حسين إسماعيل عبدالله: زَمَنُ الذُّبَابِ (قصيدة)


مَلَكَ القُلُوبَ بِمَالِهِ فَتَبَدَّلَتْ .. أَحْوَالُ مَنْ عَبَدُوا لَهُ الدِّينَارَا

لَمَّا رَأَوْا فِي كَفِّهِ بَرْقَ الغِنَى .. صَارُوا عَبِيدَ المَالِ، ثُمَّ أَسَارَى

وَغَدَا الفَقِيرُ بِعَيْنِهِمْ مُتَزَلِّفًا .. وَصَدِيقُهُمْ مَنْ يَحْكُمُ الأَقْطَارَا

إِنَّ الذُّبَابَ بِمَوْطِنِي مُتَسَيِّدٌ .. وَالنَّحْلُ يَشْقَى فِي الرِّيَاضِ نَهَارَا

أَمَّا الكَرِيمَ فَلَا مَكَانَ لَهُ هُنَا .. فَغَدَا اللَّئِيمُ بِمَكْرِهِ جَبَّارًا

وَأَرَى مَنَابِرَ لِلْعُلُومِ تَغَلَّقَتْ .. وَبِبَابِ جَهْلٍ تُحْجَبُ الأَنْوَارَا

لَوْ كَانَ دِينُ مُحَمَّدٍ يَرْضَى بِذَا .. فَبِرَبِّ عِيسَى أَسْتَجِيرُ جِوَارَا

لَيْسَتْ عَمَائِمُهُمْ دَلِيلَ عُلُومِهِمْ .. فَالدِّينُ أَخْلَاقٌ وَلَيْسَ شِعَارَا

وَرُبَّ قَوْمٍ قَدْ تَجَبَّرَ جَمْعُهُمْ .. فَتَرَكْتُ دَرْبَ المُفْسِدِينَ فِرَارَا

وَلَئِنْ أَبِيت عَلَى الفَقَارِ فَإِنَّنِي .. لَا أَشْتَرِي بِالزَّيْفِ عَيْشًا عَارَا

فَرَسَمْتُ فِي أُفْقِ الخَيَالِ مَدِينَةً .. وَهَجَرْتُ دَارَ الإِثْمِ وَالأَوْزَارَا

وَرَأَيْتُ فِيهَا العِلْمَ نُورًا سَاطِعًا .. يَهْدِي العُقُولَ وَيَكْشِفُ الأَسْرَارَا

فَأَلْفَيْتُ نَحْلَ القَوْمِ فِيهَا سَادَةً .. وَبَعُوضَهَا مِنْ خِزْيِهِ قَدْ طَارَا

فَإِذَا تَسَاوَى النَّاسُ فِي إِنْسَانِهِمْ .. عَرَفَتْ نُفُوسُ العَالَمِينَ قَرَارَا

إِنَّ المَدِيحَ إِذَا اسْتَبَدَّ بِحَاكِمٍ .. أَعْمَى بَصِيرَتَهُ فَصَارَ حِمَارَا

وَتَرَى الوَزِيرَ إِذَا أَتَاهُ مُنَافِقٌ .. أَغْرَاهُ مِنْ تَمْلِيقِهِ إِغْرَارَا

وَيَقُولُ لَهُ مَوْلَايَ أَنْتَ مُنَزَّهٌ .. وَلَوِ اقْتَرَفْتَ مِنَ الذُّنُوبِ كِبَارَا

وَيَقُولُ آخَرُ لَا شَبِيهَ لِعَدْلِكُمْ .. فَيُصَفِّقُ الْجَمْعُ الْغَفِيرُ مُثَارَا

حَتَّى إِذَا هَوَتِ العُرُوشُ تَنَاثَرُوا .. كَالأَرْنَبِ المَذْعُورِ رَامَ مَغَارَا

بِئْسَ السِّيَاسَةُ فِي بِلَادِي إِنَّهَا .. قَدْ صَيَّرَتْ لِذُبَابِهَا أَنْصَارَا

حَكَمُوا بِحَدِّ السَّيْفِ إِلَّا أَنَّهُمْ .. سَفَكُوا دِمَاءَ الأَبْرِيَاءِ جِهَارَا

تَلْقَى حَوَاشِيَهُمْ تُزَيِّنُ بَاطِلًا .. تَتْلُو عَلَى أَسْمَاعِهِمْ أَشْعَارَا

فَلَعَلَّ شَعْبًا هَدَّهُ طُولُ الأَسَى .. يَجْتَاحُ أَقْوَامًا طَغَوْا إِعْصَارَا

فَيَزُولُ عَرْشُ الظَّالِمِينَ كَأَنَّهُ .. طَلَلٌ تُرَاقِبُهُ العُيُونُ حَيَارَا

*الشاعر حسين إسماعيل عبدالحسين عبدالله

تعليقات: