خليل كاعين: من الثورة الإيرانية إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط: مصادفات التاريخ أم تقاطع المشاريع؟

دكتور خليل كاعين: المشكلة أن المنطقة العربية، طوال عقود، فشلت في إنتاج مشروعها الخاص
دكتور خليل كاعين: المشكلة أن المنطقة العربية، طوال عقود، فشلت في إنتاج مشروعها الخاص


مقدمة

منذ عقود، يعيش الشرق الأوسط تحولات وحروبا أعادت رسم موازين القوى وغيرت واقع دول وشعوب بأكملها. وبين ما يبدو نتيجة طبيعية لصراعات المنطقة وما يمكن أن يكون ثمرة مشاريع مدروسة واستثمار طويل للأحداث، تبرز أسئلة كثيرة حول ما جرى وما يجري، وحول القوى التي استفادت من نتائجه.

فهل نحن أمام مصادفات التاريخ، أم أمام تقاطع مشاريع أعادت، ولا تزال تعيد، تشكيل الشرق الأوسط؟

يصعب النظر إلى ما يجري اليوم في الشرق الأوسط بمعزل عن مسار طويل بدأ قبل أكثر من أربعة عقود. فالحروب التي تعاقبت، والأنظمة التي سقطت، والدول التي تفككت أو ضعفت، والقوى الإقليمية التي صعدت ثم تراجعت، لم تترك المنطقة كما كانت. والسؤال لم يعد متعلقا بحدث منفرد، بل بالاتجاه العام الذي قادت إليه هذه الأحداث: من استفاد من إعادة تشكيل المنطقة؟

لقد كانت الولايات المتحدة، منذ الحرب العالمية الثانية، اللاعب الدولي الأكثر حضورا في الشرق الأوسط، ليس عسكريا فقط، بل من خلال النفط والتحالفات والأمن والاقتصاد والعلاقات السياسية. وإلى جانب ذلك نشأت علاقة استراتيجية استثنائية بينها وبين إسرائيل، جعلت المحافظة على أمن إسرائيل وتفوقها العسكري جزءا ثابتا من السياسة الأميركية في المنطقة.

ومن هنا لا يمكن قراءة التحولات الكبرى التي شهدها الشرق الأوسط وكأن الولايات المتحدة كانت مجرد مراقب يتدخل عندما تنفجر الأزمات. فقد امتلكت واشنطن، ولا تزال، مشروعا ومصالح وأدوات تأثير، واستخدمت القوة العسكرية حينا، والعقوبات والاقتصاد حينا آخر، والتحالفات والضغط السياسي وبرامج دعم الديمقراطية والمجتمع المدني حينا ثالثا.

ويمكن الإشارة في هذا السياق، من دون تحميل الأمر أكثر مما يحتمل، إلى دراسة توماس ماكناغر الصادرة عن معهد بروكينغز عام 1985 حول الاستراتيجية العسكرية الأميركية والخليج، والتي تناولت هشاشة الدول الخليجية الصغيرة والغنية بالنفط أمام الأخطار الخارجية والحاجة إلى قدرة أميركية سريعة على التدخل. أهمية هذه الدراسة ليست في اعتبارها نبوءة بغزو الكويت، بل في أنها تكشف أن أمن الخليج وطرق حمايته كانا موضوع تخطيط استراتيجي أميركي قبل سنوات من التحولات الكبرى اللاحقة.

من الثورة الإيرانية إلى الحضور الأميركي المباشر

كانت الثورة الإيرانية عام 1979 إحدى أهم نقاط التحول. فقد خسرت الولايات المتحدة نظام الشاه، أحد أبرز حلفائها في المنطقة، وظهر نظام رفع العداء لأميركا وإسرائيل جزءا أساسيا من خطابه.

لكن النتائج البعيدة المدى جاءت أكثر تعقيدا.

فإيران الثورة تحولت إلى مصدر قلق للدول الخليجية، ثم اندلعت الحرب العراقية–الإيرانية واستمرت ثماني سنوات، مستنزفة دولتين كبيرتين كانتا قادرتين على التأثير في ميزان القوى الإقليمي. وبعد انتهاء الحرب لم تستقر المنطقة؛ فالعراق، المثقل بالديون والممتلك جيشا ضخما، اجتاح الكويت عام 1990، فوجدت الولايات المتحدة المبرر السياسي والقانوني والعسكري لقيادة تحالف دولي واسع وإدخال قواتها إلى الخليج على نطاق لم يكن موجودا من قبل.

وهكذا أصبح الخوف من القوة الإقليمية أحد أهم أسباب الاعتماد الخليجي على المظلة الأمنية الأميركية.

وهنا تبرز مفارقة تستحق التوقف عندها. فإيران التي رفعت العداء للولايات المتحدة وإسرائيل شعارا مركزيا لنظامها، أصبحت في الوقت نفسه، من خلال الخوف الذي ولّده مشروعها الإقليمي لاحقا، أحد الأسباب التي عمقت ارتباط دول الخليج بالحماية الأميركية.

والعداء المعلن لم يمنع أصلا تقاطع المصالح في بعض المحطات. فقضية «إيران–كونترا» أثبتت أن الولايات المتحدة وإسرائيل شاركتا في قنوات لتزويد إيران بالسلاح خلال الحرب العراقية–الإيرانية، رغم الخطاب العدائي بين الأطراف. وهذا لا يثبت وجود تحالف سري دائم، لكنه يؤكد أن العلاقات الدولية لا يمكن قراءتها من خلال الخطابات وحدها، وأن الخصوم يستطيعون التعامل عندما تفرض المصالح ذلك.

ثم جاءت حرب العراق عام 2003 لتفتح فصلا أكثر خطورة. أسقطت الولايات المتحدة نظام صدام حسين واحتلت العراق تحت عناوين ثبت لاحقا أن أهمها، وفي مقدمته امتلاك أسلحة دمار شامل، لم يكن قائما على الواقع الذي ظهر بعد الاحتلال.

والنتيجة لم تكن مجرد إسقاط نظام.

فقد أُضعفت الدولة العراقية ومؤسساتها، ودخل البلد في صراعات داخلية وطائفية، وظهرت جماعات مسلحة متعددة، وفي واحدة من أكبر مفارقات السياسة الأميركية أدى إسقاط النظام العراقي إلى إزالة أهم حاجز عربي أمام تمدد النفوذ الإيراني.

وهكذا استطاعت إيران أن تحقق سياسيا بعد 2003 ما لم تستطع تحقيقه عسكريا خلال ثماني سنوات من الحرب مع العراق.

ولا يعني ذلك بالضرورة وجود اتفاق أميركي – إيراني مسبق. لكنه يطرح سؤالا مشروعا حول طبيعة القرارات التي تتخذها القوى الكبرى، وحول الفارق بين الأهداف المعلنة والنتائج التي يجري استثمارها لاحقا.

من «الشرق الأوسط الكبير» إلى «الفوضى الخلاقة»

بعد أحداث 11 أيلول 2001، لم تعد السياسة الأميركية تجاه المنطقة تكتفي بالمحافظة على الأنظمة الحليفة والتوازنات القائمة. ظهرت مشاريع تتحدث صراحة عن تغيير الشرق الأوسط ونشر الديمقراطية وإعادة بناء الأنظمة السياسية والاجتماعية.

في تلك المرحلة شاع مفهوم «الشرق الأوسط الكبير»، وترافق مع خطاب أميركي يرى أن الاستقرار القائم على أنظمة استبدادية لم يعد يضمن المصالح الغربية، وأن تغيير البيئة السياسية العربية يمكن أن يشكل مدخلا إلى نظام إقليمي جديد.

وفي الخطاب السياسي العربي شاع تعبير «الفوضى الخلاقة» لوصف هذا الاتجاه: تفكيك أو زعزعة البنى القائمة على أمل أن ينتج من الفوضى نظام جديد أكثر انسجاما مع المصالح الأميركية.

لكن من الضروري هنا التفريق بين ما هو موثق وما هو استنتاج.

فمن الثابت أن الولايات المتحدة مولت على مدى سنوات برامج لنشر الديمقراطية وتطوير المجتمع المدني، ودعمت منظمات غير حكومية وبرامج تدريب سياسي وإعلامي في دول عربية متعددة. وفي مصر مثلا بدأ التمويل الأميركي المباشر لبعض المنظمات غير الحكومية قبل انتفاضة 2011 بسنوات، ثم ازداد دعم برامج الديمقراطية والحوكمة بعد سقوط مبارك.

لكن وجود هذا الدعم لا يعني تلقائيا أن الاحتجاجات الشعبية التي انفجرت لاحقا كانت صناعة أميركية.

فالشعوب العربية كانت تمتلك أسبابا حقيقية للغضب: أنظمة استبدادية، فساد، بطالة، تفاوت اجتماعي، غياب الحريات، واستئثار بالسلطة والثروة.

وهنا تكمن المسألة الأكثر تعقيدا: يمكن للحركة الشعبية أن تكون حقيقية في أسبابها ومطالبها، وفي الوقت نفسه أن تجد قوى خارجية مستعدة لدعم بعض أطرافها أو التأثير في مساراتها أو استثمار نتائجها.

الربيع العربي: ثورات الشعوب أم فرصة لإعادة تشكيل المنطقة؟

عندما أضرم محمد البوعزيزي النار في نفسه في تونس أواخر 2010، ربما لم يكن أحد قادرا على تصور أن الشرارة ستنتقل بهذه السرعة من دولة إلى أخرى.

سقط نظام بن علي، ثم نظام حسني مبارك، واندلعت الاحتجاجات في ليبيا وسوريا واليمن والبحرين ودول أخرى.

في البداية بدت الصورة وكأن المنطقة أمام عصر عربي جديد.

لكن ما حدث بعد ذلك كان مختلفا بصورة مؤلمة.

ففي ليبيا تحول الاحتجاج إلى حرب، ثم جاء التدخل العسكري الغربي وسقط نظام القذافي، لكن الدولة لم تنتقل إلى الاستقرار، بل دخلت في صراع طويل على السلطة وتعددت فيها القوى المسلحة والتدخلات الخارجية.

وفي سوريا تحولت الحركة الاحتجاجية إلى واحدة من أكثر الحروب دموية وتعقيدا، ودخلت إليها الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا ودول عربية وتنظيمات مسلحة متعددة، وتحولت الأراضي السورية إلى ساحة للصراع الدولي والإقليمي.

وفي اليمن انتقلت الأزمة السياسية إلى حرب وانقسام وتدخلات إقليمية، وبرز الحوثيون كقوة ذات علاقة وثيقة بإيران.

أما تونس، التي عدت لسنوات الاستثناء الناجح، فلم تستطع تجربتها السياسية الوليدة تثبيت النموذج الديمقراطي الذي كان مأمولا.

وهكذا، بعد أكثر من عقد، يصعب النظر إلى خريطة الدول التي اجتاحتها موجة الربيع العربي من دون ملاحظة حجم الخراب والتفكك وضعف الدولة الذي أصاب عددا منها.

وهنا يبرز السؤال: هل كانت الولايات المتحدة تتوقع هذه النتائج؟ وهل أرادتها جميعا؟

لا توجد أدلة كافية تسمح بالإجابة بنعم مطلقة.

لكن السؤال الآخر أكثر مشروعية: هل استثمرت الولايات المتحدة وحلفاؤها في هذه التحولات عندما وجدوها تخدم مصالحهم؟

فالقوى الكبرى لا تحتاج دائما إلى صناعة الحدث كي تستفيد منه. يكفي أحيانا أن تكون أكثر استعدادا من الآخرين لاستثماره، وأن تكون قد بنت مسبقا شبكات اتصال وتمويل وعلاقات سياسية ومدنية تساعدها على التأثير في المرحلة التي تلي سقوط النظام القديم.

القوى الدولية الأخرى وصراع المصالح

ولا تقتصر ساحة الشرق الأوسط على المشروع الأميركي–الإسرائيلي أو المشاريع الإقليمية. فدول أوروبية، وفي مقدمتها بريطانيا وفرنسا، شاركت بدرجات مختلفة في حروب المنطقة وتحولاتها، من العراق إلى ليبيا وسوريا، ولم تكن مصالح الطاقة والسلاح والأسواق والنفوذ بعيدة عن حساباتها. وفي المقابل، سعت روسيا إلى استعادة حضورها السياسي والعسكري، ولا سيما عبر سوريا وشرق المتوسط، بينما اختارت الصين توسيع نفوذها بصورة أكثر هدوءا، من خلال التجارة والاستثمار والطاقة والموانئ وطرق «الحزام والطريق».

وهكذا لا تتحرك هذه القوى بالضرورة ضمن مخطط واحد، بل تتنافس وتتقاطع مصالحها، وكل منها يسعى إلى ألا يخرج من إعادة تشكيل المنطقة بلا موقع أو نفوذ أو حصة اقتصادية واستراتيجية. فالصراع على الشرق الأوسط ليس فقط صراعا على من يحكم دوله، بل أيضا على من يملك النفوذ في أسواقه وموارده وموانئه وممراته وموقعه بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.

إيران وإسرائيل: عداوة حقيقية ونتائج متقاطعة

في الوقت نفسه كان المشروع الإيراني يتوسع.

من حزب الله في لبنان إلى القوى المسلحة في العراق، ومن النظام السوري السابق إلى الحوثيين في اليمن وعلاقات طهران مع حماس والجهاد الإسلامي، تشكل محور إقليمي جعل إيران حاضرة بصورة مباشرة أو غير مباشرة على مساحة واسعة من المشرق العربي.

وقد قدمت إيران هذا المشروع باعتباره محورا لمواجهة إسرائيل والولايات المتحدة.

لكن النتائج حملت مفارقة لا يمكن تجاهلها.

فكلما اتسع النفوذ الإيراني، ازداد خوف دول الخليج منه، وكلما ازداد هذا الخوف ازدادت حاجتها إلى السلاح والحماية والعلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة.

وفي الوقت نفسه استطاعت إسرائيل أن تقدم نفسها تدريجيا لبعض الدول العربية لا باعتبارها العدو الوحيد، بل شريكا محتملا في مواجهة الخطر الإيراني.

وهكذا خدم التوسع الإيراني، بصرف النظر عن النوايا، نتيجتين استراتيجيتين كبيرتين: ترسيخ الحاجة إلى الوجود الأميركي، وفتح الطريق أمام تحول في علاقة بعض الدول العربية بإسرائيل.

والأكثر إثارة أن هذه النتيجة تحققت بينما بقيت إيران وإسرائيل في حالة عداء حقيقي.

وهنا تظهر فكرة «تقاطع المشاريع» بأوضح صورها: ليس ضروريا أن يتفق الخصمان حتى تخدم أفعال أحدهما مصالح الآخر.

إسرائيل والثابت الأميركي

وسط كل هذه التحولات بقي عنصر يكاد يكون ثابتا: التفوق الإسرائيلي والدعم الأميركي له.

تغيرت الإدارات الأميركية، جمهورية وديمقراطية، لكن العلاقة الاستراتيجية بإسرائيل بقيت من الثوابت. واستخدمت الولايات المتحدة نفوذها السياسي والدبلوماسي مرارا لحمايتها، إلى جانب الدعم العسكري والاقتصادي.

ولا يمكن تفسير ذلك فقط بالعلاقات بين دولتين.

فداخل الولايات المتحدة توجد شبكة قوية من جماعات الضغط والمصالح السياسية والانتخابية والمالية والدينية المؤيدة لإسرائيل، ولها تأثير حقيقي في الكونغرس وفي صناعة الرأي العام والسياسة الخارجية. لكن تحويل ذلك إلى القول إن إسرائيل «تحكم أميركا» يبسط علاقة أكثر تعقيدا؛ فالمصالح الأميركية والإسرائيلية تتقاطع في كثير من القضايا، وتختلف أحيانا، بينما يبقى ميزان العلاقة منحازا بصورة استثنائية إلى حماية إسرائيل.

والمفارقة أن إسرائيل استطاعت، رغم الانتقادات الدولية الواسعة لسياساتها وحروبها واستيطانها، أن تحتفظ بهامش كبير من حرية الحركة، لأن القانون الدولي، من دون إرادة سياسية وقوة قادرة على فرضه، يبقى محدود الفاعلية.

وهذا يفتح بابا آخر في النقاش: أين تنتهي الحاجة الإسرائيلية المشروعة إلى الأمن، وأين يبدأ المشروع التوسعي الذي يجد تعبيراته في الاستيطان والضم وخلق وقائع جغرافية جديدة؟

فداخل إسرائيل نفسها توجد تيارات سياسية ودينية وقومية لا تخفي رؤيتها التوسعية للأرض، بينما أدى اختلال ميزان القوى والدعم الأميركي إلى جعل كلفة فرض الوقائع على الأرض أقل مما كانت ستكون عليه لو وجد رادع دولي فعلي.

لبنان: عقدة الصراع وحدود الأمن الإسرائيلي

يحتل لبنان موقعا خاصا في هذه الصورة المعقدة.

فهو ليس مجرد ساحة للصراع الإيراني–الإسرائيلي أو الأميركي–الإيراني، بل دولة صغيرة تقع عند تماس مباشر مع إسرائيل، وتملك ساحلا طويلا على شرق المتوسط، وتعيش منذ عقود مشكلة مزدوجة: ضعف الدولة من الداخل، وانكشافها أمام مشاريع القوى الإقليمية من الخارج.

وقد جعل وجود حزب الله وسلاحه خارج إطار القرار المركزي للدولة لبنان جزءا مباشرا من الصراع الإقليمي، وربط قرار الحرب والسلم فيه بحسابات تتجاوز حدوده ومؤسساته الشرعية. وفي المقابل، استخدمت إسرائيل هذا الواقع لتبرير عملياتها العسكرية المتكررة تحت عنوان حماية أمنها.

لكن التجربة اللبنانية تفرض سؤالا يتجاوز حزب الله نفسه.

فإسرائيل احتلت أجزاء واسعة من لبنان في السابق، واستمر احتلالها للجنوب سنوات طويلة. ولذلك فإن أي حديث إسرائيلي جديد عن مناطق أمنية أو أحزمة عازلة داخل الأراضي اللبنانية لا يمكن فصله عن ذاكرة الاحتلال وعن الخوف من أن يتحول «الإجراء الأمني المؤقت» إلى واقع طويل الأمد.

والحروب الأخيرة أعادت هذا السؤال بقوة، مع الدمار الواسع الذي أصاب قرى الجنوب والبنية التحتية والنزوح المتكرر للسكان.

فهل الهدف الإسرائيلي ينتهي عند إزالة الخطر العسكري الذي يشكله حزب الله؟ أم أن اختلال ميزان القوى قد يغري إسرائيل بإعادة رسم مفهوم حدودها الأمنية وفرض وقائع جديدة داخل الأراضي اللبنانية؟

السؤال مشروع، خصوصا في ظل صعود تيارات إسرائيلية توسعية وفي ظل ضعف قدرة المجتمع الدولي على فرض قواعد متساوية على جميع الأطراف.

لبنان وشرق المتوسط: البحر والثروة المحتملة

ولا تكتمل الصورة اللبنانية من دون البحر.

فشرق المتوسط تحول خلال العقدين الأخيرين إلى منطقة ذات أهمية متزايدة بسبب اكتشافات الغاز الطبيعي، ودخل لبنان بدوره سباق البحث عن النفط والغاز في مياهه الاقتصادية.

وقد شكل النزاع على الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل مؤشرا واضحا إلى أهمية هذه الثروة المحتملة، قبل أن يجري التوصل إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية عام 2022.

لكن من المهم أن نبقى دقيقين: لم يثبت حتى الآن وجود اكتشاف تجاري كبير للغاز أو النفط في المياه اللبنانية يمكن الحديث عنه كثروة مؤكدة. فالحفر في منطقة قانا لم يعطِ النتيجة التي كان يأملها اللبنانيون، فيما تستمر عمليات الاستكشاف في مناطق أخرى.

لذلك نتحدث عن ثروة محتملة وموقع استراتيجي، لا عن احتياطيات مثبتة يمكن القول إن حربا تدور من أجل السيطرة عليها.

لكن غياب الاكتشاف التجاري حتى اليوم لا يلغي أهمية البحر اللبناني. فشرق المتوسط لم يعد مجرد مساحة بحرية، بل أصبح جزءا من صراع أكبر على الطاقة والممرات والأسواق وخطوط النقل، ومن الطبيعي أن تدخل هذه العناصر في الحسابات الاستراتيجية للدول.

وهنا تصبح السيادة اللبنانية على الأرض والبحر جزءا واحدا لا يتجزأ: دولة ضعيفة على البر ستكون أكثر ضعفا في الدفاع عن حقوقها في البحر وثرواتها المحتملة.

غزة: ما وراء الحرب المباشرة

أما غزة، فتمثل ربما أكثر الحالات كثافة في التداخل بين السياسة والأمن والجغرافيا والاقتصاد.

فالقطاع ليس مجرد مساحة صغيرة مكتظة بالسكان تقع في قلب الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. إنه أيضا شريط ساحلي على شرق المتوسط، قريب من أهم خطوط التجارة والطاقة التي تربط آسيا وأوروبا وأفريقيا.

وقد أدت الحرب إلى تدمير هائل في العمران والبنية التحتية وإلى خسائر بشرية ونزوح واسع، بحيث أصبح السؤال عن مستقبل غزة يتجاوز بكثير مسألة إنهاء القدرة العسكرية لحماس.

فماذا سيكون مصير الأرض؟ ومن سيحكم القطاع؟ ومن سيقرر إعادة إعماره؟ وهل سيعود السكان إلى مناطقهم؟ ومن سيمتلك القرار الأمني والسياسي والاقتصادي بعد الحرب؟

هذه ليست أسئلة إنسانية وسياسية فقط، بل جيوسياسية أيضا.

غاز غزة: مورد فلسطيني في قلب الصراع

قبالة ساحل غزة يقع حقل Gaza Marine للغاز الطبيعي، المكتشف منذ نهاية التسعينيات، والذي ظل تطويره معطلا لعقود بفعل الظروف السياسية والأمنية.

وكان من الممكن أن يمثل تطوير هذا الحقل مصدرا مهمًا للطاقة والإيرادات الفلسطينية وأن يقلل من التبعية الاقتصادية في مجال الطاقة.

وهنا يصبح السؤال عن مستقبل غزة مرتبطا أيضا بمستقبل مواردها البحرية.

لكن ينبغي الحذر من القول إن الحرب شنت من أجل الغاز. لا توجد أدلة كافية تسمح بإثبات مثل هذه العلاقة السببية المباشرة.

غير أن العكس صحيح أيضا: من غير المنطقي تصور إعادة رسم مستقبل غزة من دون أن يكون لمياهها ومواردها البحرية وزن في الحسابات الاقتصادية والاستراتيجية بعيدة المدى.

فمن يملك القرار على الساحل يملك تأثيرا في مستقبل ما وراء الساحل.

ومن هنا يصبح حق الفلسطينيين في مواردهم الطبيعية جزءا من قضية السيادة نفسها، لا مجرد ملف اقتصادي منفصل.

غزة وقناة السويس: بين المشروع التاريخي والفرضية الجيوسياسية

وتزداد المسألة إثارة عندما نصل إلى ما يسمى «قناة بن غوريون».

ففكرة إنشاء ممر مائي يصل البحر المتوسط بالبحر الأحمر عبر الأراضي الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية ليست اختراعا ظهر بعد حرب غزة. توجد دراسات تاريخية، من بينها دراسة أميركية من ستينيات القرن الماضي، بحثت إمكان إنشاء قناة عبر صحراء النقب تصل المتوسط بخليج العقبة.

لكن المشروع بقي في نطاق الدراسات والتصورات، ولا يوجد ما يثبت وجود خطة تنفيذية حالية تجعل حرب غزة وسيلة لشق هذه القناة.

وهذا التمييز أساسي.

فمن السهل الانتقال من وجود فكرة تاريخية إلى القول إن كل ما يحدث اليوم يهدف إلى تنفيذها، لكن مثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى دليل.

ومع ذلك، لا يلغي غياب الدليل أهمية السؤال الجيوسياسي.

فقناة السويس واحدة من أهم شرايين التجارة العالمية، وأي ممر بديل يصل البحر الأحمر بالمتوسط سيحمل قيمة اقتصادية واستراتيجية هائلة. وإذا كانت إسرائيل تطمح إلى تعزيز موقعها كمركز للطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا، فإن التفكير في الممرات البديلة يصبح مفهوما ضمن التخطيط بعيد المدى، سواء تحقق مشروع القناة يوما أم بقي مجرد تصور.

ومن هنا تأتي أهمية موقع غزة: ليس لأنها تقف بالضرورة فوق مسار مشروع مثبت، بل لأنها تقع في منطقة شديدة الحساسية بين المتوسط ومصر والنقب، وفي محيط تتقاطع فيه طرق الطاقة والتجارة والموانئ والثروات البحرية.

وهذا يدفع إلى السؤال: هل يمكن النظر إلى مستقبل غزة من زاوية أمن إسرائيل فقط، أم أن إعادة تشكيل القطاع ستكون لها أيضا نتائج اقتصادية وجيوسياسية تتجاوز الفلسطينيين والإسرائيليين؟

من غزة إلى جنوب لبنان والجولان: عندما تتسع الحدود الأمنية

إذا وضعنا غزة وجنوب لبنان والجولان السوري في صورة واحدة، يظهر مفهوم يتكرر في السياسة الإسرائيلية: الأمن عبر السيطرة على المجال المحيط.

