
المربي الأستاذ فايز أبو عباس
من «السرتفيكا» إلى التعليم التكميلي... ثم إلى فضاء العمل
«السرتفيكا»... شهادة كانت تفتح أبواب الوظيفة
في أربعينيات القرن العشرين، ومع استقلال لبنان عن الانتداب الفرنسي والشروع في بناء مؤسسات الدولة، كانت الشهادة الابتدائية، المعروفة آنذاك باسم «السرتفيكا»، تتمتّع بقيمة علمية واجتماعية كبيرة.
ففي زمن كانت فيه نسبة المتعلّمين محدودة، كان حامل هذه الشهادة يستطيع أن يتقدّم للعمل في التعليم الابتدائي بصفة وكيل معلّم، نظراً إلى الحاجة إلى الكوادر التعليمية وقلّة المؤهّلين المتوافرين آنذاك.
وفي بلدتنا الخيام، كانت المرحلة التعليمية المتاحة في المدرسة الرسمية تنتهي بالحصول على الشهادة الابتدائية، الأمر الذي كان يضع كثيراً من التلامذة أمام خيارين: إمّا التوقّف عن الدراسة والبحث عن عمل، وإمّا الانتقال إلى بلدات ومدن أخرى لمتابعة تحصيلهم العلمي، إذا كانت ظروف عائلاتهم المادية تسمح بذلك.
لكنّ مدير المدرسة الرسمية، الأستاذ والمربّي الجليل علي حسين عبدالله، رحمه الله، لم يكن راضياً عن هذا الواقع، وكان يحمل طموحاً يتجاوز الإمكانات المحدودة المتاحة في البلدة.
الأستاذ علي حسين عبدالله... حلم بتوسيع آفاق التعليم في الخيام
كان الأستاذ علي عبدالله يؤمن بأنّ مستقبل الخيام وأبنائها يرتبط بالعلم والمعرفة، وأنّ المدرسة لا ينبغي أن تكون مجرّد محطة تنتهي عند الشهادة الابتدائية.
ومن هذا المنطلق، أخذ على عاتقه العمل على افتتاح الصفّ الأول من المرحلة التكميلية، التي كانت تمتدّ آنذاك على أربع سنوات دراسية، وتنتهي بالحصول على الشهادة التكميلية، المعروفة باسم «البريفيه».
وقد استقبلنا نحن التلامذة الذين تقدّمنا لامتحانات الشهادة الابتدائية هذا المشروع بكثير من الأمل والحماسة، إذ أصبح بإمكاننا أن نحلم بمتابعة تعليمنا في الخيام، من دون الاضطرار إلى مغادرة البلدة أو تحميل عائلاتنا أعباء إضافية.
لكنّ الخطوة الأولى كانت انتظار صدور نتائج امتحانات «السرتفيكا»، التي ستحدّد مصيرنا الدراسي وانتقالنا إلى المرحلة الجديدة.
انتظار النتائج... أيام من القلق والترقّب
بعد انتهاء الامتحانات الرسمية، بدأت أيام الانتظار الطويلة.
كنّا نلتقي بزملائنا التلامذة، ونتبادل التوقّعات والتقديرات بشأن النتائج، فيؤكّد بعضنا أنّه أجاب عن الأسئلة بصورة جيّدة، بينما يبدي آخرون خشيتهم من أخطاء ارتكبوها في بعض المواد.
وكانت الأحاديث تتأرجح بين التفاؤل والقلق، إلى أن بدأت تصلنا أخبار تفيد بأنّ النتائج ستصدر تباعاً خلال الأيام المقبلة.
لكنّ السؤال الذي كان يشغلنا جميعاً هو:
كيف سنعرف النتائج؟
ومتى ستصدر؟
وأين يمكننا الاستفسار عنها؟
فالمدرسة كانت مقفلة خلال العطلة الصيفية، والمعلّمون يقضون إجازاتهم في منازلهم وبين عائلاتهم، ولم تكن لدينا وسيلة مباشرة لمعرفة أسماء الناجحين.
ولم يبقَ أمامنا سوى الهاتف، الذي كان آنذاك من وسائل الاتصال النادرة في الخيام.
الهاتف الوحيد في الخيام... وسنترال يعمل بالدينامو
في تلك الفترة، لم يكن في بلدتنا، على ما أذكر، سوى هاتف واحد متاح للأهالي، وكان موجوداً في محلّ السيّد حسن أمين عبدالله التنوخي، رحمه الله، في ساحة الخيام الرئيسية.
وكان الهاتف من الطراز القديم، ويعمل بواسطة دينامو يُدار باليد للاتصال بالسنترال المركزي، الذي لم نكن نعرف على وجه التحديد موقعه، وما إذا كان في جديدة مرجعيون أم في النبطية.
وكان المحلّ يقع في ساحة البلدة، حيث تنتصب المنارة التي أُقيم في قاعدتها سبيل ماء، يقصده العطاشى من المارّة والمقيمين، فيرتوون من مائه.
وقد ارتبط هذا المكان في ذاكرتي بواحدة من أجمل لحظات طفولتي، حين عرفت أنّني نجحت في الشهادة الابتدائية.
حسن أمين التنوخي... إنسان راعى مشاعر التلامذة
كان السيّد حسن أمين عبدالله التنوخي رجلاً خلوقاً ومهذّباً، يتميّز بحسن التعامل مع الناس، والحرص على مشاعرهم وكرامتهم.
وكان يعرف مقدار القلق الذي يعيشه التلامذة بانتظار نتائج امتحاناتهم، ولذلك ابتكر أسلوباً لطيفاً في إبلاغهم بها، يتجنّب من خلاله جرح مشاعر من لم يحالفهم الحظّ.
فكان يتّصل بالجهات المعنية للاستفسار عن النتائج، ثم يدوّن أسماء التلامذة وأرقامهم ونتائجهم في دفتر خاص.
وعندما يقصده أحد التلامذة ويسأله عن نتيجته، كان يراجع ما دوّنه في دفتره.
فإذا كانت النتيجة سلبية، أي إنّ التلميذ لم ينجح، لم يكن يصارحه بذلك مباشرة، بل يقول له برفق: «يا ابني، نتيجتك بعد ما صدرت... النتائج عم تصدر تباعاً».
وكان يفعل ذلك حفاظاً على معنويات التلميذ، وتجنّباً لإحراجه أو تعريضه لصدمة الرسوب أمام الآخرين.
أمّا إذا كانت النتيجة إيجابية، فكانت له طريقة أخرى لا تخلو من الطرافة واللطف.
«معك فرنك؟»... لحظة إعلان النجاح
عندما يكون التلميذ ناجحاً، كان السيّد حسن يلتفت إليه ويسأله:
«معك فرنك؟»
فإذا أجابه بالإيجاب، قال له:
«هات الفرنك، حتى اتّصل واستفسر عن نتيجتك».
وكان الفرنك يساوي خمسة قروش لبنانية، وهو مبلغ كانت له قيمته الشرائية في ذلك الزمن.
وقد شاع استعمال تسمية «فرنك» في التعاملات النقدية، في مرحلة ارتبط فيها النظام النقدي اللبناني بتاريخ الانتداب الفرنسي وبنك سوريا ولبنان.
وما زلت أذكر ذلك اليوم الذي قصدته فيه للاستفسار عن نتيجة امتحاني.
سألني إن كان معي فرنك، فأعطيته إيّاه، وما إن استقرّ في يده حتى ابتسم، وربت على كتفي قائلاً:
«برافو... مبروك النجاح!»
كانت لحظة لا تُنسى.
فقد انتهت أيام القلق والترقّب، وتحوّل الخوف من الرسوب إلى فرحة كبيرة، شعرت معها بأنّ جهودي خلال السنة الدراسية قد أثمرت أخيراً.
وهكذا طويت صفحة المرحلة الابتدائية، وأصبح علينا الاستعداد لمرحلة جديدة من حياتنا الدراسية.
افتتاح الصف الأول التكميلي... حلم يتحقّق عام 1950
بعد صدور نتائج الشهادة الابتدائية، بدأنا نستعدّ للانتقال إلى المرحلة التكميلية التي كان الأستاذ علي عبدالله يعمل بكلّ جدّ وإصرار على افتتاحها في مدرسة الخيام الرسمية.
وكان هذا المربّي، الذي أعتبره بحقّ أحد أبرز روّاد التعليم والثقافة والوعي في الخيام، يبذل جهوداً كبيرة لتأمين المعلّمين والغرف الدراسية اللازمة لاستيعاب الصفوف الجديدة.
ولم تكن المهمة سهلة، فالمرحلة التكميلية تتطلّب أساتذة مؤهّلين لتدريس مواد أكثر تقدّماً، إضافة إلى غرف وتجهيزات تتناسب مع أعداد التلامذة ومستوياتهم الدراسية.
وكانت الشهادة التكميلية، المعروفة باسم «البريفيه»، تفتح لحاملها آفاقاً أوسع في مجال العمل والتعليم والوظائف العامة، كما تتيح له متابعة الدراسة الثانوية وصولاً إلى شهادة البكالوريا بقسمَيها الأول والثاني، تمهيداً للالتحاق بالجامعة.
