خليل كاعين: خليل كاعين: التجربة الشيوعية في القرن العشرين (الحلقة الرابعة) من الثورة إلى الدولة

الدكتور خليل كاعين
الدكتور خليل كاعين


..الحرب الأهلية وبدايات النظام السوفياتي

انتهت الحلقة السابقة بوصول البلاشفة إلى السلطة في تشرين الأول/أكتوبر 1917.

لكن الاستيلاء على السلطة شيء، والقدرة على الاحتفاظ بها وبناء دولة جديدة شيء آخر تمامًا.

فالبلاشفة الذين نجحوا في إسقاط الحكومة المؤقتة وجدوا أنفسهم أمام بلد ضخم أنهكته الحرب العالمية الأولى، واقتصاد يتراجع، وجيش قديم يتفكك، وفلاحين يطالبون بالأرض، ومدن تعاني نقص الغذاء، وقوى سياسية وعسكرية ترفض الاعتراف بالحكم الجديد.

وكان هناك فوق ذلك سؤال أكثر عمقًا:

كيف يمكن بناء نظام اشتراكي في بلد لم تكن بنيته الاقتصادية والاجتماعية، وفق القراءة الماركسية التقليدية نفسها، قد نضجت بعد لهذا الانتقال؟

لقد نجحت الثورة السياسية بسرعة، لكن تغيير المجتمع والاقتصاد والدولة كان مسألة مختلفة تمامًا.

ومن هنا بدأ الامتحان الحقيقي للتجربة البلشفية.

القرارات الأولى... السلام والأرض والسلطة:

تحركت الحكومة الجديدة بسرعة لإظهار أنها ستنفذ الوعود التي ساعدت البلاشفة على الوصول إلى السلطة.

صدر مرسوم السلام داعيًا إلى إنهاء الحرب، وصدر مرسوم الأرض الذي ألغى ملكية كبار الملاّك وفتح الطريق أمام انتقال الأراضي إلى الفلاحين.

كانت هذه القرارات شديدة الأهمية سياسيًا.

فالجنود كانوا يريدون العودة من الجبهة، والفلاحون يريدون الأرض، والعمال ينتظرون تغييرًا حقيقيًا في علاقات العمل والملكية.

لكن إصدار المراسيم كان أسهل من إعادة بناء اقتصاد ومؤسسات دولة في بلد يتفكك.

وسرعان ما ظهرت المعضلة التي سترافق التجربة الجديدة:

هل تستطيع الثورة تحقيق وعودها من دون بناء سلطة مركزية قادرة على فرض قراراتها؟

الجمعية التأسيسية... أول اختبار للتعددية السياسية

كانت انتخابات الجمعية التأسيسية قد تقررت قبل وصول البلاشفة إلى الحكم، وأجريت في أواخر سنة 1917.

وجاءت نتائجها غير مريحة لهم.

فقد حصل الاشتراكيون الثوريون على العدد الأكبر من الأصوات والمقاعد، بينما جاء البلاشفة في المرتبة الثانية، وإن كانوا يتمتعون بنفوذ قوي في المدن الكبرى وبين قطاعات مهمة من العمال والجنود.

وعندما انعقدت الجمعية في كانون الثاني/يناير 1918، رفضت الخضوع للهيمنة السياسية التي أرادها البلاشفة.

فتم حلها بعد اجتماعها الأول.

كان ذلك قرارًا بالغ الأهمية.

رأى البلاشفة أن السوفييتات تمثل شكلًا أكثر تقدمًا للسلطة الثورية من الديمقراطية البرلمانية التقليدية، وأن نتائج الانتخابات لم تعد تعكس موازين القوى الاجتماعية والسياسية الجديدة.

أما خصومهم فرأوا في حل الجمعية بداية الانتقال من الثورة إلى احتكار حزب واحد للسلطة.

ومن هنا ظهر سؤال سيلازم التجربة السوفياتية طويلًا:

هل كانت حماية الثورة تقتضي تقييد التعددية السياسية، أم أن تقييدها بدأ يغيّر طبيعة الثورة نفسها؟

السلام الذي كان له ثمن:

كان البلاشفة قد وعدوا بإنهاء مشاركة روسيا في الحرب العالمية الأولى.

لكن ألمانيا كانت في موقع عسكري قوي، ولم تكن مستعدة لمنح الحكومة الجديدة سلامًا بلا ثمن.

وفي آذار/مارس 1918 وقّعت روسيا معاهدة بريست

ليتوفسك، التي اضطرت بموجبها إلى التخلي عن مساحات واسعة من أراضي الإمبراطورية السابقة ونفوذها.

أثار الاتفاق خلافًا حادًا حتى داخل الحركة الثورية.

لكن لينين رأى أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى سقوط السلطة الجديدة نفسها، وأن إنقاذ الثورة أهم من الاحتفاظ، في تلك اللحظة، بالأراضي التي خسرتها روسيا.

خرجت روسيا من الحرب العالمية الأولى.

لكنها كانت تدخل حربًا أخرى أكثر قسوة داخل حدودها.

الحرب الأهلية... الثورة تقاتل من أجل البقاء

منذ سنة 1918 اتسعت المواجهة المسلحة بين البلاشفة وخصومهم.

في جانب كان الجيش الأحمر الذي أصبح تروتسكي أحد أبرز منظميه.

وفي الجانب الآخر ظهرت قوى متعددة عُرفت إجمالًا باسم البيض، لكنها لم تكن حركة سياسية موحدة؛ ضمت ملكيين ومحافظين وقوميين ومعارضين للبلاشفة واتجاهات مختلفة جمعتها، بدرجات متفاوتة، الرغبة في إسقاط الحكم الجديد.

وفي الجانب الآخر ظهرت قوى متعددة عُرفت إجمالًا باسم البيض، لكنها لم تكن حركة سياسية موحدة؛ ضمت ملكيين ومحافظين وقوميين ومعارضين للبلاشفة واتجاهات مختلفة جمعتها، بدرجات متفاوتة، الرغبة في إسقاط الحكم الجديد.

وتدخلت أيضًا قوى أجنبية في أجزاء من روسيا، في وقت كانت فيه مناطق أخرى تشهد حركات قومية وانفصالية وصراعات محلية.

لم تعد روسيا أمام خلاف سياسي حول شكل النظام.

أصبحت أمام حرب على من يحكم البلاد أصلًا.

وكان الثمن هائلًا.

القتال، والمجاعة، والأوبئة، وانهيار الإنتاج والنقل، أودت بحياة أعداد كبيرة وأدخلت المجتمع الروسي في واحدة من أقسى مراحله الحديثة.

عندما يصبح العنف جزءًا من الحكم

لم يكن العنف وليد البلاشفة وحدهم.

فروسيا عرفت القمع القيصري والحرب العالمية والثورات والمواجهات المسلحة، ومارست أطراف الحرب الأهلية المختلفة أعمال قتل وقمع واسعة.

لكن وصول البلاشفة إلى السلطة طرح مسألة جديدة:

ماذا يحدث عندما تتحول القوة الثورية التي كانت تستخدم العنف لإسقاط النظام إلى دولة تمتلك أدوات العنف نفسها؟

أنشأت السلطة الجديدة في أواخر 1917 جهاز التشيكا لمواجهة الثورة المضادة والتخريب، ثم توسعت صلاحياته مع اشتداد الحرب الأهلية.

وفي ظل محاولات الاغتيال والتمرد والحرب، ازداد استخدام الاعتقال والإعدام والقمع السياسي.

وبررت القيادة البلشفية كثيرًا من هذه الإجراءات بضرورات الدفاع عن الثورة.

لكن المشكلة التي ستظهر تدريجيًا هي أن الوسائل التي تنشأ في الظروف الاستثنائية قد لا تختفي بالضرورة عندما تنتهي الظروف التي أنشأتها.

وهنا بدأت العلاقة بين الثورة والعنف والدولة تصبح واحدة من القضايا الأساسية في التجربة السوفياتية.

شيوعية الحرب... الاقتصاد تحت سلطة الضرورة

لم تكن الحرب الأهلية عسكرية فقط.

كان على السلطة الجديدة أن تطعم الجيش والمدن في اقتصاد يتفكك.

وفي هذه الظروف اتبعت سياسة عُرفت لاحقًا باسم شيوعية الحرب.

توسعت سيطرة الدولة على الصناعة، وجرى تشديد الإدارة المركزية للاقتصاد، وفرضت مصادرات للحبوب والمحاصيل من الريف لتأمين حاجات الجيش والمدن، وتقلص دور السوق والتجارة الخاصة.

رأت القيادة البلشفية في هذه الإجراءات ضرورة للبقاء في ظروف الحرب.

لكن النتائج الاجتماعية كانت قاسية.

تراجع الإنتاج، وازدادت معاناة الفلاحين، واتسعت السوق السوداء، وازدادت الفجوة بين الدولة وقطاعات من المجتمع الريفي.

وهنا ظهرت مفارقة أخرى:

الثورة التي قامت باسم العمال والفلاحين أصبحت مضطرة، من أجل البقاء، إلى فرض إجراءات قاسية على أجزاء من العمال والفلاحين أنفسهم.

الحزب والدولة... أين تنتهي الثورة ويبدأ الجهاز؟

مع اشتداد الحرب كان اتخاذ القرارات السريعة يحتاج إلى مزيد من المركزية.

وتراجع تدريجيًا المجال المتاح للخلاف السياسي، سواء مع الأحزاب الأخرى أو داخل المؤسسات الثورية نفسها.

وفي الوقت نفسه كانت الدولة الجديدة بحاجة إلى إدارة المصانع والسكك الحديدية والجيش والإمدادات والوزارات وملايين الموظفين.

وهنا بدأ الحزب الذي كان قبل سنوات تنظيمًا ثوريًا يعمل في السر والمنفى يتحول إلى مركز لإدارة دولة واسعة.

وهذه النقطة تستحق التوقف عندها.

فكلما اتسعت وظائف الدولة، احتاجت إلى موظفين ومديرين ومسؤولين وأجهزة رقابة وتنفيذ.

ومع الوقت بدأ الجهاز الحزبي نفسه يكتسب وزنًا متزايدًا في إدارة الدولة والمجتمع.

وكان بليخانوف، وغيره من الماركسيين الذين عارضوا الانتقال السريع إلى الاشتراكية في روسيا، قد حذروا من المعضلة التي يمكن أن تنشأ عندما تحاول أقلية سياسية منظمة قيادة تحول اجتماعي أكبر من مستوى التطور الاقتصادي والثقافي للمجتمع.

ولم تكن المشكلة نظرية فقط.

فالسؤال أصبح عمليًا:

إذا كانت الطبقة العاملة هي التي يفترض أن تحكم، فمن يحكم فعليًا عندما يصبح الحزب هو الذي يدير مؤسسات الدولة باسمها؟

ومن هنا بدأت تظهر بذور مشكلة ستكبر لاحقًا بصورة هائلة:

البيروقراطية.

لكن سيكون من الخطأ أن ننسب منذ هذه المرحلة كل ما سيحدث لاحقًا إلى خطة مسبقة أو إلى نتيجة محتومة.

فالدولة السوفياتية كانت تتشكل وسط حرب أهلية وانهيار اقتصادي وتهديدات داخلية وخارجية حقيقية.

والسؤال التاريخي الأكثر جدية ليس هل كانت المركزية نتيجة للفكر وحده أم للظروف وحدها، بل كيف تفاعلت العقيدة الثورية مع ظروف الحرب لتنتج نظامًا أكثر مركزية مما كانت تعد به شعارات الثورة الأولى؟

لماذا انتصر البلاشفة؟

لم يكن انتصارهم في الحرب الأهلية أمرًا محسومًا منذ البداية.

لكنهم امتلكوا عدة عناصر قوة.

سيطروا على مناطق مركزية تضم مدنًا ومراكز صناعية وشبكات نقل مهمة.

وامتلكوا تنظيمًا سياسيًا أكثر تماسكًا من كثير من خصومهم.

ونجح تروتسكي في بناء الجيش الأحمر وتحويله إلى قوة عسكرية كبيرة ومنظمة.

وفي المقابل كان خصومهم منقسمين سياسيًا وجغرافيًا، ولم يمتلكوا مشروعًا موحدًا قادرًا على جذب مختلف فئات المجتمع الروسي.

كما أن ارتباط بعض القوى البيضاء بالقوى الأجنبية ساعد البلاشفة على تقديم أنفسهم بوصفهم مدافعين عن الثورة وروسيا في مواجهة التدخل الخارجي.

وبحلول 1920 و1921 كانت المعارك الرئيسية تميل بصورة واضحة لمصلحة الجيش الأحمر.

نجا النظام البلشفي.

لكن روسيا التي خرجت من الحرب الأهلية لم تكن روسيا التي حلم الثوار ببنائها سنة 1917.

الانتصار الذي كشف الأزمة

كان الاقتصاد منهكًا.

الإنتاج الصناعي تراجع بشدة.

الريف كان غاضبًا من سياسات المصادرة.

والعمال الذين قامت الثورة باسمهم كانوا يعيشون ظروفًا شديدة الصعوبة.

وظهرت احتجاجات وتمردات، كان من أبرزها تمرد كرونشتادت سنة 1921.

أدرك لينين أن استمرار السياسات الاقتصادية التي فرضتها الحرب قد يهدد العلاقة بين السلطة والفلاحين، بل وربما بقاء النظام نفسه.

وهنا اتخذ قرارًا سيبدو للوهلة الأولى متناقضًا مع الاتجاه الذي سلكته الثورة:

التراجع خطوة إلى الوراء في الاقتصاد من أجل إنقاذ النظام سياسيًا.

ففي سنة 1921 بدأت السياسة الاقتصادية الجديدة – النيب (NEP)، التي أعادت قدرًا من السوق والمبادرة الخاصة والتجارة إلى الاقتصاد.

وكان ذلك اعترافًا عمليًا بأن الانتقال المباشر والسريع إلى اقتصاد اشتراكي كامل لم يكن ممكنًا في الظروف الروسية القائمة.

وهنا نعود إلى السؤال الذي طرحناه في الحلقة السابقة:

هل تستطيع الإرادة السياسية أن تسبق الشروط الاقتصادية والاجتماعية، أم أنها تضطر في النهاية إلى التكيف معها؟

لقد انتصر البلاشفة في الحرب الأهلية.

لكنهم خرجوا منها بدولة أكثر مركزية، وحزب أقوى، ومعارضة أضعف، واقتصاد منهك أجبر لينين نفسه على إعادة النظر في بعض السياسات التي اتُبعت بعد الثورة.

وهكذا لم تكن السنوات بين 1918 و1921 مجرد مرحلة دافع فيها البلاشفة عن سلطتهم.

كانت السنوات التي بدأت فيها تتشكل ملامح الدولة السوفياتية نفسها.

ومن هنا يبدأ سؤال جديد:

إذا كان لينين قد اضطر إلى التراجع اقتصاديًا عبر «النيب»، فهل كان ذلك تراجعًا مؤقتًا قبل استكمال المشروع الاشتراكي، أم بداية اعتراف بأن بناء الاشتراكية في روسيا أكثر تعقيدًا مما تصوره الثوار سنة 1917؟

يتبع...

الحلقة الخامسة: من شيوعية الحرب إلى السياسة الاقتصادية الجديدة... لماذا تراجع لينين خطوة إلى الوراء؟

الدكتور خليل كاعين

14 أيلول 2026

تعليقات: