هيام ابراهيم: حين عاد الوالد من بين الموتى.. ذاكرة مؤلمة لمجزرة الخيام

المرحوم محمد علي محمد إبراهيم  وجانب من ثكنة الخيام
المرحوم محمد علي محمد إبراهيم وجانب من ثكنة الخيام


أيام الصبا، كنت أسمع كم كان أبناء الخيام وأبناء القرى المحيطة تجمعهم علاقات وثيقة، يسودها الاحترام والمودة ورروح التعاون وحسن الجيرة وكانت هذه الروابط تمتد إلى مختلف جوانب الحياة، من زراعة أراضي «المرج» وتربية المواشي، إلى العمل المشترك والتبادل التجاري، حتى ليخيّل للمرء أنهم أبناء بلدة واحدة.

وكان للمرحوم جدي، الحاج خليل رشيدي، شركاء زراعيون من بلدة القليعة، كما ربطت والدي المرحوم محمد علي محمد إبراهيم صداقات كثيرة بأبناء القليعة، حيث كان يعمل أحياناً.

من ثكنة الخيام إلى أيام المجزرة

خلال الحرب الأهلية، وبعد سيطرة جيش لبنان العربي على ثكنة الخيام، عمل والدي طباخاً في الثكنة، واستمر في عمله إلى أن سقطت، ثم تلا ذلك احتلال الخيام.

ويوم المجزرة، كان والدي لا يزال في البلدة. وعندما علم بالجرائم التي بدأ العدو بارتكابها بحق من تبقى من المدنيين، ومعظمهم من كبار السن، لجأ إلى منزل صهره الحاج أمين الرحيم في الحارة الشرقة، للاطمئنان عليه والاحتماء، تمهيداً للهروب.

لكن ما إن وصل الوالد حتى سمع من يناديه: «أبو حسن!».

التفت، فإذا بمسلح من جيش لحد على رأس مجموعة مسلحة. ناداه مرة أخرى، فعرفه والدي. كان من آل جرجوعي من بلدة القليعة، وكان والدي على معرفة وثيقة بأخيه.

سأله الجندي: «مين معك هون؟»

فأجابه والدي: «صهري».

فقال له: «جيبه وتعا بسرعة».

فنادى والدي: «يا حج أمين، أنا ابن عمك أبو حسن، تعا ما تخفش».

نجاة لم تكن في الحسبان

أصعدهما العسكري إلى الملالة، وقال لهما: «أنتما بأمان».

وعرض عليهما المبيت عنده في القليعة، لكن والدي طلب أن يُنقلا إلى كفركلا، إلى منزل الأستاذ محمد فياض، وكان لهما ما أرادا.

وبعد أسبوع، أُقيمت ذكرى لشهداء المجزرة، وكان اسم والدي والحاج أمين من بين الأسماء التي اعتُقد أنها استشهدت.

وعندما انتهت الذكرى وعدنا إلى البيت، بدأ الناس يتوافدون لتقديم المواساة وأخذ الخاطر. وفجأة، علا صوت أحدهم من الخارج وهو يصرخ:

«إجا... إجا أبو حسن!»

كانت المفاجأة أكبر من أن تُوصف. لم نكد نصدق أعيننا، وبقينا حتى ساعة متأخرة من الليل نستمع إلى ما رواه والدي عن الأيام السابقة، وعن المعاناة والمشاهد المرعبة التي عاشها وشاهدها.

ذاكرة لا تُنسى

رحم الله شهداء تلك المجزرة التي راح ضحيتها عشرات المدنيين الأبرياء، ومعظمهم من كبار السن.

إنها واحدة من أكثر صفحات الذاكرة قسوة، ضمن سلسلة طويلة من الحروب والمجازر والمآسي والدمار والنزوح التي عاشها أهل منطقتنا وما نزال نعيشها، منذ تأسيس هذا الكيان، وما زالت آثارها حاضرة في الذاكرة والوجدان.

المربية هيام محمد ابراهيم

تعليقات: