
المهندس جلال يوسف عبدالله
بعد أن ظهر في الجزء الأول حوض مرج عيون كوحدة جغرافية واضحة، وبرز اسم إيون بوصفه أقدم مركز تاريخي نصل إليه في المصادر، ننتقل إلى العصر الحديدي، حيث تظهر إيون في شبكة من المراكز الشمالية، وفي منطقة شهدت تنافساً بين القوى الإقليمية، قبل أن يصل إليها التوسع الآشوري ويغيّر المشهد السياسي والسكاني للمنطقة.
1. الحملة الآرامية: إيون في قلب الصراع الإقليمي
يأتي أول ذكر واضح لإيون في سياق الصراع الذي شهدته المنطقة بين آرام والمملكة الإسرائيلية الشمالية في عهد بعشا. فبحسب النص الكتابي، استعان آسا ملك يهوذا ببنهدد ملك آرام، فتحركت القوات الآرامية في الشمال، وكانت إيون من المواقع التي ضربتها تلك القوات:
«فضرب عيون ودان وآبل بيت معكة وآبل القمح وكل كنروت مع كل أرض نفتالي».
ويضع هذا النص إيون ضمن منطقة كانت تتقاطع فيها مصالح القوى الإقليمية وتتنافس على طرقها ومراكزها، فكانت واحدة من المواقع التي امتدت إليها هذه الصراعات.
ويرتبط موقع إيون في الدراسات الحديثة بتل دبين، الذي عرفه إدوارد روبنسون لاحقاً باسم تل ناما، ورأى في آثاره وموقعه المشرف على المرج احتمالاً لموضع إيون القديمة. وقد ظل هذا التحديد موضع بحث، وهو ما سنعود إليه عند تناول الشواهد الجغرافية والأثرية للموقع.
وهكذا تظهر إيون في السجل التاريخي كمركز في منطقة استراتيجية تتجاذبها القوى المحيطة بها.
2. من الصراع الإقليمي إلى التوسع الآشوري
بعد نحو قرن، دخلت المنطقة مرحلة جديدة مع التوسع الآشوري غرباً. ففي عهد فقح، تحرك تغلث فلاسر الثالث في حملاته بين 734 و732 ق.م.، واجتاح مناطق واسعة من بلاد الشام وأعاد تنظيمها تحت السلطة الآشورية.
ويذكر سفر الملوك الثاني:
«وأخذ عيون وآبل بيت معكة ويانوح وقادش وحاصور وجلعاد والجليل، كل أرض نفتالي، وسباهم إلى أشور.»
وتكشف الرواية عن تحول كبير؛ فقد وصلت إلى المنطقة قوة إمبراطورية توسعت غرباً، واستولت على المدن ونقلت سكانها إلى آشور.
وتؤكد النقوش الملكية لتغلث فلاسر الثالث جانباً أساسياً من هذا التحول، إذ تسجل إخضاع الأراضي الشمالية وإدخالها في النظام الآشوري، ومن ذلك ما يرد في أحد نقوشه:
«الأرض الواسعة لنفتالي بأكملها أدخلتها ضمن حدود آشور، وعيّنت عليها حاكماً».
وبذلك لم تكن الحملة الآشورية غزوة عسكرية عابرة، بل بداية إعادة تنظيم سياسي وإداري للمنطقة، رافقها نقل للسكان من الأراضي التي أخضعتها آشور.
3. الترحيل والتحول السكاني
كان نقل السكان إحدى أدوات السياسة الآشورية في المناطق التي أخضعتها. ويذكر النص الكتابي، في حديثه عن إيون والمدن الشمالية:
«وسباهم إلى أشور».
ويشكل هذا النص شاهداً مباشراً على الترحيل الذي رافق الحملة. وتؤكد المصادر الآشورية بدورها سياسة نقل السكان وإعادة تنظيم الأراضي الخاضعة للحكم الآشوري.
أما أثر هذه العملية في كل موضع من مواضع الحوض، فلا تظهره المصادر المتاحة بصورة متصلة، ولذلك تبقى تفاصيل المرحلة اللاحقة مرتبطة بما تكشفه الشواهد التي ستأتي بعدها.
4. نهاية مرحلة إيون
بعد الحملة الآشورية يتراجع اسم إيون في السجل السياسي الذي وصل إلينا، ولا نجد نصاً متصلاً يروي ما جرى للموقع في العقود والقرون التالية. غير أن هذا التراجع في ظهور الاسم لا يعني بالضرورة نهاية الاستيطان فيه، إذ ستكشف المراحل اللاحقة عن المنطقة من خلال أنواع أخرى من الأدلة، من الآثار والأسماء الجغرافية والطرق والمراكز التي ظهرت في عصور جديدة.
وهنا تنتهي هذه المرحلة من البحث: من إيون التي ظهرت في قلب التنافس الإقليمي، إلى دخول المنطقة في النظام الآشوري وما رافق ذلك من تحولات سياسية وسكانية.
خلاصة المرحلة
تكشف نصوص العصر الحديدي عن حوض استراتيجي دخل في دائرة التنافس بين القوى الإقليمية، وبرزت فيه إيون بوصفها أحد مراكزه. ثم وصلت إليه الحملات الآشورية في القرن الثامن قبل الميلاد، فاستولت على عدد من المراكز وأعادت تنظيم الأراضي الخاضعة لها، ورافق ذلك ترحيل للسكان إلى آشور.
وبذلك تنتهي المرحلة الأولى الموثقة في تاريخ إيون، وتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ الحوض، سيكون السؤال فيها: ماذا بقي من هذه المراكز، وكيف تغيرت المنطقة بعد التحول الآشوري؟
مصادر الجزء الثاني:
سفر الملوك الأول، 15:20 — ذكر إيون ضمن المدن التي تعرضت للحملة الآرامية.
سفر الملوك الثاني، 15:29 — ذكر الاستيلاء على إيون والمدن الشمالية وترحيل السكان إلى آشور.
Gershon Galil, “A New Look at the Inscriptions of Tiglath-Pileser III” — دراسة نقوش تغلث فلاسر الثالث ومقارنتها بالنص الكتابي.
Peter Dubovský, “Tiglath-Pileser III’s Campaigns in 734–732 B.C.” — دراسة حملات تغلث فلاسر الثالث ومقارنة المصادر الآشورية والكتاب المقدس.
Tiglath-Pileser III, Kalah Palace Summary Inscription 4 — شاهد آشوري على الحملات وضم الأراضي الشمالية وإعادة تنظيمها.
Gal Zvi, “Exile in Israel” — مقارنة المصادر الآشورية والكتاب المقدس والشواهد المتعلقة بسياسة الترحيل.
Encyclopedia of the Bible, “Ijon” — موقع إيون المقترح وعلاقتها بالطرق والمراكز الشمالية، مع عرض التحفظات المتعلقة بتحديد الموقع.
(يتبع)
المهندس جلال يوسف عبدالله
الخيام عبر العصور - الجزء الأول: حوض مرجعيون الذي سبق الخيام


تل دبين
الخيام | khiyam.com
تعليقات: