
تحتفظ الذاكرة الخيامية بصورة شاعر موهوب، سريع البديهة، عُرف بقصائده الغزلية ومطارحاته الشعرية وطرافته، هو **سليمان داوود عبد الله**. وعلى الرغم من حضوره اللافت في حياة البلدة، بقي جانب كبير من سيرته وشعره موزعاً بين ذاكرة معاصريه وأوراق احتفظ بها بعض الأهالي، من دون أن يُجمع، على ما يبدو، في ديوان منشور يحفظ تجربته للأجيال.
وتستند هذه المقالة إلى شهادات ومداخلات عدد من أعضاء **ديوانية منتدى الخيام**، ممن عرفوه أو سمعوا عنه أو احتفظوا بشيء من شعره.
## تلميذ في مدرسة «أبو عبدو»
يرد اسم سليمان داوود عبد الله بين تلامذة المربي المعروف في الخيام باسم **«أبو عبدو»**، الذي كان قد اعتمد في مدرسته دوامين منفصلين، أحدهما للصبيان والآخر للبنات.
وضمّ تلامذته عدداً من الشخصيات التي عُرفت لاحقاً في الحياة السياسية والدينية والأدبية، ومنهم النائب علي عبد الله، والمفتي حسين عبد الله، والشاعر أمين مخزوم، والشاعر سليمان داوود عبد الله، وحسين إبراهيم إدريس الذي كانت له محاولات في اختراع طائرة.
ويكشف ورود اسم سليمان بين هؤلاء أن موهبته الأدبية نشأت في بيئة تعليمية اهتمت باللغة والشعر، وأسهمت في ظهور عدد من أصحاب المواهب في الخيام.
## شاعر بالفطرة رغم المرض
بحسب شهادة الدكتور علي عواضة، أُصيب سليمان بمرض نادر يُعرف بالفرنسية باسم **Myasthénie**، ويُرجّح أن المقصود به الوهن العضلي. وقد أثّر المرض في عضلات النطق والبلع والعينين والرقبة والمشي، وسبّب له مشكلة واضحة في الكلام والحركة.
لكن هذا المرض لم يحجب نبوغه، ولم يمنعه من نظم الشعر، ولا سيما شعر الغزل. ويروي الدكتور علي أنه كان يقصدهم ليتلو عليهم قصائده في الفتاة التي أحبّها.
ويضيف أن تأخر تشخيص المرض وعلاجه حرم سليمان من فرصة كان يمكن أن تغيّر حياته، إذ لم تكن العلاجات المناسبة معروفة أو متوافرة في ذلك الوقت. وقد رأى في مصيره خسارة كبيرة للخيام، لأن البلدة لم تستطع احتضان موهبته كما تستحق.
وتبقى هذه المعلومات الطبية جزءاً من شهادة الدكتور علي وقراءته لحالة الشاعر، وليست مستندة، ضمن المواد المتوافرة، إلى ملف طبي منشور.
## قصائد تناقلها الناس وحفظتها الأوراق
لم يصلنا ما يؤكد أن شعر سليمان جُمع في ديوان متكامل. غير أن السيدة **ليلى السيد سعيد زلزلة، أم محمد داوود عبد الله**، ذكرت أن لديها عدداً من قصائده، جُمعت من أشخاص كانوا يكتبون له شعره ويحتفظون به.
وتكتسب هذه الأوراق أهمية كبيرة، لأنها قد تكون من المصادر القليلة القادرة على حفظ جزء من إنتاجه الأدبي. فمرضه وصعوبة النطق والكتابة ربما جعلاه يعتمد على آخرين في تدوين ما ينظمه ويلقيه.
ومن هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى جمع ما بقي من قصائده ومراجعتها وتوثيق أصحاب الأوراق التي حُفظت لديهم، تمهيداً لإصدارها في مجموعة تليق بالشاعر وذاكرة بلدته.
## قصيدة أنقذت فريقاً في مناظرة شعرية
يقدّم الأستاذ فايز أبو عباس شهادة حيّة عن مكانة سليمان الشعرية في مطلع خمسينيات القرن الماضي، حين كان تلامذة مدرسة الخيام الرسمية يقيمون مناظرات شعرية.
كان الصف ينقسم إلى فريقين، فيلقي الفريق الأول بيتاً من الشعر، وعلى الفريق الثاني أن يجيبه ببيت يبدأ بالحرف الذي انتهى به البيت السابق. وكان الفوز يتحقق حين يعجز أحد الفريقين عن استحضار بيت مناسب.
وللتغلّب على الخصوم، كان التلامذة يبحثون عن أبيات تنتهي بحروف نادرة، ويحفظونها من الدواوين، أو يقصدون شعراء الخيام طالبين مساعدتهم.
وفي إحدى زيارات سليمان داوود إلى حارة البركة، وتحديداً إلى منزل الحاج إبراهيم حيدر، الذي يعتقد الأستاذ فايز أنه كان خاله، طلب منه التلامذة نظم قصيدة تنتهي قافيتها بحرف الذال، لندرة الأبيات التي يمكن أن تبدأ به.
توقف سليمان برهة، ثم ارتجل قصيدة غزلية طويلة، حفظ الأستاذ فايز منها:
> لماذا غيّبتموه عنّي، لماذا؟
> أفي تعذيب قلبي كلّ هذا؟
>
> فقلبي لم يكن إلا حقوقاً،
> ودمعي لم يسل إلا رذاذاً.
وكانت هذه القصيدة سبباً في فوز فريق التلامذة في المناظرة، وبقي مطلعها محفوراً في ذاكرة الأستاذ فايز بعد مرور عقود طويلة.
وتكشف هذه الحادثة سرعة بديهة سليمان، وقدرته على نظم قصيدة بقافية صعبة خلال وقت قصير، فضلاً عن علاقته القريبة بالتلامذة والحياة الثقافية في البلدة.
## حضوره بين المعلّمين والتلامذة
يذكر المحامي محمد الباشا أن سليمان كان شاعراً بالفطرة، وأن مشكلة النطق التي عانى منها لم تمنعه من إيقاف المعلّمين أو المارة في الطريق ليسمعهم شيئاً من شعره.
كان بحاجة إلى من يصغي إليه، ولم يكن الشعر بالنسبة إليه ترفاً أو هواية عابرة، بل وسيلة للتعبير عن ذاته ومشاعره، وربما أيضاً لمقاومة العزلة التي فرضها عليه المرض.
ويبدو من الشهادات أن أهل الخيام عرفوه شاعراً حاضراً في الشارع والمجالس والزيارات، وأن قصائده كانت تنتقل شفوياً أو تُدوّن له بأيدي الآخرين.
## منافسة شعرية مع أمين مخزوم
ارتبط اسم سليمان داوود بالشاعر الخيامي **أمين مخزوم**، إذ كان الاثنان يتباريان باستمرار في الشعر، ويتبادلان الهجاء والممازحة اللاذعة بسرعة بديهة لافتة.
وبحسب المحامي محمد الباشا، هجا سليمان أمين مخزوم، الذي لم يتزوج ولم يُرزق أولاداً، قائلاً:
> ما فيك عزمٌ ولا ذُخرٌ ولا هممُ
> ما نفعُ بارودةٍ تخلو من الفِشَك؟
ويورد أحمد ابراهيم أن منزلي الشاعرين كانا متقابلين في الحارة نفسها، ولا يفصل بينهما سوى الشارع الرئيسي، وأنهما كانا يجلسان معاً كثيراً.
وفي إحدى الجلسات، وبعد أن ألقى أمين شيئاً من شعره، قال له سليمان ممازحاً:
> أتعلم يا أمين وأنت جاري
> بأن شعرك خنفشاري؟
فانتفض أمين ضاحكاً وردّ عليه بعفوية:
> أتتهمني بالخنفشاري
> وأنت أحمر من الحمار؟
وبقيت هذه الطرفة في ذاكرة أطفال الحارة، يرددونها لسنوات بوصفها واحدة من صور الحياة الاجتماعية المرحة في الخيام.
## الغزل والهجاء والطرافة
تُظهر الشذرات التي وصلت إلينا أن تجربة سليمان لم تقتصر على لون شعري واحد. فقد نظم الغزل، وعبّر عن الحب والحرمان، وشارك في الهجاء والممازحات الشعرية، وتميّز بالارتجال وسرعة الرد.
وكان شعره قريباً من حياة الناس ولغتهم ومجالسهم. فلم يكن شاعراً منعزلاً عن بيئته، بل كان جزءاً من يوميات الحارة والمدرسة واللقاءات، يحضر بقصيدته ونكتته، ويحوّل الموقف العابر إلى بيت شعر يعلق في الذاكرة.
## ما نعرفه وما يزال مجهولاً
على الرغم من تعدد الشهادات، ما تزال جوانب كثيرة من حياة سليمان داوود مجهولة أو غير موثقة، ومنها تاريخ ولادته ووفاته، وتفاصيل أسرته، والفتاة التي أحبّها، ومراحل تطور مرضه، وحجم إنتاجه الشعري.
ولا تتضمن الإفادات المتوافرة معلومات مؤكدة عن زواجه أو ذريته، كما لا تؤكد وجود ديوان منشور له. لذلك ينبغي عدم ملء هذه الفراغات بالتخمين، بل مواصلة البحث لدى أسرته ومعارفه، وفي أوراق أبناء جيله وأرشيفاتهم.
## دعوة إلى جمع تراثه
إن سيرة سليمان داوود ليست سيرة شاعر موهوب فقط، بل حكاية إنسان قاوم المرض والعزلة بالشعر. وقد حفظ الناس بعض أبياته وطرائفه، لكن القسم الأكبر من نتاجه لا يزال عرضة للضياع.
لذلك، فإن الوفاء له يقتضي:
جمع القصائد الموجودة لدى السيدة ليلى زلزلة وغيرِها، والتواصل مع أفراد أسرته ومعارفه، وتسجيل شهادات من بقي من أبناء جيله، والتحقق من التواريخ والأسماء والأماكن، ثم إعداد ديوان أو ملف توثيقي يضم شعره وسيرته وصوره، إن وُجدت.
فسليمان داوود واحد من أولئك الذين عاشوا في ذاكرة الناس أكثر مما عاشوا في الكتب، وحان الوقت لأن تُجمع حكايته ويُعاد إليه مكانه في الذاكرة الأدبية للخيام.
## المصادر والشهادات
أُعدّت هذه المقالة استناداً إلى المداخلات الآتية في *ديوانية منتدى الخيام*:
- المهندس عدنان سمور، 13 حزيران 2026.
- الشاعرة هدى صادق، 22 حزيران 2026.
- السيدة ليلى السيد سعيد زلزلة، أم محمد داوود عبد الله، 22 حزيران 2026.
- الدكتور علي عواضة، 22 حزيران 2026.
- الأستاذ فايز أبو عباس، 23 حزيران 2026.
- المحامي محمد الباشا، 26 تموز 2026.
- أحمد ابراهيم، 26 تموز 2026.
*ملاحظة توثيقية:* اعتمدت المقالة على شهادات الذاكرة الشفوية والمداخلات الشخصية المذكورة، وقد تختلف بعض التفاصيل أو تحتاج إلى تدقيق إضافي من الوثائق العائلية والسجلات الرسمية.
الخيام | khiyam.com
تعليقات: