
من القصائد التي تستحق أن تبقى محفوظة في ذاكرة اللبنانيين هذه القصيدة الرائعة للشاعر سليمان داود العبدالله، التي كتبها منذ عشرات السنين، عاتب فيها لبنان على وطنٍ لم ينصف موهبةً أحبته وغنّت لجماله، فإذا به يتنكر لها ويتركها تضيع.
واللافت في القصيدة أن عتاب الشاعر ليس عتابَ من كره وطنه، بل عتابُ من أحبّه أكثر مما أحبّه الوطن. فهو يبدأ بنداء يحمل شيئًا من المرارة:
أيا لبنان قد ذهبت جزافًا .. وضاعت فيك موهبتي وفني
إنها شكوى شاعر يشعر أن أجمل ما يملك، موهبته وفنه، قد ذهبا هباءً في وطن لم يعرف كيف يحتضن مواهبه. ثم تأتي الصورة الأكثر قسوة وصدقًا:
تنكر لي الزمان وأنت معه .. كأني لست منك ولست مني
وهنا يتحول العتاب من لبنان إلى إحساس بالغربة داخل الوطن نفسه. فالمأساة ليست في أن يعيش الإنسان بعيدًا عن وطنه، بل أن يشعر وهو فيه بأنه غريب عنه، وأن الوطن الذي ينتمي إليه لم يعد يتعرف إليه.
ومع ذلك، لا يتخلى الشاعر عن لبنان. فهو يقول:
أنا الشادي بحسنك كل وقت
وهذه من أجمل مفارقات القصيدة: هو الذي تغنى بلبنان، ومدحه، وجعل من جماله مادةً لشعره وغنائه، ثم كان نصيبه منه التجاهل والنكران.
وفي قوله:
وتاجي الشعر بالروض الأغن
نلمس شاعرًا يعتز بفنه وبالشعر الذي جعله تاجًا على رأسه، فيما يأتي الواقع ليضع هذا التاج في مواجهة الإهمال. ثم تتصاعد الحسرة في:
وكم غنيت في حسنك لحناً .. وأسمعت العوالم ما أغني
فالشاعر لم يبخل على وطنه بشيء؛ أعطاه شعره وفنه، وحمل جماله إلى الآخرين، لكنه لم يجد في المقابل ذلك الاحتضان الذي كان يطمح إليه.
ما يجعل القصيدة أكثر أهمية اليوم
ولعل قيمة هذه القصيدة لا تتوقف عند زمن كتابتها. فما قاله سليمان داود العبدالله قبل عشرات السنين عن ضياع الموهبة في لبنان يبدو اليوم، للأسف، أكثر إيلامًا ووضوحًا. فلبنان الذي كان الشاعر يعاتبه على عدم إنصاف المواهب، أصبح يعاني اليوم من أزمات متراكمة دفعت كثيرًا من أصحاب الكفاءات والمبدعين إلى الهجرة، أو إلى العيش على هامش الاهتمام والتقدير.
لذلك تبدو القصيدة اليوم وكأنها تتجاوز زمانها؛ فالكلمات التي خرجت من قلب شاعر خيامي قبل عقود، يمكن أن يرددها اليوم كثير من اللبنانيين الذين شعروا أن وطنهم لم يمنحهم الفرصة التي يستحقونها.
وهنا تكمن أهمية الاحتفاظ بهذه القصيدة في ذاكرة الخياميين: فهي ليست مجرد قصيدة قديمة لشاعر من أبناء البلدة، بل شهادة على زمن، وعلى موهبة، وعلى علاقة مؤلمة بين المبدع ووطنه.
وما أجمل أن تبقى كلمات سليمان داود العبدالله حاضرة بيننا، لا لتذكّرنا فقط بما كان، بل لتطرح علينا سؤالًا ما زال قائمًا:
هل تغيّر لبنان فعلًا منذ أن كتب الشاعر هذه الأبيات، أم أن مواهب كثيرة ما زالت تقول، بالوجع نفسه:
تنكر لي الزمان وأنت معه .. كأني لست منك ولست مني.
المهندس أسعد رشيدي
القصيدة:
أيا لبنان قد ذهبت جزافا (جزافاً)
وضاعت فيك موهبتي وفني
تنكر لي الزمان وأنت معه
كأني لست منك ولست مني
أنا الشادي بحسنك كل وقت
وتاجي الشعر بالروض الأغن
سل عن القوافي كيف أضحى
سموها والدمع في عيني وأذني
ولم غنيت في حسنك لحناً
وأسمعت العوالم ما أغني .
سليمان داود العبدالله
(حسين خريس)
الخيام | khiyam.com
تعليقات: