كفرحمام وراشيا الفخار.. بين عزلة الحرب وغياب الدولة

راشيا الفخار (هيثم الموسوي)
راشيا الفخار (هيثم الموسوي)


في قرى العرقوب، لا حاجة إلى القصف اليومي كي تترك الحرب أثرها، إذ يكفي أن يُقطع طريق، أو يتعذّر الوصول إلى موسم زراعي، أو ترتفع كلفة نقل البضائع، حتى تضيق أكثر شروط البقاء في بلدات حدودية تعاني أصلاً من ضعف الخدمات العامة.

في قرى العرقوب، لا حاجة إلى القصف اليومي كي تترك الحرب أثرها، إذ يكفي أن يُقطع طريق، أو يتعذّر الوصول إلى موسم زراعي، أو ترتفع كلفة نقل البضائع، حتى تضيق أكثر شروط البقاء في بلدات حدودية تعاني أصلاً من ضعف الخدمات العامة. بين كفرحمام وراشيا الفخار، يتفاوت واقع الكهرباء والمياه والأمن، لكنّ النتيجة واحدة تقريباً: الأهالي الذين بقوا في قراهم يدفعون يومياً كلفة العزلة التي فرضها العدو الإسرائيلي، في ظلّ التراجع المستمر لمقوّمات العيش والعمل من حولهم.

في كفرحمام، يرفض رئيس البلدية معضاد رحال اختصار المشكلة بالخدمات. بالنسبة إليه، يبدأ الأمر من الوضع الأمني، إذ يتحدّث عن ثغرات تستدعي انتشاراً أكثر فاعلية للجيش، بما يتجاوز الحواجز الثابتة ويوفّر حماية أفضل للأهالي وممتلكاتهم.

أمّا خدماتياً، فما لا تفعله الحرب مباشرة، تستكمله الدولة بغيابها. وهو ما يظهر في الضعف الشديد للتغذية الكهربائية. وبالنسبة إلى المياه، خفّف تأهيل اللجنة الدولية للصليب الأحمر لأحد الآبار جزءاً من أزمة انقطاعها، من دون أن ينهيها في الحي الشرقي.

ورغم ذلك، يقول رحال إن تدخلات مجلس الجنوب ساهمت في الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات، منتقداً، في المقابل، أداء بعض الجمعيات، التي يعتبر أنها لا تقدّم مساعداتها دائماً انطلاقاً من الحاجات الفعلية للسكان.

تشرح فادية شحرور واقع حال سكان بلدتها، بالقول إن أصوات الانفجارات باتت جزءاً من حياة السكان، توقظهم أحياناً وتسحب أيّ شعور بالأمان. لكنّ القلق الأمني ليس العبء الوحيد، وفقاً لشحرور. فـ«الغلاء وتراجع القدرة الشرائية وضعف الكهرباء والاتصالات وارتفاع كلفة النقل كلها عوامل جعلت تأمين الاحتياجات اليومية أكثر صعوبة».

يتفاوت واقع الكهرباء والمياه والأمن في كفرحمام وراشيا الفخار

مع ذلك، لا ترى شحرور في الرحيل حلاً. فرغم تضرر عدد كبير من المنازل، تقول إن الأهالي لا يستطيعون ترك البلدة أو التخلي عنها للعدو. وبالنسبة إليها، تمنحها القرية، رغم افتقارها إلى كثير من الخدمات، مساحة من «التنفس والحرية النفسية» لا تجدها في زحمة العاصمة وصخبها.

راشيا الفخار: الخدمات متوافرة

على مسافة قريبة، تبدو الصورة في راشيا الفخار مختلفة جزئياً. تقول عضوة المجلس البلدي، فيروز عبود، إن الحياة اليومية فيها تسير بصورة مستقرة نسبياً، مع وجود نحو 70 إلى 80 منزلاً لا تزال مسكونة. أمنياً، يمنح انتشار الجيش السكان شعوراً أكبر بالأمان. وخدماتياً، تمكّنت البلدة من تجنب أزمة المياه التي أصابت مناطق مجاورة، فيما استطاعت البلدية تأمين الكهرباء. إلّا أن هذا الاستقرار النسبي لا يعني أن البلدة نجت من الآثار الاقتصادية للحرب. فالزراعة، التي شكّلت تاريخياً أحد مصادر رزق الأهالي، تلقّت ضربة مباشرة بعدما تعذّر على السكان الوصول إلى محاصيلهم هذا العام، بسبب الوضع الميداني. وتختصر عبود القلق الذي يرافق الأهالي بسؤال يومي: «بكرا شو؟».

الطريق الأطول يرفع كلفة كلّ شيء

الحرب تضرب أيضاً ما بقي من الحركة التجارية في القريتين. نجيب سمور، صاحب محل في كفرحمام، وداني بطرس، تاجر في راشيا الفخار، يتحدّثان عن تراجع كبير في حركة الزبائن والوافدين إلى المنطقة. ومع تقلّص المداخيل، باتت مشتريات السكان تتركز على السلع الأساسية والحد الأدنى من الاحتياجات. وإلى ضعف الطلب، يبرز ارتفاع كلفة إيصال البضائع كعامل إضافي في كبح الحركة التجارية. فبعد تعطّل طريق الليطاني بسبب العدوان، بات نقل السلع من بيروت يتطلب سلوك طرق أطول، ما رفع أجور الشحن وزاد بالتالي العبء على التجار. وللحفاظ على تدفّق البضائع، يقول تجار إنهم باتوا يضطرون أحياناً إلى جلبها بأنفسهم، أو الاستعانة بأحد أبناء القرية لنقلها.