في غزة تظهر المناطق العازلة والسيطرة على المحاور والمنافذ.

وفي جنوب لبنان يعود الحديث عن إبعاد مصادر الخطر عن الحدود وخلق ترتيبات أمنية داخل الأراضي اللبنانية.

وفي الجولان تحولت السيطرة العسكرية التي بدأت عام 1967 إلى ضم إسرائيلي لم يعترف به معظم المجتمع الدولي، ثم إلى توسيع للوقائع الاستيطانية والأمنية.

وهنا يصبح السؤال عن الأطماع التوسعية الإسرائيلية مشروعا، شرط ألا نحول كل خطوة إسرائيلية إلى دليل تلقائي على وجود خريطة سرية واحدة.

فقد يكون التوسع نتيجة تفاعل بين أيديولوجيا موجودة أصلا وفرص يوفرها اختلال ميزان القوى.

والنتيجة على الأرض بالنسبة إلى الشعب الذي يخسر أرضه لا تختلف كثيرا: الحدود تتحرك لمصلحة الأقوى.

وهذا ما يجعل الدعم الأميركي لإسرائيل أكثر أهمية من مجرد صفقات السلاح.

فالقوة العسكرية الإسرائيلية تستطيع فرض واقع ميداني، لكن الغطاء السياسي والدبلوماسي الأميركي هو الذي يساعدها في كثير من الأحيان على تحمل الضغوط الدولية والاستمرار في سياسات كان يمكن أن تكون كلفتها أعلى بكثير في غياب هذا الدعم.

الجغرافيا الاقتصادية للحروب

وهنا ينبغي توسيع مفهوم الحرب نفسه.

فالحروب الحديثة لا تدور فقط من أجل احتلال الأرض بالمفهوم التقليدي.

الأرض قد تحتوي نفطا أو غازا أو مياها، وقد تقع على طريق أنبوب أو ممر تجاري، وقد تمنح السيطرة عليها إمكانية التحكم بميناء أو مضيق أو ساحل.

لذلك يصبح الغاز في شرق المتوسط أكثر من مجرد مصدر للطاقة.

وتصبح الموانئ أكثر من منشآت تجارية.

وقناة السويس أكثر من مجرى مائي.

والساحل الفلسطيني واللبناني أكثر من خط على الخريطة.

كلها أجزاء من شبكة عالمية تربط الطاقة والتجارة والأمن والنفوذ السياسي.

ولا يعني ذلك أن كل حرب تفسر بالنفط والغاز أو الممرات. فهذه قراءة تبسيطية معاكسة بدورها. لكن تجاهل الجغرافيا الاقتصادية عند تحليل حروب منطقة تمتلك هذه الأهمية الاستراتيجية لا يقل تبسيطا.

فأين أصبح العالم العربي؟

إذا ابتعدنا قليلًا عن التفاصيل ونظرنا إلى الصورة الممتدة من 1979 إلى اليوم، نجد نتيجة يصعب تجاهلها.

العراق الذي كان قوة إقليمية أصبح ساحة تنافس للنفوذين الأميركي والإيراني.

سوريا خرجت من حرب مدمرة أنهكت الدولة والمجتمع وفتحت أراضيها أمام قوى متعددة.

ليبيا فقدت وحدتها السياسية الفعلية لسنوات طويلة.

اليمن غارق في الانقسام والحرب والفقر.

لبنان دفع ثمن صراعات داخلية وإقليمية متراكمة، وأصبح قرار الحرب والسلم فيه موضع نزاع دائم بين منطق الدولة ومنطق القوى المسلحة، فيما تتعرض أرضه وحدوده وثرواته المحتملة لضغوط لا تستطيع دولة ضعيفة مواجهتها بسهولة.

وغزة دمرت أجزاء واسعة منها، وأصبح مستقبل سكانها وأرضها ومواردها موضوع صراع يتجاوز حدود القطاع.

أما القضية الفلسطينية، فرغم مركزيتها التاريخية، فلم تعد قادرة على توحيد الموقف العربي كما كانت، بينما أصبحت المنطقة موزعة بين مخاوف من إيران، وتحالف مع الولايات المتحدة، وتقارب مع إسرائيل، وصراعات داخلية لا تنتهي.

