
الأستاذ فايز أبو عباس:هذه احدى العادات الخيامية التراثية القديمة والتي تشترك فيها مع بقية القرى في الريف الجنوبي بشكل عام
«الشاشي بلّي» اسمٌ لإحدى العادات الشعبية القديمة التي كنّا، نحن الأطفال، نمارسها في الخيام عندما يتأخر هطول المطر. وكانت هذه العادة من المظاهر المألوفة في الريف الجنوبي، ومن السمات التي ميّزت حياة أبناء القرى في زمن ارتبط فيه الناس بالأرض والمواسم ارتباطاً وثيقاً.
كنّا يومها، ونحن أطفال صغار، نمارس هذه العادة بكل قناعة وإيمان، مستندين إلى ما ورثناه عن أهلنا من معتقدات وحكايات وقصص متداولة، اختلط فيها الديني بالشعبي، وانتقلت من جيل إلى جيل كما انتقلت الكثير من العادات والتقاليد القديمة.
كان الاعتقاد الشعبي السائد عند الفلاحين أن شهر أيلول يحمل أولى إشارات الشتاء، حتى قيل إن «طرفه مبلول». وكانت الفترة الممتدة تقريباً بين الرابع عشر والسابع والعشرين من الشهر، أي بين ما كان يُعرف شعبياً بمناسبتي الصليب الصغير والصليب الكبير، فترة مهمة ينتظر فيها المزارعون نزول المطر.
فإذا هطلت الأمطار، بدأ الفلاحون بالاستعداد لزراعة الحبوب. أما إذا انقضت تلك الفترة من دون مطر، فكان ذلك يثير مخاوفهم من أن تكون السنة قليلة الأمطار، فيعيدون حساباتهم بشأن المزروعات التي ينوون زراعتها وكيفية التعامل مع الموسم المقبل.
وفي الخيام، لم تكن المناسبات الدينية يوماً حكراً على أبناء طائفة دون أخرى. فقد كان الناس يتشاركون الفرح والمشاركة الاجتماعية في مناسبات عاشوراء، كما في أعياد الفصح والميلاد وسواها، في أجواء بسيطة لم تكن تعرف الكثير من الحواجز التي ظهرت لاحقاً.
عندما يتأخر المطر بين «الصليبين»، كنّا نحن الأولاد نحمل العصي، ونربط على أطرافها قطعاً من القماش بإحكام، ثم ننطلق في أزقة الخيام وطرقاتها، نطرق أبواب البيوت في جولة كنا نسمّيها «الشاشي بلّي».
وكنا نهتف:
«شَتّي يا دني وبلّي... الزرع بدّو هِلّي
شَتّي يا دني وبلّي... الأرض بدها هِلّي»
وعند كل بيت، كنّا نطلب من أهله أن يرشّوا قليلاً من الماء على قطعة القماش المربوطة في طرف العصا، في إشارة رمزية إلى المطر الذي ننتظره.
كنا نتابع جولتنا من بيت إلى بيت، وسط مشاركة الأهالي وابتساماتهم، في طقس شعبي بسيط كانت له في مخيلتنا الطفولية دلالات كبيرة.
ولم تكن «الشاشي بلّي» وحدها وسيلة الناس للتعبير عن رجائهم بهطول المطر. ففي أوقات الجفاف، كان المنادي يدعو الأهالي إلى الصلاة في الجامع لأداء ما يُعرف بـصلاة الاستسقاء.
وكانت تُرفع الأدعية طلباً للغيث، ويُسمع الأذان وتلاوة الدعوات، فيما تُقرع أجراس الكنائس أيضاً، فتلتقي الأصوات في أجواء إيمانية واحدة، صادرة عن قلوب بسيطة وصافية يجمعها رجاء واحد: أن ينزل المطر، وأن تحيا الأرض ويُحفظ الموسم.
كانت صورة جميلة من صور الإخاء والتآلف بين أبناء البلدة، حيث كان الهمّ واحداً، والأرض واحدة، والمطر حاجة الجميع.
جرت كل هذه العادات في زمن سبق انتشار نشرات الطقس اليومية، والأقمار الاصطناعية، وتطبيقات الهاتف، وخرائط المناخ التي تخبرنا اليوم بدرجات الحرارة واتجاهات الرياح والعواصف واحتمالات هطول الأمطار قبل أيام.
آنذاك، كان الفلاح يراقب السماء والغيوم والرياح، ويستند إلى خبرة الآباء والأجداد وما تناقلوه من علامات مرتبطة بالفصول والمواسم.
وكانت مثل هذه العادات منتشرة في العديد من القرى والأرياف الجنوبية، وخصوصاً في المجتمعات التي كانت الزراعة فيها أساساً للحياة ومصدراً رئيسياً للرزق.
تغيّر الزمن، وتبدّلت الحياة، وغابت معظم تلك الممارسات. وأصبحت «الشاشي بلّي» وأمثالها جزءاً من ذاكرة الماضي، لا تعرف عنها الأجيال الجديدة إلا القليل، وربما لا يصل إليها إلا الباحثون والمهتمون بالتراث الشعبي وذاكرة القرى.
ومع ذلك، تبقى هذه العادة واحدة من صفحات الذاكرة الخيامية القديمة، ووجهاً من وجوه التراث الشعبي الذي تشاركت فيه الخيام مع العديد من قرى الريف الجنوبي.
إنها ليست مجرد حكاية عن أطفال كانوا يطلبون المطر، بل صورة من زمن كانت فيه الأرض تجمع الناس، وكانت البراءة والإيمان والتكافل الاجتماعي جزءاً طبيعياً من تفاصيل الحياة اليومية.
فايز أبو عباس
الخيام | khiyam.com