وبفضل جهود الأستاذ علي عبدالله، افتُتح الصفّ الأول التكميلي في العام الدراسي 1950–1951.
وكان حدثاً مهماً بالنسبة إلينا، لأنّه أتاح لنا متابعة تعليمنا في بلدتنا، من دون الحاجة إلى الانتقال إلى مدينة أخرى.
وقد أنهينا ذلك العام بنجاح، وكان مدير المدرسة يشرف بنفسه على تدريس بعض المواد ومتابعة شؤون التلامذة.
من الصف الأول إلى الثاني... آمال تكبر مع السنوات
مع بداية العام الدراسي 1951–1952، انتقلنا إلى الصفّ الثاني التكميلي، ونحن نحمل الحماسة نفسها والرغبة في متابعة الدراسة والتقدّم في التحصيل العلمي.
كنّا نشعر بأنّ الطريق قد أصبح مفتوحاً أمامنا، وأنّنا نستطيع، مع الجدّ والاجتهاد، بلوغ الشهادة التكميلية، وربما متابعة التعليم الثانوي والجامعي لاحقاً.
وقد واصلنا دراستنا بعزم وإصرار، وأنهينا الصفّ الثاني بنجاح.
ومع اقتراب العام الدراسي 1952–1953، بدأنا نستعدّ للصفّ الثالث التكميلي، متطلّعين إلى الاقتراب خطوة إضافية من تحقيق هدفنا.
لكنّ الأحداث لم تسر كما تمنّينا، وبدأت تظهر عقبات لم تكن في الحسبان.
بداية التعثّر... مشكلات سلوكية ونقص في المعلّمين
مع انطلاق العام الدراسي الجديد، ظهرت بعض المشكلات التي لم تكن تبشّر بالخير.
فمن جهة، بدأت تبرز إشكالات تتعلّق بسلوك بعض التلامذة، ولا سيّما أنّ أعمار عدد منهم كانت قد أصبحت قريبة من سنّ الرشد، ولم يعودوا أطفالاً صغاراً كما كنّا في المرحلة الابتدائية.
وقد انعكس ذلك أحياناً على العلاقة بين التلامذة والمعلّمين، وعلى الأجواء العامة داخل المدرسة.
لكنّ المشكلة الأكثر خطورة لم تكن سلوكية، بل تعليمية وإدارية.
فقد واجهت المدرسة صعوبات في تأمين أساتذة لبعض المواد العلمية، إضافة إلى عدم توافر الغرف الدراسية الكافية لاستيعاب الصفوف الجديدة والصفوف القائمة.
وكانت هذه الصعوبات تتجاوز، على ما يبدو، إمكانات المدرسة المحدودة، في ظلّ عدم توافر الدعم الكافي لتوسيع المرحلة التكميلية واستمرارها.
وهكذا بدأت أحلامنا بمواصلة التعليم تواجه واقعاً صعباً، لم يكن لنا، نحن التلامذة، أي قدرة على تغييره.
إلغاء الصف الثالث... حين انقطع الحبل في منتصف البئر
ثم وقعت المفاجأة التي لم نكن نتوقّعها.
فبعد مرور أكثر من شهرين على بداية العام الدراسي، تقرّر إلغاء الصفّ الثالث التكميلي، بسبب الصعوبات التي واجهت استمرار الدراسة.
وكان القرار صادماً لنا جميعاً.
لقد أمضينا سنوات نحلم بمتابعة تعليمنا، ونجحنا في الصفّين الأول والثاني، وبدأنا عامنا الثالث، فإذا بنا نجد أنفسنا فجأة خارج المدرسة، من دون بديل واضح.
وكما يقول المثل الشعبي: «انقطع الحبل بنصّ البير!»
فإلى أين نذهب في هذا الوقت من السنة الدراسية؟
وكيف يمكننا الالتحاق بمدارس أخرى بعدما مضى أكثر من شهرين على بدء الدراسة؟
كانت أسئلة صعبة، ولم تكن الإجابات عنها متاحة للجميع.
تفرّق التلامذة... بين متابعة الدراسة والبحث عن العمل
بعد إلغاء الصفّ الثالث التكميلي، تفرّق التلامذة، وأخذ كلّ واحد يبحث عن طريق يناسب ظروفه وإمكانات عائلته.
فمنهم من استطاع الانتقال إلى النبطية لمتابعة دراسته، ومنهم من توجّه إلى صيدا، حيث كانت تتوافر مدارس تتيح استكمال المرحلة التكميلية.
لكنّ هذا الخيار لم يكن متاحاً إلا لمن تستطيع عائلته تحمّل نفقات الانتقال والإقامة والتعليم، وما يرافق ذلك من مصاريف إضافية.
أمّا أبناء العائلات محدودة الدخل، ومن بينهم أمثالي، فلم يكن أمامهم سوى البقاء في بيوتهم، والبحث عن عمل أو فرصة أخرى تساعدهم على بناء مستقبلهم.
وهكذا تحوّل حلم مواصلة التعليم إلى واقع مختلف تماماً، فرضته الظروف الاقتصادية ومحدودية الفرص التعليمية المتاحة في ذلك الزمن.
ولم يكن الأمر سهلاً على تلميذ كان يطمح إلى متابعة دراسته، فإذا به يجد نفسه مضطرّاً إلى التفكير في العمل قبل الأوان.
والدي في الكويت... بداية طريق جديد للعائلة
بالنسبة إليّ، جاءت هذه التطوّرات في وقت كان والدي قد سافر حديثاً إلى الكويت للعمل هناك.
فقد بدأت الكويت، خلال تلك المرحلة، تستقطب أعداداً متزايدة من العمّال والفنيين، مع توسّع أعمال استخراج النفط وبدء مشاريع البناء والإعمار وتجهيز البنية التحتية.
وكانت الشركات الأجنبية، ولا سيّما البريطانية، تؤدّي دوراً بارزاً في تنفيذ عدد من هذه المشاريع، التي احتاجت إلى أيدٍ عاملة ذات خبرة في المهن والحرف المختلفة.
وقد شكّلت هذه الفرص باب رزق جديداً لكثير من أبناء الخيام وجبل عامل، وخصوصاً أصحاب المهن الفنية، كالبنّائين والنجّارين والحدّادين وغيرهم.
وكان والدي، الذي عاد من فلسطين إلى مهنته القديمة في نحت الحجارة والبناء، من بين الذين وجدوا في الكويت فرصة للعمل وتحسين ظروف العائلة المعيشية.
أمّا أنا، فقد وجدت نفسي أمام منعطف جديد في حياتي.
فبعد أن كنت تلميذاً يسعى إلى الحصول على الشهادة التكميلية، أصبحت أفكّر في المستقبل الذي ينتظرني خارج مقاعد الدراسة، وفي الخيارات التي قد تتيحها لي الظروف الجديدة.
من مقاعد الدراسة إلى فضاء الحياة
حين أستعيد اليوم تلك المرحلة، أدرك كم كانت الفرص التعليمية محدودة أمام أبناء القرى والبلدات الجنوبية، وكم كان استمرار الدراسة مرتبطاً بقدرة العائلة على تحمّل نفقاتها.
كما أدرك حجم الجهود التي بذلها المربّي الراحل علي حسين عبدالله، الذي حاول، بإمكانات متواضعة وإرادة كبيرة، أن يفتح أمام أبناء الخيام أبواباً جديدة للعلم والمعرفة.
لقد نجح في تحقيق حلم افتتاح الصفوف التكميلية الأولى، لكنّ الظروف حالت دون استكمال المشروع كما كان يتمنّى.
وبقيت تلك التجربة شاهداً على أهمية دور المعلّم والمربّي في حياة المجتمع، وعلى ما يمكن أن تحقّقه الإرادة الفردية حين تقترن بالإيمان برسالة التعليم.
أمّا بالنسبة إلينا، فقد كان إلغاء الصف الثالث التكميلي نهاية مرحلة وبداية أخرى، انتقلنا فيها، على غير رغبتنا، من مقاعد الدراسة إلى التفكير في العمل وتحمل مسؤوليات الحياة.
وهكذا انتهت رحلتي المدرسية في الخيام، لا لأنّ طموحي إلى العلم قد انتهى، بل لأنّ الظروف لم تسمح لي بمواصلة الطريق الذي بدأت أسير فيه.
وكانت المرحلة المقبلة تحمل معها تجربة جديدة، ارتبطت بسفر والدي إلى الكويت، وما فتحه ذلك البلد من أبواب للعمل أمام كثير من أبناء الخيام.
فكيف بدأت رحلة العمل في الكويت؟ وكيف انعكست على حياتنا ومستقبلنا؟
هذا ما سأحاول استعادته في الحلقة المقبلة من ذكريات الماضي وأيام الصبا في الخيام.
فايز أبو عباس
يتبع: الذهاب إلى الكويت... بداية مرحلة جديدة.
الخيام | khiyam.com