وفي المقابل حافظت الولايات المتحدة على وجودها وتأثيرها الاستراتيجي في المنطقة، وبقيت إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقا فيها.

فهل تكفي المصادفة لتفسير ذلك كله؟

ليس مخططًا واحدًا بالضرورة... بل مشاريع تعرف كيف تستثمر الفوضى

قد يكون من المغري أمام هذا التسلسل الطويل القول إن كل شيء خُطط له منذ البداية، وإن هناك غرفة واحدة وزعت الأدوار على الجميع.

لكن مثل هذا الاستنتاج، مهما بدا متماسكا عند قراءة النتائج، يحتاج إلى أدلة لا توفرها الوقائع المتاحة.

وهناك تفسير ربما يكون أكثر واقعية ولا يقل خطورة.

القوى الكبرى تضع استراتيجيات بعيدة المدى، وتدرس نقاط ضعف الدول، وتدعم القوى التي تخدم مصالحها، وتتدخل عسكريًا عندما ترى ذلك ضروريًا، وتموّل برامج سياسية ومدنية، وتستخدم الاقتصاد والعقوبات والتحالفات والإعلام، ثم تتعامل بمرونة مع النتائج التي لم تكن تتوقعها.

ليس مطلوبًا منها أن تصنع كل ثورة وحرب.

يكفي أن تعرف كيف تستثمرها.

ومن هنا ربما ينبغي ألا نسأل فقط: هل صنعت الولايات المتحدة كل ما جرى؟

بل أن نسأل: كيف استطاعت الولايات المتحدة وإسرائيل أن تخرجا من معظم التحولات الكبرى في المنطقة بمواقع قوة، بينما خرجت معظم الدول العربية المعنية بها أكثر ضعفًا وانقسامًا؟

ولا يعفي هذا السؤال الأنظمة العربية ولا القوى المحلية من مسؤولياتها. فالاستبداد والفساد والطائفية وسوء الإدارة وغياب الدولة وتقديم الولاءات الخارجية على المصلحة الوطنية هي التي وفرت في كثير من الأحيان الأرض الخصبة للتدخل الخارجي.

فلا يستطيع الخارج تفكيك دولة متماسكة بالسهولة نفسها التي يستطيع بها اختراق دولة منقسمة على نفسها.

وهنا ربما نصل إلى الخلاصة الأهم.

المشكلة ليست فقط في وجود مشروع أميركي أو إسرائيلي أو إيراني أو تركي. فمن الطبيعي أن تعمل الدول لتحقيق مصالحها، وليس مطلوبًا منها أن تحمي مصالح العرب.

المشكلة أن المنطقة العربية، طوال عقود، فشلت في إنتاج مشروعها الخاص.

وبين مشروع أميركي يعرف ما يريد، وإسرائيلي يعرف ما يريد، وإيراني وتركي يسعيان إلى توسيع نفوذهما، بقيت دول عربية كثيرة تتعامل مع الأحداث منفردة، وتنتظر نتائج الصراعات بدل أن تشارك في صناعتها.

ولذلك، بعد كل حرب، يتغير اللاعبون وتتبدل الشعارات، لكن النتيجة تتكرر: أرض عربية أضعف، دولة أقل قدرة، وتدخل خارجي أكبر.

وقد يكون السؤال الأعمق اليوم أبعد من السياسة نفسها: من يسيطر على الأرض؟ من يملك البحر؟ من يتحكم بالموارد؟ ومن يحدد طرق انتقال الطاقة والبضائع بين آسيا وأوروبا؟

فالسيطرة في القرن الحادي والعشرين لا تحتاج دائمًا إلى رفع العلم فوق كل أرض. قد يكفي التحكم بالممرات والموارد والقرار السياسي والحماية العسكرية وقدرة الدول على الوصول إلى ثرواتها.

ولعل السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم ليس فقط إن كانت هذه النتيجة قد خُطط لها مسبقًا، بل لماذا، بعد كل ما جرى، ما زلنا نسمح بأن تكون منطقتنا أرضًا لتحقيق مشاريع الآخرين؟

فقد لا تكون جميع الطرق قد رُسمت منذ البداية، لكن من الواضح أن هناك من عرف، في كل محطة، إلى أين يريد أن يصل، بينما بقي العالم العربي في كثير من الأحيان هو الأرض التي تمر فوقها مشاريع الجميع.

دكتور خليل كاعين

12 آب 2026

تعليقات: