمل أيضاً الخدمات الطبية والتجارية التي يحتاج إليها السكان في حياتهم اليومية.


رحلة إلى الطبيب.. ذكريات من الرعاية الصحية في تلك الأيام

أذكر أنّ والدتي كانت، عندما يصاب أحدنا بمرض أو عارض صحي، تصطحبنا سيراً على الأقدام إلى طبيب يهودي في مستعمرة نيشر.

ففي بلد الشيخ، لم يكن هناك، على ما أذكر، طبيب أو مركز صحي أو حتى صيدلية أو ممرّض يمكن اللجوء إليه عند الحاجة.

وكان أقرب طبيب عربي نستطيع مراجعته موجوداً في مدينة حيفا، ما جعل زيارة الطبيب في المستعمرة المجاورة خياراً أسهل وأقرب بالنسبة إلى عائلتنا.

وما زلت أذكر تلك الرحلات التي كانت تقوم بها والدتي للاطمئنان إلى صحتنا، وما كانت تبذله من جهد لتأمين العلاج لنا في ظلّ محدودية الخدمات المتاحة.


الأسواق والمتاجر... لماذا كانت حاجاتنا تُشترى من نيشر؟

لم تكن بلد الشيخ تفتقر إلى المرافق الصحية فحسب، بل كانت المحال التجارية فيها قليلة أيضاً، ولا تكفي لتأمين جميع حاجات السكان.

ولذلك، كانت والدتي تقصد المتاجر الموجودة في مستعمرة نيشر لشراء ما نحتاج إليه من مواد غذائية وملابس وأدوات منزلية وسلع أخرى.

وكانت تلك المحال تضمّ أصنافاً متعدّدة من البضائع، في وقت لم تكن فيه ضاحيتنا تتمتّع بحركة تجارية مماثلة.

ولا أزال أتساءل حتى اليوم: لماذا لم تتوافر في بلد الشيخ متاجر ومرافق مماثلة، رغم حاجة أهلها إليها؟

ولعلّ قرب الضاحية من مدينة حيفا، بما كانت تحتضنه من أسواق ومؤسسات تجارية كبيرة، قد أسهم في الحدّ من انتشار المحال فيها.

لكنّ هذا التفسير لا يُلغي التساؤل عن أسباب التفاوت الذي كان قائماً في مستوى الخدمات والتجهيزات بين المناطق المتجاورة.


طفولة بريئة... وخطر لم نكن ندرك اقترابه

حين أستعيد اليوم تلك السنوات، أتوقّف طويلاً عند المفارقة المؤلمة بين براءة طفولتنا وما كانت تخبّئه لنا الأحداث.

كنّا نعيش حياتنا اليومية ببساطة، نذهب إلى المدرسة، ونلعب بين البيوت والبساتين، ونرافق أهلنا إلى الأسواق، من دون أن ندرك حجم التوتّرات السياسية والعسكرية التي كانت تتصاعد من حولنا.


وكنّا، نحن الأطفال، أبعد ما نكون عن فهم ما كان يجري من تحضيرات وصراعات، أو استيعاب ما ستؤول إليه الأوضاع في فلسطين.

لم نكن نعلم أنّ تلك البيوت والطرقات والأشجار التي ألفناها ستغدو، بعد سنوات قليلة، جزءاً من ذاكرة بعيدة، وأنّنا سنضطرّ إلى مغادرتها في ظروف قاسية.

ولم تكن قلوبنا الصغيرة تعرف سوى البراءة والمحبّة، ولم يخطر ببالنا أنّ الأرض التي احتضنت طفولتنا ستشهد أحداثاً مأساوية تغيّر حياة أهلها ومصيرهم.

واليوم، وبعد كلّ ما حدث، أدرك كم كنّا غافلين عن الأخطار التي كانت تقترب، وعن طبيعة الصراع الذي كان يتشكّل في فلسطين خلال سنوات الانتداب البريطاني.


المستعمرات المحيطة بحيفا... قراءة متأخّرة لما سبق النكبة

لم تكن مستعمرة نيشر، في ذاكرة تلك المرحلة، الموقع الاستيطاني اليهودي الوحيد في محيط حيفا.

فقد شهدت المنطقة، خلال عهد الانتداب البريطاني، توسّعاً في المستعمرات والأحياء اليهودية، بالتزامن مع تصاعد التوتّرات السياسية والأمنية بين العرب والحركة الصهيونية.

وكانت هذه المواقع تنتشر في مناطق ذات أهمية جغرافية واقتصادية، بما فيها الأراضي المحيطة بالطرق الرئيسية والمراكز الصناعية والعمرانية.

وفي ذلك الوقت، لم نكن ندرك، ونحن أطفال، ما يمكن أن يعنيه هذا الانتشار في ظلّ الصراع المتصاعد، ولا حجم التحوّلات التي كانت تنتظر المدينة ومحيطها.

لكنّ أحداث السنوات اللاحقة، وما انتهت إليه من تهجير واسع للفلسطينيين عام 1948، جعلتنا ننظر إلى تلك المشاهد القديمة بعين مختلفة، ونعيد قراءة ما اختزنته الذاكرة من صور وتفاصيل.


«الهدار»... موقع مرتفع يشرف على حيفا ومرافقها الحيوية

ومن المواقع التي بقي اسمها حاضراً في ذاكرتي «الهدار»، الواقعة على مرتفعات جبل الكرمل والمشرفة على أجزاء واسعة من مدينة حيفا.

وقد كانت حيفا تتمتّع بأهمية استراتيجية واقتصادية كبيرة، لاحتضانها ميناءً رئيسياً ومحطة للقطارات ومطاراً ومنشآت لتكرير النفط ومؤسسات صناعية وتجارية مختلفة.

كما كانت الطرق التي تصل المدينة بالمناطق الداخلية تشكّل شرايين أساسية لحركة السكان والبضائع.

ومن هنا، اكتسبت المرتفعات المحيطة بالمدينة أهمية خاصة، لما تتيحه من إشراف على أجزاء من المدينة ومرافقها وطرق الوصول إليها.

وكان جدّي وأبناء تلك المرحلة ينظرون إلى المواقع المرتفعة بوصفها نقاطاً ذات أهمية عسكرية وأمنية، وهو ما أدركتُ دلالاته بصورة أوضح بعد أن كبرت وعرفت ما جرى خلال النكبة.


حيفا التي عرفتها طفلاً.. صور لا تزال حيّة في الذاكرة

هذه بعض الصور التي لا تزال عالقة في ذاكرتي عن السنوات التي قضيناها في بلد الشيخ وضواحي حيفا.

أستعيد منزلنا الصغير بين أشجار الزيتون، وسهل مرج ابن عامر بألوانه الجميلة، والحنّانات التي كانت تروي البساتين، ومدرسة الشيخ عبدالله، والطرقات التي كنت أسلكها حاملاً كتبي ودفاتري.

وأتذكّر والدتي وهي تصطحبنا إلى الطبيب أو إلى السوق، ووالدي الذي كان يعمل بجدّ ليؤمّن لنا حياة كريمة، حتى استطاع أن يبني لنا بيتاً مستقلاً.

كانت تلك أياماً بسيطة في ظاهرها، لكنها كانت غنيّة بالمشاهد والتجارب والعلاقات الإنسانية التي ظلّت راسخة في وجداني.

ثم جاءت أحداث عام 1948، فتبدّلت الأحوال، واضطررنا إلى الرحيل والعودة إلى الخيام، تاركين وراءنا البيت والمدرسة والبساتين وكلّ ما ارتبط بها من ذكريات.


لقد غادرنا المكان، لكنّ المكان لم يغادر ذاكرتنا.

وما زلت، كلّما استعدت تلك المرحلة، أشعر بأنّني أرى طفولتي أمامي، وأسمع أصوات الناس الذين عرفناهم، وأتأمّل تلك المناظر التي رسمتها عيناي الصغيرتان قبل عشرات السنين.

إنّها ذكريات من زمن مضى، لكنها ستبقى جزءاً من حياتي وتاريخ عائلتي، وشهادة على مرحلة مهمّة من تاريخ أبناء الخيام وجبل عامل الذين عاشوا وعملوا في فلسطين قبل النكبة.

وإلى لقاء آخر، مع صفحة جديدة من ذكريات الماضي وأيام الصبا، بكلّ المحبّة والوفاء لكلّ من بقي حيّاً في الذاكرة والوجدان.


فايز أبو عباس