
الأستاذ فايز أبو عباس والمهندس أسعد رشيدي مدير موقع «خيام دوت كوم»
كتبت إحدى السيدات الخياميات، المتزوجات من خارج الخيام والمقيمات في إحدى المدن اللبنانية، بعضاً من ذكرياتها عن الخيام، منذ الطفولة حتى النضج والزواج ومغادرة البلدة بكل ما يختلط في النفس من فخر وعزة وألم. وقد نُشر هذا النص على موقع «خيام دوت كوم»، فجاء صادقاً في انتمائه، عميقاً في إحساسه، ومعبّراً عن أصالة التربية والنشأة وحقيقة الارتباط بالمكان الأول.
أصالة الانتماء ودفء الذاكرة
استعادت الكاتبة طفولتها وما تركته الخيام في نفسها من أثر لا يُمحى؛ مناخاً، وموقعاً، ومعالم طبيعية وأثرية نادرة، إلى جانب ما يتميز به أهل الخيام من قيم المحبة والسلام، وكرم الضيافة، وروعة اللقاءات في البيوت والمناسبات الوطنية والدينية.
وتوقفت طويلاً أمام واحد من أهم المعالم الطبيعية والسياحية في البلدة، ذلك المعلم الذي يغذي المرج ويروي الأرض ويمنح زواره متعة العمل والسياحة والترويح عن النفس: «الدردارة»، بما يتبعها من ينابيع الخير والعطاء، وكأنها صدر يفيض بالحياة، يهب خيراته للكائنات كلها.
الذاكرة الإنسانية... كيف تتكوّن وتبقى
هذه الخيامية الوفية، الصادقة الانتماء، ذات الحس المرهف والعاطفة الدافئة، عبّرت عن حنينها إلى النبع والأصل والمصدر الأول؛ إلى ذلك المكان الذي يولد فيه الإنسان صافياً، نقياً، ناصع البياض، قبل أن تمس روحه شوائب الحياة.
فالإنسان، منذ طفولته، يبدأ بتخزين الصور والأصوات والمشاهد والأحداث في عقله ووجدانه. تتراكم هذه الخبرات، الجميل منها والمؤلم، وتترك آثارها في السلوك والتصرف والشعور. وكثير من هذه الصور لا يزول مع تعاقب الأيام، بل يهدأ في الأعماق، ثم يعود إلى الحياة عند كل مشهد مشابه أو ذكرى توقظ ما اختزنته الذاكرة.
ومع تقدم العمر، قد يضعف الإنسان في تذكّر ما حدث قريباً، لكنه يعود في المقابل إلى ما رسخ في داخله منذ الطفولة والشباب؛ فتبدو الذكريات القديمة وكأنها وقعت بالأمس. وهذه ظاهرة يعيشها كثير من الناس، وإن اختلفت من شخص إلى آخر بحسب تكوينه العقلي والنفسي وتجارب حياته.
حين يراجع الإنسان ذاته
في مرحلة النضج، يقف الإنسان طويلاً أمام ما حفظته ذاكرته من صور جميلة ومواقف مؤثرة، فيستعيد ما كان له الأثر الأعمق في شخصيته وسلوكه ومشاعره. يتذكر العطف والحنان، ويتفقد تلك اللحظات الراقية التي طبعت روحه بطابع لا يبهت، ويشعر بحنين دائم إلى ما كان يراه أجمل وأنقى وأصدق.
من ذاكرة الخيام اليومية
وهذا ما نعيشه جميعاً في هذه الأيام، إذ تعود بنا الذاكرة إلى طفولتنا في الخيام: إلى اللعب حول البركة صيفاً مع قطعان الأغنام والأبقار، وشتاءً مع الجليد وألعاب التزلج، وذلك قبل ردم البركة وإلغاء هذا المعلم الأثري وتحويل مساحته إلى بناء المدارس، وبعد وصول مياه الشرب إلى المنازل أولاً من شبعا ثم من آبار مرج الخوخ الارتوازية.
نتذكر المدرسة، وبيت الكتب المصنوع من القماش قبل أن تحل مكانه الحقائب الجلدية، ونتذكر المعلمين وطباع كل واحد منهم، كما نتذكر الألعاب القديمة: الكلّه أو البنانير بأنواعها، والطابة وأشكال اللعب بها، ولعبة «الأمس» للبنات، والرفاق الذين شاركونا تلك الأيام.
معالم لا تغيب
ثم تستحضر الذاكرة معالم الخيام التي لا تُنسى: الدردارة، والينابيع الممتدة من نبع المسيل وأبو منصور وأبو مزراب نزولاً إلى المرج، ونبع الباردة، والرقيقة ومطحنتها وقناتها وقناطرها. ولا ننسى نبع الحمّام وتاريخه وصلته بتلّ دبّين، ثم خلّة النبعة ونبتعها والوطى والحنداج، وصولاً إلى مجرى نهر الحاصباني بما كان عليه من مطاحن تعمل بقوة اندفاع المياه صيفاً وشتاءً، مثل مطحنة القعتولي، حتى نصل إلى ينابيع الوزاني والمنتزهات التي كانت قائمة حولها.
كما تقف الذاكرة عند ثكنة الخيام التي بناها الفرنسيون عام 1933، والتي حولها الاحتلال الإسرائيلي لاحقاً إلى معتقل للمقاومين عام 1979، وكذلك عند الجلاحية وجيلي وما ارتبط بهما من محطات تاريخية، ولا سيما في زمن الحرب العالمية الثانية. ولا يمكن أن نغفل السهل والمرج بما كانا يزخران به من بساتين وثمار ومحاصيل وخيرات.
الخيام... ذاكرة لا تكفيها الصفحات
ماذا يمكن للمرء أن يقول عن الخيام وذكرياته فيها؟ إن الحديث عن معالمها وناسها وتفاصيلها لا تكفيه آلاف الصفحات. إنها ذاكرة حية تختزن الطفولة والمحبة والحنين والوجع، وتبقى مفتوحة على الرجاء مهما ابتعدت المسافات.
لكم التحية، ونرجو المعذرة على الإطالة.
الخيام | khiyam.com