
المربي الأستاذ فايز أبو عباس
بين مقاعد المدرسة التي كنّا نراها قيداً لحريتنا، وسهرات الأهل حول مواقد الحطب، وحكايات الجدّات، واجتماع العائلة تحت سقف واحد... يستعيد الأستاذ فايز أبو عباس صوراً من طفولة مضت، ومن زمن كانت فيه الحياة بسيطة، والقلوب متقاربة، قبل أن تُباعد الغربة والمسافات بين الأهل والأحبّة.
المدرسة في عيون الأطفال... قيدٌ لم نفهم قيمته
هي ذكريات أطفال صغار، لم تكن أعمارهم تتجاوز السنوات العشر، وكانت المدرسة في نظرهم نوعاً من الأسر، ومكاناً يُحتجزون فيه ساعات طويلة، ويُحرمون خلاله من اللعب واللهو والانطلاق على سجيتهم.
لم نكن يومها ندرك المعنى الحقيقي لوجود المدرسة، ولا نفهم أنّها الطريق الذي يُعبّد أمامنا دروب الحياة، ويُنير عقولنا بالوعي والمعرفة، ويفتح لنا أبواب اكتشاف أسرار العالم، والتعمّق في سبر أغواره، وصولاً إلى حياة أفضل ومستقبل أحسن.
كلّ ما كنّا نعرفه أنّ المدرسة تقتطع من أوقات لعبنا، وتقيّد حريتنا الصغيرة التي كنّا نراها أثمن ما نملك!
زمن بلا تلفزيون ولا هواتف... حين كانت السهرات تجمع أهل الحارة
في تلك الأيام، لم تكن هناك أجهزة تلفزيون ولا حواسيب ولا هواتف محمولة. وكان أقصى ما يتوافر لدى بعض العائلات الميسورة جهاز راديو يستمعون من خلاله إلى الأخبار والبرامج.
أما السهرات، فكانت عالماً آخر من التواصل الإنساني المباشر.
كان الكبار يجتمعون ويتبادلون الأحاديث عن أعمالهم الزراعية والتجارية، وعن شؤون البلدة وأهلها، وما يجري بين الجيران والأقارب من أحداث ومناسبات.
هذا قال، وذاك فعل، وهؤلاء اختلفوا، وأولئك تصالحوا... وهكذا كانت أخبار الناس وحكاياتهم تشكّل مادة السهرات اليومية، في مجتمع يعرف أبناؤه بعضهم بعضاً، ويتابعون تفاصيل حياتهم بمحبة واهتمام.
«الطبلية» وأوراق اللعب... حماسة وضحكات ومشاحنات عابرة
كان الشباب يجدون تسليتهم في ألعاب الورق، ولا سيما «الباصرة» و«الطرنيب» و«الأربعة عشر».
وكانوا يفترشون الأرض، ويجلسون حول «الطبلية»، وهي طاولة خشبية صغيرة لا يزيد ارتفاعها عن الأرض على ثلاثين سنتيمتراً، تُوزّع فوقها أوراق اللعب.
ومع تقدّم السهرة واشتداد المنافسة، كانت الحماسة ترتفع، وتبدأ الأعصاب بالتوتّر، خصوصاً عندما تظهر بوادر الخسارة أو يقع أحد اللاعبين في خطأ يُكلّف فريقه الكثير.
عندها ترتفع الأصوات، ويبدأ الصراخ والعتاب، وربما السباب والشتائم العابرة بين الشركاء!
فهذا أخطأ في اللعب، وذاك لم يفهم إشارة شريكه، وثالث لم يستجب لـ«الغمرة»، فتسبّب في خسارة «الليخة»، أو أتاح للخصم أن يحصل على «باصرة»!
وكانت هذه المشاحنات، على حدّتها أحياناً، جزءاً من متعة السهرات، سرعان ما تتبدّد ليعود الجميع إلى الضحك والألفة.
«الداخون»... دفء البيوت القديمة ومركز الحياة العائلية
كانت هذه اللقاءات تُقام، خصوصاً في ليالي الشتاء الباردة، حول مواقد النار بالقرب مما كنّا نسمّيه «الداخون».
والداخون يشبه المدافئ المفتوحة التي نشاهدها اليوم في الفيلات والمنازل الحديثة، لكنّ الفارق بين الأمس واليوم كبير.
فالمدفأة الحديثة قد تُشيّد من الحجارة المنقوشة ذات الأشكال والألوان الجميلة، وتُراعى في تصميمها الناحية الهندسية والزخرفية، لتكون جزءاً من ديكور المنزل وأناقته.
أما «الداخون» القديم، فكان يُبنى من الطين والقصب، ولم يكن مجرّد وسيلة للتدفئة، بل كان يؤدي وظائف عديدة، من الطهو والشواء إلى تدفئة أفراد الأسرة الذين يتحلّقون حوله.
وكان وقوده الحطب، وأحياناً أقراصاً تُصنع يدوياً من روث الحيوانات الممزوج بالتبن أو القش الخشن، وتُجفّف لتُستخدم وقوداً.
هناك، حول النار، كانت العائلة تجتمع، وتدور الأحاديث، وتتوالى الحكايات، وتمضي ساعات الليل في دفء لا تمنحه النار وحدها، بل تمنحه أيضاً الألفة التي تجمع القلوب.
سهرات الصيف تحت أشجار الكينا والجوز والتين
أما في الصيف، فكانت السهرات تنتقل من داخل البيوت إلى الحدائق المحيطة بها.
وكان من النادر أن يخلو بيت أو دار في الخيام من حديقة تضمّ أشجاراً مثمرة أو ظليلة، كالكينا والصنوبر واللوز والجوز والتين والزيتون.
تحت ظلال تلك الأشجار، كانت العائلات والجيران يجتمعون في أمسيات الصيف، ويتبادلون الأحاديث والحكايات، فيما يتسابق كبار السن إلى رواية القصص التي توارثوها عن الأجداد.
وكانت حكايات الأبطال والشجعان تحتلّ مكانة مميّزة في تلك السهرات، من قصص عنترة بن شدّاد إلى أبي زيد الهلالي والمهلهل، وغيرها من السير الشعبية التي كانت تأسر خيال الصغار والكبار.
كنّا نصغي إلى تلك الروايات بشغف، ونتخيّل أبطالها ومعاركهم ومغامراتهم، وكأنّنا نعيش أحداثها معهم.
لم تكن لدينا شاشات تعرض الصور المتحرّكة، لكنّ خيالنا كان يصنع من الكلمات عالماً واسعاً لا حدود له.
زمن البساطة والطيبة... حين كان الجار سنداً لجاره
كانت البساطة والطيبة من أبرز سمات الإنسان في تلك الأيام.
كان همّه الأساسي تأمين قوت عائلته وكسائها ومأواها، والعمل من أجل حياة كريمة، لكنّ اهتمامه لم يكن محصوراً بأسرته وحدها، بل كان يمتدّ إلى الجيران وأبناء الحارة والبلدة.
كانت كلمات «العون» و«المعونة» و«الفزعة» جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية.
إذا احتاج أحد إلى المساعدة، وجد من يقف إلى جانبه. وإذا ألمّت بعائلة مصيبة، شاركها الجيران حزنها، كما كانوا يشاركونها أفراحها ومناسباتها السعيدة.
وكانت النساء يجتمعن بصورة دورية في مناسبات العمل المنزلي، ولا سيما عند إعداد الخبز على الصاج أو في التنّور، وتحضير مؤونة الشتاء من المخلّلات وسائر أنواع الكبيس، أو تصنيع مشتقّات الحليب واللبن، وإعداد البرغل والكشك.
لم تكن تلك الأعمال مجرّد واجبات منزلية، بل كانت مناسبات اجتماعية تتبادل خلالها النساء الأحاديث والخبرات، وتتعزّز بينها روابط المحبة والتعاون.
«فلّاح مكفّي... سلطان مخفّي»
لم يكن إنسان ذلك الزمن منشغلاً بما يجري في أقاصي الدنيا.
فلم تكن أخبار اليابان وأميركا، ولا تحرّكات الأساطيل والحصار والعقوبات وقطع العلاقات الدبلوماسية، تتدفّق إلى مسامعه كما يحدث اليوم.
كان عالمه أضيق من حيث المسافات والأخبار، لكنّه ربما كان أوسع من حيث راحة البال والطمأنينة.
كانت همومه تدور في محيط بيته وأرضه وعمله وأهله، وكان يجد في الاكتفاء بما يملك نعمةً لا تُقدّر بثمن.
ولعلّ المثل الشعبي الذي كان شائعاً آنذاك يختصر هذه الفلسفة البسيطة في الحياة:
فالاكتفاء بالقليل، مع راحة البال، كان عند الكثيرين أغلى من الغنى والجاه والسلطان.
العائلة الواحدة... بيت واحد وقلب واحد
كم كنّا سعداء في طفولتنا!
كانت العائلة تشكّل خلية إنسانية متماسكة، يعمل أفرادها معاً، ويفرحون معاً، ويحزنون معاً.
لم يكن الفرح حكراً على فرد، ولا الحزن عبئاً يحمله شخص وحده.
كنّا نعيش في بيت واحد، ونجتمع تحت سقف واحد، وننام أحياناً في غرفة واحدة، ونتناول طعامنا من «جاط» واحد أو قصعة فخارية واحدة.
لم نكن نشعر بالغربة أو الوحدة، لأنّ الجميع كانوا حاضرين في حياتنا اليومية.
كان الجدّ والجدّة والأب والأم والأبناء والأحفاد يشكّلون عالماً عائلياً متكاملاً، تتداخل فيه الأجيال وتتوارث المحبة والعادات والذكريات.
كان الأحفاد ينامون في أحضان الأجداد، ويلعبون على أكتافهم، ويصغون إلى أغاني الجدّات وحكاياتهن، حتى يغلبهم النعاس على وقع أصواتهن الحنون وهدهداتهن الدافئة.
كانت تلك اللحظات تصنع في نفوس الأطفال شعوراً بالأمان والانتماء، لا تستطيع السنون أن تمحوه من الذاكرة.
من البيت الواحد إلى القارات الخمس... كيف تبدّلت أحوال العائلة؟
أما اليوم، فقد تبدّلت الأحوال.
أصبح لكلّ فرد غرفته الخاصة، وصحنه الخاص، وعالمه الخاص، حتى بات اللقاء بين أفراد الأسرة الواحدة أقلّ مما كان عليه في الماضي.
وزادت الهجرة والاغتراب من تباعد العائلات، فتفرّق أفرادها بين القارات الخمس.
قد يكون الأب في قارة، والأبناء في قارات أخرى، والأحفاد في بلدان لم يزرها أجدادهم يوماً.
وأصبحت اللقاءات العائلية التي كانت تحدث يومياً مقتصرة على المناسبات القليلة، أو على مكالمات عبر الهاتف، تنقل الصورة والصوت، لكنها تعجز عن نقل دفء المصافحة والعناق.
كم هو مؤلم أن يصبح الجدّ غريباً عن أحفاده، لا يعرف بعضهم إلا من خلال الصور، وربما لا يحفظ أسماءهم جميعاً!
وكم هو موجع أن يسأل الأب عن ولده وحفيده، فلا يجدهما أمامه، بل يراهما صورتين على شاشة صغيرة، يتحدّث إليهما عبر الأثير، من دون أن يستطيع لمسهما أو احتضانهما!
أين أيامنا هذه من أيام الأمس؟ وأين العائلة التي كانت تجمع الأب والأم والأبناء والأحفاد تحت سقف واحد؟
حين تصبح الذكريات ملاذاً من الوحدة
لا تزال أيام الطفولة محفورة في الذاكرة، تُحرّك المشاعر كلّما عقدنا مقارنة بين الأمس واليوم.
كيف نشأنا وتربّينا على المحبة والتعاون والإخلاص والوفاء، في بيت واحد وأسرة متماسكة، وكيف أصبحنا اليوم نبحث عن وجوه أحبّتنا عبر شاشات الهواتف!
تمرّ الأيام، ويعتصر الألم النفوس، وننظر حولنا فلا نرى إلا الجدران، تتسلّل إليها خيوط الضوء من خلف ستائر النوافذ.
ولم يبقَ لنا أحياناً من تسلية سوى أن نغمض أعيننا، ونعود بخيالنا إلى الماضي، نستحضر صور طفولتنا، ووجوه أهلنا وأحبّتنا، وأصواتهم التي لا تزال تتردّد في أعماقنا.
أعود إلى القلم والورقة والشاشة، وأسجّل شيئاً من هذه الانطباعات الموجعة، علّ الكتابة تُخفّف وطأة الوحدة، وتعيد إلى الذاكرة بعضاً من دفء الأيام الجميلة.
ولم تعد هذه الغربة محصورة في العلاقة بين الآباء والأبناء والأحفاد، بل امتدّت إلى الإخوة والأخوات الذين كانوا، في الماضي، يؤلّفون خلية إنسانية واحدة، تتفاعل بالمحبة والخير والتعاون.
أما اليوم، فأسأل: أين أخي؟ وأين أختي؟
هذا في بلد، وذاك في قارة بعيدة، وحتى الأخ الذي يسكن قريباً منّي، قد لا أراه إلا نادراً!
كأنّنا أصبحنا غرباء، لكلّ منّا عالمه الخاص، وأعماله وهمومه وانشغالاته.
فأين هذه الأيام من أيام الطفولة التي كانت تجمع الآباء والأبناء والأحفاد، والإخوة والأخوات، في بوتقة حياة اجتماعية واحدة؟
«رحم الله أياماً تركتها غير آسف... فلمّا وصلت إلى غيرها بكيت عليها»
ما أعجب تقلّبات الزمن!
كم من أيام مضت، لم نكن ندرك قيمتها ونحن نعيشها، ولم نعرف مقدار ما كانت تختزنه من سعادة وطمأنينة إلا بعدما ابتعدت عنّا!
لقد كنّا نعيش البساطة بكلّ ما فيها، وربما تطلّعنا يومها إلى حياة أكثر تطوّراً ورفاهية، لكنّنا حين بلغناها اكتشفنا أنّ أشياء كثيرة لا تعوّضها وسائل الراحة الحديثة.
فالبيوت قد تكبر، لكنّ اللقاءات تصغر، ووسائل الاتصال قد تتطوّر، لكنّ المسافات بين القلوب قد تزداد.
وتبقى الذكريات وحدها قادرة على أن تعيدنا، ولو للحظات، إلى عالم الطفولة، حيث كان الأهل حولنا، والجيران أهلنا، والحارة بيتنا الكبير.
رحم الله أياماً تركتها غير آسف، فلمّا وصلت إلى غيرها بكيت عليها...
فايز أبو عباس
وإلى ذكريات أخرى من أيام الطفولة في حلقة قادمة...
الخيام | khiyam.com