خليل كاعين: التجربة الشيوعية في القرن العشرين (الحلقة الحادية عشرة) من التحالف إلى الحرب الباردة


.. كيف انقسم العالم بين واشنطن وموسكو؟

حين انتهت الحرب العالمية الثانية سنة 1945، كان التحالف الذي جمع الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفياتي قد حقق هدفه الأكبر: هزيمة ألمانيا النازية.

لكن هذا التحالف لم يكن تحالفًا طبيعيًا.

جمعته الضرورة، لا الثقة.

فواشنطن ولندن كانتا تمثلان نظامين رأسماليين يقومان على التعددية السياسية والاقتصاد الخاص، بينما كانت موسكو تمثل نظامًا شيوعيًا مركزيًا يقوم على الحزب الواحد والاقتصاد المخطط.

ومع اختفاء العدو المشترك، ظهرت سريعًا الأسئلة التي كانت مؤجلة:

من سيحدد مستقبل أوروبا؟ وما مصير ألمانيا؟ وهل تبقى الدول التي دخلها الجيش الأحمر مستقلة في خياراتها السياسية، أم تدخل ضمن مجال النفوذ السوفياتي؟

وهل يستطيع الاتحاد السوفياتي قبول وجود حكومات معادية على حدوده الغربية، بعد أن تعرض لغزوات مدمرة من الغرب؟

وفي المقابل، هل تقبل الولايات المتحدة وبريطانيا بامتداد الأنظمة الشيوعية في أوروبا؟

هكذا بدأت تتشكل الحرب الباردة، لا بإعلان رسمي أو في يوم واحد، بل نتيجة تراكم الخوف المتبادل، والمصالح المتعارضة، والاختلاف الأيديولوجي، وحسابات الأمن والنفوذ.

أوروبا بين الأمن السوفياتي والنفوذ الغربي:

خرجت أوروبا من الحرب مدمرة، بمدن تحولت إلى أنقاض، وملايين القتلى والجرحى واللاجئين، واقتصادات منهكة.

أما الاتحاد السوفياتي، فرغم انتصاره، فكان من أكثر الدول تعرضًا للخراب، بعدما دُمرت مناطق واسعة من أراضيه الغربية.

ولهذا حملت القيادة السوفياتية تصورًا أمنيًا واضحًا:

يجب ألّا يتكرر ما حدث سنة 1941.

وقبل انتهاء الحرب، ناقش ستالين وروزفلت وتشرشل في مؤتمر يالطا، في شباط/فبراير 1945، مستقبل ألمانيا وبولندا وأوروبا الشرقية، واتفقوا على مبادئ عامة تتعلق بإعادة تنظيم أوروبا وإجراء انتخابات حرة في البلدان المحررة.

لكن التفاهمات تركت مجالًا واسعًا لاختلاف التفسيرات.

فما كان الغرب يراه حقًا للشعوب في اختيار حكوماتها، كانت موسكو تربطه أيضًا بضرورة وجود حكومات غير معادية لها على حدودها.

وفي مؤتمر بوتسدام، خلال تموز/يوليو وآب/أغسطس 1945، ظهرت الخلافات بصورة أوضح حول ألمانيا والتعويضات ومستقبل بولندا.

كان الجيش الأحمر موجودًا في معظم أوروبا الشرقية، وأرادت موسكو تحويل هذه المناطق إلى حزام أمني يحميها من أي تهديد غربي جديد.

وفي البداية، ظهرت حكومات ائتلافية ضمت شيوعيين وقوى سياسية أخرى، لكن الأحزاب المدعومة من موسكو سيطرت تدريجيًا على مؤسسات الدولة، مستخدمة الضغط السياسي والأمني لإقصاء منافسيها.

وبحلول نهاية الأربعينيات، أصبح معظم شرق أوروبا جزءًا من الكتلة السوفياتية.

من وجهة النظر السوفياتية، كان ذلك دفاعًا عن الأمن القومي، بعدما جاءت الغزوات الكبرى من الغرب، من نابليون إلى ألمانيا القيصرية ثم هتلر.

لكن بالنسبة إلى قطاعات واسعة من شعوب أوروبا الشرقية والقوى الغربية، كان فرض حكومات موالية لموسكو انتقاصًا من سيادة تلك الدول واستقلال قرارها.

وهنا تظهر إحدى مفارقات العلاقات الدولية:

ما تعتبره قوة كبرى ضمانًا لأمنها قد تعتبره الدول المجاورة هيمنة على قرارها وتهديدًا لاستقلالها.

الستار الحديدي وانقسام ألمانيا:

في آذار/مارس 1946، تحدث ونستون تشرشل في خطابه الشهير بمدينة فولتون الأميركية عن «ستار حديدي» أخذ يفصل شرق أوروبا عن غربها.

وكانت ألمانيا أبرز ساحات هذا الانقسام.

فبعد الحرب، قُسمت إلى أربع مناطق احتلال: سوفياتية وأميركية وبريطانية وفرنسية، وقُسمت برلين بالطريقة نفسها رغم وقوعها داخل المنطقة السوفياتية.

اتجه الغرب نحو إعادة بناء الاقتصاد الألماني ودمجه تدريجيًا في الاقتصاد الأوروبي، بينما خشيت موسكو عودة ألمانيا قوية ومعادية، وطالبت بتعويضات واسعة عن الدمار الذي لحق بها.

وفي سنة 1948، وبعد خطوات غربية لتوحيد مناطق الاحتلال وإصلاح النظام النقدي، فرض الاتحاد السوفياتي حصارًا على طرق الوصول البرية والمائية إلى برلين الغربية.

ردت الولايات المتحدة وبريطانيا بإقامة جسر جوي ضخم لإمداد السكان بالغذاء والوقود.

وفي أيار/مايو 1949، رفعت موسكو الحصار، لكن الانقسام كان قد ترسخ.

وفي السنة نفسها، تأسست جمهورية ألمانيا الاتحادية في الغرب، ثم جمهورية ألمانيا الديمقراطية في الشرق.

أصبحت ألمانيا رمزًا لانقسام أوروبا، وبرلين إحدى أكثر نقاط المواجهة حساسية بين المعسكرين.

سياسة الاحتواء ومشروع مارشال:

بدأت الولايات المتحدة تنظر إلى توسع النفوذ السوفياتي باعتباره تحديًا استراتيجيًا طويل الأمد.

وفي شباط/فبراير 1946، بعث الدبلوماسي الأميركي جورج كينان من موسكو برقيته الشهيرة، التي ساهمت أفكارها في بلورة سياسة الاحتواء، القائمة على منع التوسع السوفياتي من دون الدخول في حرب مباشرة لإسقاط النظام.

وفي آذار/مارس 1947، أعلن الرئيس هاري ترومان مبدأه القاضي بدعم الدول التي تعتبرها واشنطن مهددة بالضغوط الخارجية أو الحركات المسلحة المرتبطة بالمعسكر الشيوعي، وكان السياق المباشر يتعلق باليونان وتركيا.

ثم جاء مشروع مارشال، الذي أُعلن سنة 1947 وبدأ تنفيذه سنة 1948، لتقديم مساعدات اقتصادية واسعة لإعادة إعمار أوروبا.

كان المشروع استجابة حقيقية للدمار الاقتصادي والاجتماعي، لكنه كان أيضًا جزءًا من الاستراتيجية الأميركية لمنع انتشار الشيوعية، عبر دعم الاستقرار الاقتصادي والسياسي في أوروبا الغربية.

أما الاتحاد السوفياتي، فرفض المشاركة فيه، معتبرًا أن شروطه ستتيح لواشنطن التأثير في اقتصادات الدول المشاركة وسياساتها.

كما منع الدول الواقعة ضمن نفوذه من الانضمام إليه.

وفي المقابل، تأسس سنة 1949 مجلس التعاون الاقتصادي المتبادل، المعروف بالكوميكون، إطارًا للتعاون بين الاتحاد السوفياتي وعدد من الدول الاشتراكية.

وهكذا لم يعد الصراع عسكريًا وسياسيًا فحسب، بل أصبح اقتصاديًا أيضًا.

فالمساعدات والاستثمارات وإعادة الإعمار تحولت إلى أدوات للتأثير في موازين القوى العالمية.

الشيوعية بين الأممية والمصالح الوطنية:

لم يقتصر انتشار الشيوعية بعد الحرب على أوروبا الشرقية.

فقد خرجت الأحزاب الشيوعية في فرنسا وإيطاليا بمكانة سياسية وشعبية متزايدة، بعدما لعبت أدوارًا مهمة في مقاومة النازية والفاشية.

وفي يوغوسلافيا، قاد جوزيف بروز تيتو حركة مقاومة واسعة، وأقام نظامًا اشتراكيًا يتمتع باستقلال نسبي عن موسكو.

لكن ستالين سعى إلى إخضاع السياسة اليوغوسلافية لتوجهاته، فرفض تيتو الخضوع الكامل للإرادة السوفياتية.

وفي سنة 1948، وقع الانفصال بينهما، واستُبعد الحزب الشيوعي اليوغوسلافي من الكومنفورم، الذي تأسس سنة 1947 لتنسيق مواقف عدد من الأحزاب الشيوعية.

كان الحدث بالغ الأهمية، لأنه كشف أن الصراعات لا تنشأ بين الرأسمالية والشيوعية وحدهما، بل يمكن أن تظهر أيضًا بين دول تتبنى الأيديولوجيا نفسها.

فالدول الشيوعية بقيت دولًا لها حدود ومصالح وأجهزة أمن وسياسات خارجية.

وفي آسيا وأفريقيا، ارتبطت الأفكار الاشتراكية بحركات التحرر الوطني من الاستعمار، وأصبحت تحمل وعدًا مزدوجًا: التحرر الاجتماعي من الاستغلال، والتحرر الوطني من السيطرة الأجنبية.

لكن التجارب اللاحقة ستظهر أن الاستقلال الوطني لا يؤدي بالضرورة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية أو الحريات السياسية.

وهنا ينبغي التمييز بين الشيوعية كفكرة وحركة عالمية، والاتحاد السوفياتي كدولة عظمى لها مصالحها الاستراتيجية الخاصة.

السلاح النووي والأحلاف العسكرية:

عندما انتهت الحرب العالمية الثانية، كانت الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي تمتلك السلاح النووي، بعدما استخدمته ضد هيروشيما وناغازاكي سنة 1945.

أدرك ستالين أن هذا التفوق يمنح واشنطن ميزة استراتيجية خطيرة، فتسارع البرنامج النووي السوفياتي.

وفي آب/أغسطس 1949، فجّر الاتحاد السوفياتي أول قنبلة ذرية له، منهياً الاحتكار النووي الأميركي.

لكن التوازن النووي لم يتحقق فورًا، بل تطور تدريجيًا مع سباق التسلح وتطوير القنابل والصواريخ ووسائل إيصالها.

ومع مرور السنوات، أصبح خطر الدمار المتبادل أحد العوامل التي تردع القوتين عن الدخول في حرب مباشرة.

وفي نيسان/أبريل 1949، تأسس حلف شمال الأطلسي، الناتو، بمشاركة الولايات المتحدة وكندا وعدد من دول أوروبا الغربية.

اعتبرته الدول الغربية وسيلة للدفاع الجماعي وردع التهديد السوفياتي، بينما رأته موسكو تحالفًا عسكريًا موجهًا ضدها.

وفي سنة 1955، سيؤسس الاتحاد السوفياتي وحلفاؤه حلف وارسو.

وهكذا اكتمل تدريجيًا الانقسام العسكري لأوروبا.

كل معسكر يقدم تحالفه بوصفه دفاعيًا، ويرى في تحالف الطرف الآخر تهديدًا لأمنه.

الصين والحرب الكورية... الصراع يتجاوز أوروبا:

في الأول من تشرين الأول/أكتوبر 1949، أعلن ماو تسي تونغ قيام جمهورية الصين الشعبية، بعد انتصار الشيوعيين في الحرب الأهلية.

كان ذلك تحولًا كبيرًا في موازين القوى العالمية.

٠

لكن الثورة الصينية لم تكن مجرد امتداد للنفوذ السوفياتي، بل نتاج صراع داخلي طويل تداخلت فيه الحرب الأهلية ومقاومة الاحتلال الياباني والأزمات الاجتماعية والاقتصادية.

وستظهر لاحقًا خلافات عميقة بين بكين وموسكو، رغم التحالف الذي جمعهما في البداية.

وفي حزيران/يونيو 1950، اندلعت الحرب الكورية عندما اجتاحت القوات الكورية الشمالية كوريا الجنوبية.

كانت شبه الجزيرة قد قُسمت بعد هزيمة اليابان سنة 1945، ونشأ في الشمال نظام شيوعي مدعوم من موسكو، وفي الجنوب نظام مناهض للشيوعية مدعوم من واشنطن.

تدخلت قوات تقودها الولايات المتحدة تحت راية الأمم المتحدة إلى جانب الجنوب، ثم تدخلت الصين إلى جانب الشمال، بينما قدم الاتحاد السوفياتي دعمًا عسكريًا ولوجستيًا وشارك بصورة غير معلنة في بعض العمليات الجوية.

استمرت الحرب حتى سنة 1953، وخلّفت خسائر بشرية هائلة ودمارًا واسعًا، وانتهت بهدنة أبقت شبه الجزيرة مقسمة.

كانت الحرب الكورية مثالًا واضحًا على طبيعة الصراع الجديد:

فالولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي تجنبتا الحرب المعلنة المباشرة، لكنهما أصبحتا طرفين أساسيين في صراعات دامية تدفع شعوب أخرى أثمانها.

ومن أوروبا وآسيا، أخذت الحرب الباردة تمتد إلى الشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا اللاتينية.

ومع ذلك، لم تكن كل حركة تحرر وطني مجرد أداة سوفياتية، ولا كل حكومة مناهضة للشيوعية مجرد أداة أميركية.

فالصراعات المحلية كانت لها أسبابها الداخلية، وإن سعت القوى الكبرى إلى استثمارها وتوجيهها.

الاتحاد السوفياتي وفلسطين وإسرائيل:

ومن الأمثلة التي تكشف تعقيد السياسة السوفياتية، موقف موسكو من القضية الفلسطينية في السنوات الأولى بعد الحرب العالمية الثانية.

في أيار/مايو 1947، طرح المندوب السوفياتي لدى الأمم المتحدة، أندريه غروميكو، إمكانية إقامة دولة ديمقراطية مشتركة للعرب واليهود في فلسطين، معتبرًا أن التقسيم قد يصبح خيارًا إذا تعذر التوصل إلى صيغة مشتركة.

وفي تشرين الثاني/نوفمبر من السنة نفسها، أيد الاتحاد السوفياتي قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181، القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين، عربية ويهودية، مع وضع خاص للقدس تحت إشراف دولي.

ارتبط هذا الموقف بحسابات سياسية واستراتيجية، أبرزها الرغبة في إنهاء الانتداب البريطاني وإضعاف النفوذ البريطاني في المنطقة.

كما أن وجود تيارات اشتراكية قوية داخل الحركة الصهيونية جعل موسكو ترى احتمالًا لقيام دولة لا تكون بالضرورة مرتبطة بالمعسكر الغربي.

لكن هذه الحسابات لم تأخذ بالاعتبار بصورة كافية الرفض العربي للتقسيم، وما سيترتب على الصراع من تهجير واسع للفلسطينيين وفقدانهم أراضيهم وقيام قضية اللاجئين.

وفي أيار/مايو 1948، اعترف الاتحاد السوفياتي بدولة إسرائيل اعترافًا قانونيًا، بعد الاعتراف الأميركي الفعلي بحكومتها المؤقتة في 14 أيار.

كما حصلت إسرائيل على أسلحة من تشيكوسلوفاكيا، التي كانت ضمن المعسكر السوفياتي، وكان لهذه الإمدادات دور مهم في تعزيز قدراتها العسكرية خلال حرب 1948.

لكن ينبغي التمييز بين الاعتراف السياسي السوفياتي وصفقات السلاح التي تمت عبر تشيكوسلوفاكيا، وعدم اختزال الأمر في تسليح سوفياتي مباشر.

ولم يكن هذا الموقف تعبيرًا عن تحالف دائم مع إسرائيل، بل جاء في مرحلة كانت فيها موازين القوى في الشرق الأوسط تتشكل.

ومع ازدياد ارتباط إسرائيل بالغرب وتصاعد حركات التحرر الوطني العربية، بدأت موسكو تعيد النظر تدريجيًا في سياستها الإقليمية.

وسيصبح هذا التحول أكثر وضوحًا بعد وفاة ستالين، ولا سيما خلال الخمسينيات، مع تطور العلاقات السوفياتية مع عدد من الدول العربية.

وهكذا تقدم القضية الفلسطينية مثالًا على التداخل بين المبادئ المعلنة والمصالح الاستراتيجية في سياسة القوى الكبرى.

ستالين في سنواته الأخيرة

بينما كان العالم ينقسم إلى معسكرين، كان ستالين قد أصبح الحاكم الأقوى داخل الاتحاد السوفياتي، من دون منافس سياسي حقيقي قادر على تحدي سلطته.

استمرت إعادة بناء الاقتصاد بعد الحرب، وحققت الصناعة الثقيلة تقدمًا مهمًا، لكن المجتمع ظل يتحمل أعباء اقتصادية واجتماعية كبيرة.

كما استمرت القيود على الحريات السياسية والرقابة الفكرية وحملات القمع.

وفي السنوات الأخيرة من حكمه، تصاعدت حملات اتخذ بعضها طابعًا معاديًا لليهود، وبلغت ذروتها في ما عُرف سنة 1953 باسم «قضية الأطباء»، حين اتُّهم عدد من الأطباء بالتآمر لقتل قادة سوفيات، قبل أن تُسقط الاتهامات الملفقة بعد وفاة ستالين.

وفي الخامس من آذار/مارس 1953، توفي جوزيف ستالين.

ترك وراءه دولة تختلف جذريًا عن روسيا التي عرفتها ثورة أكتوبر سنة 1917.

أصبح الاتحاد السوفياتي قوة صناعية وعسكرية عظمى، وكان له دور حاسم في هزيمة النازية، وامتد نفوذه إلى أوروبا الشرقية، وأصبح أحد قطبي النظام الدولي الجديد.

لكن هذا التحول جاء بكلفة إنسانية وسياسية هائلة.

فالتصنيع السريع والزراعة الجماعية ترافقا مع المجاعات والقمع والترحيل والعمل القسري، وتحول الحزب الذي رفع شعار سلطة العمال إلى جهاز يحتكر السلطة السياسية.

ولذلك لا يمكن اختزال عهد ستالين في صورة واحدة.

فإنجازاته الصناعية والعسكرية لا تلغي مسؤولية النظام عن القمع والخسائر البشرية، كما أن الجرائم والانتهاكات لا تعني تجاهل الظروف التاريخية التي واجهها الاتحاد السوفياتي أو التضحيات التي قدمها شعبه في مواجهة النازية.

التاريخ لا يُفهم بالدفاع المطلق عن القادة، ولا بإدانتهم من دون تحليل الظروف والخيارات والنتائج.

ماذا بقي من الثورة؟

عندما قامت ثورة أكتوبر سنة 1917، رفعت شعارات إنهاء الاستغلال الطبقي وسلطة العمال والفلاحين وبناء مجتمع يقوم على المساواة الاجتماعية.

وبعد أكثر من ثلاثة عقود، أصبحت الدولة التي نشأت عنها قوة عالمية عظمى، لكنها أصبحت أيضًا دولة يحكمها حزب واحد، وتتركز فيها السلطة بصورة شديدة، وتخضع الحياة السياسية لرقابة صارمة.

وهنا يبرز سؤال يتجاوز شخصية ستالين:

هل كان النظام الذي نشأ في عهده نتيجة خياراته الشخصية وحدها، أم أن بعض أسسه كانت موجودة منذ السنوات الأولى للثورة، ثم تعززت بفعل الحرب الأهلية والعزلة والصراعات الداخلية والخارجية؟

وهل كان بالإمكان بناء تجربة اشتراكية مختلفة تجمع بين العدالة الاجتماعية والحريات السياسية والتعددية؟

لم تكن وفاة ستالين نهاية الاتحاد السوفياتي أو الحرب الباردة، بل بداية مرحلة جديدة من الصراع داخل القيادة السوفياتية.

وخلال السنوات التالية، سيبرز نيكيتا خروتشوف، الذي سيفتح سنة 1956 ملفًا بالغ الحساسية، عندما ينتقد في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي عبادة شخصية ستالين وجانبًا مهمًا من ممارسات القمع في عهده.

لكن السؤال الأعمق سيبقى مطروحًا:

هل يمكن تصحيح أخطاء التجربة السوفياتية من داخل النظام نفسه، أم أن المشكلة تتجاوز شخص ستالين إلى طبيعة السلطة التي نشأت وتطورت منذ ثورة أكتوبر؟

ذلك ما سنبدأ بمناقشته في الحلقة المقبلة.

يتبع....

الحلقة الثانية عشرة: بعد ستالين... صراع الخلافة وخروتشوف وبداية اجتثاث الستالينية

د. خليل كاعين

#جورج_كينان

#هاري_ترومان

#الكوميكون

#تيتو

#الكومنفورم

#حلف_الناتو

#حلف_وارسو

#ماو_تسي_تونغ

#أندريه_غروميكو

#نيكيتا_خروتشوف

برلين 1948 - حين تحول الغذاء إلى سلاح سياسي
برلين 1948 - حين تحول الغذاء إلى سلاح سياسي


غروميكو 1947 - موقف موسكو من التقسيم كان تكتيكاً ضد لندن
غروميكو 1947 - موقف موسكو من التقسيم كان تكتيكاً ضد لندن