
النبطية \ علي الطاهر (المدن)الجنوب لا يئن لأن بيوته هُدمت فحسب، بل لأن اقتصاده انهار، وأرزاق أهله تلاشت
لم يعد الجنوب وقراه مجرد عنوان لمأساة عابرة، بل صار سمفونية حزينة تعزفها البيوت المهدمة، والحقول المحروقة، والوجوه التي أنهكها الانتظار. إنها مأساة لم تفرّق بين كبير وصغير، ولا بين مؤيد للحرب أو معارض لها، ولا بين من يؤمن بخيار حزب الله أو من يتمسك بقرار الدولة وحدها. الجميع أصابتهم الكارثة ذاتها، والجميع باتوا أبناء النكبة نفسها.
ما يجمع الجنوبيين اليوم ليس الموقف السياسي، بل وجع واحد. هدم البيوت، وضياع الأعمار، وانهيار مصادر الرزق، والخوف من مستقبل لا تبدو ملامحه واضحة.
عجز الكلمات عن البوح
ولعل أكثر ما يؤلم أن الكلمات باتت عاجزة عن وصف ما يختلج في صدور الناس. فما يُقال في الإعلام أو يُكتب على وسائل التواصل الاجتماعي ليس إلا جزءًا يسيرًا من الحقيقة. أما الوجع الحقيقي، فيبقى حبيس الغرف المغلقة، وفي عيون الأمهات، وفي صمت الآباء، وفي قلوب من فقدوا كل ما بنوه بسنوات طويلة من التعب والكفاح.
قد يصرخ أحدهم حين يسمع خبر تفجير منزله أو متجره أو أرضه الزراعية، لكن آلافًا غيره يختارون الصمت، ليس لأنهم بلا رأي، بل لأنهم منشغلون بتأمين لقمة العيش، وبمحاولة إبقاء عائلاتهم على قيد الحياة، في ظل نزوح وتشرد وفقدان لأبسط مقومات الاستقرار.
الإنسان الجنوبي يعيش اليوم أسير أسئلة لا تجد جوابًا: من سيعوض خسائرنا؟ من سيعيد إلينا بيوتنا؟ متى سنرجع إلى قرانا؟ وإذا عدنا، فهل سنجد قرانا كما كانت، أم مجرد أطلال تحمل أسماءها؟
لا حول ولا قوة للدولة
ثم يأتي السؤال الأكثر إيلامًا: ماذا حلّ بالوعود التي قيلت للناس؟ أين أصبح الوعد بإعادة الإعمار "سنعيدها أفضل مما كانت"؟ وهل بقي قائمًا، أم ذاب مع مرور الوقت؟ وإذا كان الحزب أوقف بدلات الإيواء منذ سنوات، فبأي وسيلة يعيش الناس؟ وهل يكفي أن يقال لهم: «الله بيدبّر»؟
في مقابل هذه المأساة، تتجه الأنظار إلى الدولة، لكن الدولة نفسها تعاني عجزًا ماليًا هائلًا، فيما كلفة إعادة الإعمار تقدر بمليارات الدولارات. فهل هي قادرة على تحمل هذه المسؤولية الوطنية والإنسانية؟
ولا تتوقف الأسئلة هنا، بل تمتد إلى المستقبل: أيهما أولوية، الأمن أم الإعمار؟ وما الضمانة الحقيقية التي تمنع تكرار الحرب بعد سنوات، فلا يضيع كل ما سيُبنى من جديد؟
الجنوب اليوم لا يئنّ لأن بيوته هُدمت فحسب، بل لأن اقتصاده انهار، وأرزاق أهله تلاشت، وأبناءه تشتتوا بين النزوح والبطالة وفقدان التعليم والاستقرار. فلا سكن دائم، ولا عمل مستقر، ولا مدارس وجامعات تعمل بصورة طبيعية، ولا جهة أوفت بكل ما وعدت به. أما ما تقدمه المساعدات الاجتماعية، فلا يكاد يكفي لتأمين احتياجات إطعام طفل صغير.
الجنوب صندوق بريد
ورغم ضخامة المأساة، يبدو المشهد وكأن شيئًا لم يحدث، وكأن ما أصاب الجنوب لا يستحق أن يتحول إلى أولوية وطنية. هكذا تبقى حالة الإنكار سيدة الموقف، أمام واحدة من أكبر القضايا الإنسانية والوطنية التي يعيشها أبناء جبل عامل منذ عقود.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أليست الحروب، في كثير من الأحيان، يخطط لها الخبثاء، ويديرها المجانين، ويستغلها الجبناء، فيما يدفع ثمنها الأبرياء الذين لم يُستشاروا يومًا في قرار الحرب أو السلم؟
وإذا طالب هؤلاء بحقهم في الحياة الكريمة، وبمنزل يؤويهم، وبعمل يحفظ كرامتهم، اتُّهموا بالتخاذل أو بالضعف، وكأن قوة الإنسان تقاس بقدرته على احتمال هدم بيته، أو فقدان رزقه، أو تشرده.
لا... ليست البطولة أن يعتاد الإنسان الخراب، ولا الكرامة أن يتأقلم مع النزوح، ولا الصمود أن يبقى بلا بيت ولا مستقبل. فالجنوبي، قبل أي شيء، إنسان. ومن حقه أن يعيش آمنًا في أرضه، وألا تكون الحرب هي خياراً دائماً، أي خيار المزيد من الدمار أو خيار الموت أو خيار الهجرة الدائمة. الحرب ليست قدرًا على أهل الجنوب تتكرر كلما أراد أحدهم استعمال الجنوب صندوق بريد للآخرين.
الخيام | khiyam.com
تعليقات: