
المربي الأستاذ فايز أبو عبّاس في مطلع شبابه وتلاميذه، في المدرسة التي كان يديرها، الذين أعادوه بالذكريات إلى مرحلة «الولدنة»
بعد سن الخامسة تبدأ مرحلة «الولدنة»، وتستمر حتى ما بعد العاشرة، قبل أن يدخل الإنسان تدريجياً مرحلة النضوج. وفي هذه المرحلة تتنوّع الألعاب والنشاطات بحسب تطوّر العمر والوعي، وتتفتح المدارك على العالم وما يحمله من إمكانات وأحداث، فيندمج الطفل معها تفاعلاً واستكشافاً، ويملأ أوقاته بما يتوافر حوله من ألعاب ولهو ومشاغل.
وهذا ما عشناه نحن في زماننا، حين تجاوزنا مرحلة الطفولة الأولى وخطونا نحو «الولدنة». فإلى جانب الواجبات المدرسية، التي كنت ملتزماً بها، كانت تنتظرني في أيام العطل، ولا سيّما بعد أن تجاوزنا العاشرة من العمر، هواية محبّبة يومها هي الصيد.
الفخّ... وسيلة الصيد الأولى
كان الصيد في الأربعينيات وبداية الخمسينيات، بالنسبة إلى أولاد في مثل أعمارنا، يعتمد أساساً على الفخّ والمغيطة أو النقّيفة.
والفخّ عبارة عن شريط حديدي مكوّن من قسمين نصف دائريين، موصولين عند القطر بواسطة نابض حديدي، بحيث إذا فُتح أحد القسمين ابتعد عن الآخر، ثم يعيده النابض بسرعة ليطبق عليه.
ويُضاف إلى الفخ جزء آخر من الحديد يُسمّى «الترزان»، مهمته إبقاء القسمين مفتوحين عند نصب الفخ. وفي رأس هذا «الترزان» يوضع الطُّعم الذي يجذب الطائر.
وكان الفخ يُطمر بطبقة خفيفة من التراب، فلا يظهر منه إلا الطعم، وغالباً ما يكون دودة تُربط بطرف «الترزان». فإذا اقترب العصفور منها وحاول التقاطها، انطبق الفخ عليه وأصبح أسيراً بين حافتيه.
وكنا نحصل على هذا النوع من الدود من قصب الذرة البيضاء، حيث تكون الدودة بيضاء اللون، أو من بعض النباتات التي تنمو قرب المزابل، بعد البحث حول جذورها وسيقانها، ويكون لون هذا النوع من الدود أسود أو أسمر داكناً يميل إلى السواد.
مطاردة العصفور حتى الفخّ
كنا نضع الفخ في مكان نعتقد أن العصفور سيمر بالقرب منه أو يقف على غصن مقابل له، بحيث يستطيع رؤية الدودة وهي تتحرك فوق الفخ.
ثم نبدأ بملاحقة العصفور بالغناء، وبعض النداءات والإشارات التي كانت جزءاً من لعبتنا يومها، حتى إذا اقترب من الموضع الذي نصبنا فيه الفخ، نتراجع وننتظر وقوع الفريسة.
النقّيفة.. للصيد الذي لا تنفع معه الدودة
أما العصافير التي لا تغريها الديدان ولا تقع بسهولة في الفخ، فكنا نستخدم معها «المغيطة» أو «النقّيفة».
وكانت تُصنع من قطعتين رفيعتين من المطاط، نأخذهما عادة من الدولاب الداخلي للسيارة أو الدراجة الهوائية، أي ما كنا نسميه «الشمبريير».
ثم نبحث عن غصن شجرة متشعّب على شكل حرف Y، وهو ما كنا نسميه «الشاعوب». تُربط قطعتا المطاط بطرفيه، وتنتهيان بقطعة صغيرة من الجلد توضع فيها «بحصة» أو حجر صغير.
يشدّ الصياد المطاط إلى الخلف ثم يطلقه، فتنطلق البحصة باتجاه الطائر. فإذا أصابته وقع أرضاً، فيسارع الصياد إلى التقاطه.
وكان نجاح هذه الطريقة يعتمد إلى حد كبير على مهارة الرامي، وعلى ما اكتسبه من تمرين وخبرة، سواء في صناعة النقّيفة أو في إصابة الهدف.
ذكريات مشتركة بين أولاد ذلك الزمن
كانت هذه الأمور من أبسط تفاصيل حياتنا كأولاد نهوى الصيد، سواء بالفخ أو بالنقّيفة، أو بالاثنين معاً.
ولم تكن هواية فردية، بل مارسها كثير من زملائنا من التلامذة والطلاب في أيام العطل والراحة، قبل أن يبدأ بعضهم لاحقاً باستخدام بنادق الصيد المحشوة بالبارود والخردق، ثم البنادق التي تستعمل الطلقات الجاهزة، وهي أدوات لم نكن نحن الأولاد الصغار نعرف عنها شيئاً في بداياتنا.
الدِّبق... وسيلة أخرى لاصطياد العصافير
وكان هناك أيضاً نوع ثالث من وسائل الصيد هو «الدِّبق».
والدبق مادة شديدة اللزوجة تشبه العجين في شكلها، لكنها أكثر كثافة والتصاقاً. وكانت تُلف حول قضيب رفيع من أغصان الأشجار، فإذا وقف عليه الطائر التصقت مخالبه بالمادة اللزجة، ولم يعد قادراً على الإفلات والطيران.
وكانت هذه القضبان توضع على أفنان الأشجار وأغصانها، في الأماكن التي ترتادها العصافير بكثرة، ولا سيّما بالقرب من الأعشاش والأوكار أو أماكن تخزين الحبوب.
وعندما يقع الطائر في الدبق، نسارع إلى انتشاله والاحتفاظ به، استعداداً لما كان يُعد يومها وليمة من لحوم الطيور.
ولم يكن الصياد يضع قضيباً واحداً فقط، بل كان ينشر عدداً منها على عدة أشجار وفي أماكن مختلفة، أملاً في الحصول على صيد أوفر.
زمن مضى وبقيت ذكرياته
كانت تلك بعض الوسائل التي عرفناها ومارسناها في طفولتنا وصبانا، قبل أن تنتشر بنادق الصيد على نطاق أوسع، وخصوصاً بين الشبان والطلاب في أيام العطل المدرسية.
هي ذكريات من زمن بسيط، كانت أدواته تُصنع باليد، وكان الصيد فيه جزءاً من ألعاب الأولاد ومغامراتهم اليومية، في مرحلة من العمر ما زالت تفاصيلها عالقة في الذاكرة رغم مرور السنين.
المربي الأستاذ فايز أبو عبّاس
الحدث – 29/9/2026
الخيام | khiyam.com
تعليقات: