
الدكتور خليل كاعين
مقدمة:
على مدى أكثر من قرن ونصف، شكلت الشيوعية واحدة من أكثر الأفكار تأثيرا وإثارة للجدل في التاريخ الحديث. تحولت من فلسفة تسعى إلى تفسير الظلم الاجتماعي والتفاوت الطبقي، إلى ثورات غيرت أنظمة ودولا، ثم إلى قوة عالمية قسمت العالم إلى معسكرات، قبل أن تتراجع تجاربها الكبرى وتنهار منظومات كانت تبدو، في مرحلة من المراحل، عصية على الانهيار.
لكن ماذا حدث فعلا؟
كيف ولدت الفكرة الشيوعية، وفي أي ظروف؟ ماذا أراد ماركس وإنجلز؟ وكيف انتقلت الفكرة من النظرية إلى الثورة مع لينين؟ ماذا حققت الثورة الروسية، وأين تعثرت؟ وكيف نفهم تجربة ستالين بما حملته من إنجازات هائلة وأثمان بشرية وسياسية قاسية؟ وكيف تحوّل الاتحاد السوفياتي إلى قوة عظمى، ثم انتهى إلى الانهيار؟ وهل يعني انهيار التجربة سقوط الفكرة نفسها؟
أسئلة كثيرة سنحاول مقاربتها في سلسلة من الحلقات المتتابعة، بعيدا، قدر الإمكان، عن الأحكام المسبقة؛ فلا نكتب دفاعا عن تجربة، ولا نصدر حكما عليها قبل قراءة وقائعها ومسارها ونتائجها.
سنحاول أن نقرأ التاريخ كما حدث، وأن نميز بين ما تثبته الوقائع، وما تسمح به من استنتاجات، وما يبقى في دائرة الفرضيات التي تحتاج إلى دليل.
وفي نهاية هذه الرحلة، قد نصل إلى سؤال أكبر من الشيوعية نفسها:
ماذا بقي اليوم من حلم العدالة الاجتماعية، بعد تجربة الاشتراكية وصعود الرأسمالية وتحولاتها وصولا إلى النيوليبرالية؟
الحلقة الأولى: قبل ماركس — كيف نشأ السؤال الاجتماعي الذي مهّد للفكر الشيوعي؟
التجربة الشيوعية في القرن العشرين
الفكرة والثورة والدولة والانهيار... من ماركس ولينين إلى سقوط الاتحاد السوفياتي وتبدّل النظام العالمي
كيف ولدت الشيوعية؟
لم تولد الشيوعية من فراغ، ولم تكن مجرد فكرة خطرت لمجموعة من المفكرين أرادوا قلب النظام الاجتماعي القائم. لقد جاءت نتيجة تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة عاشتها أوروبا، ولا سيما منذ الثورة الصناعية، حين بدأت الآلة تغير شكل الإنتاج والمجتمع والعلاقة بين الإنسان والعمل ورأس المال.
فمع انتقال الإنتاج من الورش الصغيرة والعمل الحرفي إلى المصانع الكبرى، ظهرت طبقة جديدة من العمال تعتمد بصورة شبه كاملة على بيع قوة عملها مقابل أجر، في وقت تركزت فيه ملكية وسائل الإنتاج والثروة في أيدي أصحاب المصانع ورؤوس الأموال.
أحدثت الثورة الصناعية تطورا هائلا في الإنتاج والتكنولوجيا والنقل والتجارة، لكنها في مراحلها الأولى لم تؤد بالضرورة إلى توزيع أكثر عدالة للثروة التي أنتجتها. فقد عاش كثير من العمال ظروفا قاسية، من ساعات عمل طويلة وأجور متدنية وغياب شبه كامل للضمانات الاجتماعية، في وقت كان فيه تشغيل النساء والأطفال أمرا شائعا في العديد من الصناعات.
من هنا بدأ السؤال الذي سيطبع معظم القرن التاسع عشر: إذا كان المجتمع أصبح قادرا على إنتاج ثروة أكبر من أي وقت مضى، فلماذا يعيش قسم واسع ممن ينتجون هذه الثروة في الفقر؟
من الاحتجاج الاجتماعي إلى البحث عن نظام بديل:
لم يبدأ التفكير الاشتراكي مع كارل ماركس، بل سبق ظهوره عدد من المفكرين والتيارات التي انتقدت النظام الاقتصادي الجديد وحاولت تصور مجتمعات تقوم على قدر أكبر من التعاون والمساواة.
ظهرت تجارب وأفكار عرفت لاحقا بالاشتراكية الطوباوية، ارتبطت بأسماء مثل سان سيمون وشارل فورييه وروبرت أوين. وقد حاول أصحاب هذه الاتجاهات البحث عن مجتمعات أكثر عدالة تقوم على التعاون بدل المنافسة القاسية وعلى تحسين ظروف العمال.
لكن هذه المشاريع بقيت، في معظمها، محاولات أخلاقية أو اجتماعية محدودة ولم تقدم تفسيرا شاملا لكيفية نشوء النظام الرأسمالي أو آلية تغييره.
هنا ظهر كارل ماركس وفريدريك إنجلز.
لم يقدما الشيوعية باعتبارها دعوة أخلاقية إلى أن يصبح الأغنياء أكثر رحمة تجاه الفقراء، بل حاولا بناء تفسير للتاريخ يقوم على علاقة الإنسان بالإنتاج والملكية والصراع بين الطبقات الاجتماعية.
بحسب هذا التصور، لم يكن الفقر واللامساواة مجرد انحراف يمكن إصلاحه ببعض الإجراءات، وإنما نتيجة لطبيعة النظام الاقتصادي نفسه.
ماركس والصراع الطبقي:
رأى ماركس أن التاريخ الإنساني شهد باستمرار صراعا بين مجموعات تملك وسائل الإنتاج وأخرى تعمل لديها: السيد والعبد، الإقطاعي والفلاح، ثم الرأسمالي والعامل.
ومع الرأسمالية أصبحت العلاقة، في رأيه، أكثر وضوحا: فصاحب رأس المال يمتلك المصنع والآلة والمواد، بينما لا يمتلك العامل سوى قدرته على العمل.
والعامل يتقاضى أجرا مقابل عمله، لكن القيمة التي ينتجها تتجاوز، وفق التحليل الماركسي، الأجر الذي يحصل عليه. والفارق بين ما ينتجه العامل وما يتقاضاه شكل أساس مفهوم «فائض القيمة» الذي استخدمه ماركس لتفسير تراكم رأس المال.
من هنا لم تعد المشكلة بالنسبة إليه مرتبطة بشخص الرأسمالي، إن كان كريما أو قاسيا، بل ببنية النظام نفسها التي تدفع رأس المال باستمرار إلى البحث عن الربح والتوسع والمنافسة وتخفيض الكلفة.
وبذلك انتقل النقد من الاعتراض على بعض مظاهر الظلم إلى نقد النظام الرأسمالي بكامله.
من الاشتراكية إلى الشيوعية:
كان الهدف النهائي في الفكر الماركسي إقامة مجتمع تزول فيه الطبقات الناتجة من الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج.
لكن ذلك لم يكن، في تصور ماركس، انتقالا مباشرا.
فبعد سقوط النظام الرأسمالي يفترض أن تمر المجتمعات بمرحلة انتقالية تصبح فيها وسائل الإنتاج الأساسية تحت سيطرة المجتمع والدولة التي تمثل الطبقة العاملة. وهذه هي المرحلة التي عرفت لاحقا بالاشتراكية.
أما الشيوعية، بالمعنى النظري النهائي، فهي مجتمع لا طبقي يفترض أن تزول فيه تدريجيا الحاجة إلى الدولة باعتبارها أداة لسيطرة طبقة على أخرى.
وهنا توجد واحدة من أكبر المفارقات التي سترافق التجربة الشيوعية لاحقا: فالدولة التي كان يفترض أن تضعف مع تطور المجتمع الشيوعي أصبحت، في التجربة السوفياتية، أكثر قوة ومركزية واتساعا.
وسنعود إلى هذه المسألة عندما نصل إلى تجربة لينين ثم ستالين.
هل كانت الشيوعية ضد الملكية الفردية؟
من الأخطاء الشائعة تصوير الفكر الشيوعي باعتباره دعوة إلى إلغاء كل أشكال الملكية الفردية.
كان النقد الأساسي موجّها إلى الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج الكبرى التي تسمح لفئة بالسيطرة على إنتاج فئة أخرى، وليس إلى الممتلكات الشخصية اليومية للفرد.
والتمييز بين الملكية الشخصية وملكية وسائل الإنتاج ضروري لفهم النظرية كما صيغت أصلا، حتى لو اختلف التطبيق التاريخي لاحقا من دولة إلى أخرى.
العامل ليس مجرد يد تنتج:
لم يكن اعتراض ماركس على الرأسمالية اقتصاديا فقط.
فقد تحدث أيضا عما سماه «الاغتراب»، أي أن العامل قد يصبح غريبا عن المنتج الذي يصنعه وعن عملية الإنتاج نفسها.
فهو يعمل في منتج لا يملكه، ولا يحدد ماذا ينتج ولا كيف ينتجه، وقد يصبح عمله مجرد وسيلة للبقاء بدل أن يكون تعبيرا عن قدراته الإنسانية.
ومن هنا امتد المشروع الشيوعي، في بدايته النظرية، إلى محاولة تغيير علاقة الإنسان بالعمل وبالمجتمع وليس فقط إعادة توزيع المال.
الثورة الصناعية صنعت خصومها أيضا:
من المفارقات أن الرأسمالية الصناعية التي كان ماركس ينتقدها هي نفسها التي أنشأت الظروف التي اعتقد أنها ستؤدي في النهاية إلى تجاوزها.
فالمصانع الكبرى جمعت آلاف العمال في أماكن واحدة، وظهرت النقابات والحركات العمالية، وتحسنت وسائل الاتصال، وأصبح العمال أكثر قدرة على التنظيم والمطالبة بحقوقهم.
وبدأ النزاع يتحول من احتجاجات محلية متناثرة إلى حركة سياسية واجتماعية واسعة.
ومع منتصف القرن التاسع عشر أصبحت قضية العامل جزءا أساسيا من السياسة الأوروبية.
وفي عام 1848 نشر ماركس وإنجلز «البيان الشيوعي»، في مرحلة كانت أوروبا تشهد اضطرابات وثورات اجتماعية وسياسية واسعة.
ومن عبارته الشهيرة الداعية إلى اتحاد العمال في العالم، بدأت الفكرة الشيوعية تنتقل تدريجيا من الكتب والنقاشات الفلسفية إلى الأحزاب والنقابات والتنظيمات السياسية.
الرأسمالية نفسها بدأت تتغير،
لكن التاريخ لم يتحرك تماما كما توقع ماركس.
فالرأسمالية أثبتت قدرة كبيرة على التكيف.
مع ازدياد قوة النقابات والحركات الاشتراكية والعمالية، بدأت دول أوروبية عديدة بإقرار قوانين تحد من ساعات العمل وتشغيل الأطفال، وتوسيع الحقوق النقابية، ثم ظهرت لاحقا أنظمة التقاعد والتأمين الصحي والضمان الاجتماعي.
وهنا تبدأ واحدة من الأسئلة التي سترافق هذه السلسلة حتى نهايتها:
هل تغيرت الرأسمالية لأنها تطورت طبيعيا، أم لأن وجود الحركة الاشتراكية والشيوعية والخوف من الثورة أجبرها على تقديم تنازلات اجتماعية؟
وقد نكتشف لاحقا أن تأثير الشيوعية لم يقتصر على الدول التي حكمتها الأحزاب الشيوعية، بل وصل حتى إلى المجتمعات التي حاربتها.
لماذا لم تقع الثورة أولا في بريطانيا أو ألمانيا؟
وفق كثير من التصورات الماركسية الأولى، كان من المنطقي أن تبدأ الثورة في الدول الرأسمالية الأكثر تطورا حيث توجد طبقة عاملة صناعية كبيرة.
لكن التاريخ اتخذ طريقا مختلفا.
لم تقع الثورة الشيوعية الأولى في بريطانيا، مهد الثورة الصناعية، ولا في ألمانيا المتقدمة صناعيا، وإنما في روسيا التي كانت لا تزال دولة يغلب عليها الطابع الزراعي وتعيش تحت نظام قيصري شديد المركزية.
وهذه المفارقة ستكون مفتاح الحلقة الثانية.
ففي روسيا اجتمعت عناصر لم تجتمع بالحدة نفسها في البلدان الأوروبية الأخرى: الاستبداد السياسي، الفقر الريفي، ضعف المؤسسات، التفاوت الاجتماعي الكبير، ثم جاءت الحرب العالمية الأولى لتضع الدولة الروسية أمام أزمة عسكرية واقتصادية واجتماعية شاملة.
وفي هذه البيئة ظهر لينين.
لكنه لم يكن مجرد منفذ حرفي لأفكار ماركس. فقد أعاد تفسيرها بما يتناسب مع روسيا وظروفها، وطرح تصورا مختلفا عن الحزب والثورة وطريقة الوصول إلى السلطة.
ومن هنا انتقلت الشيوعية من مرحلة الفكرة التي تنتقد النظام إلى مرحلة التنظيم الذي يريد الاستيلاء على السلطة وبناء نظام جديد.
بين الحلم والواقع:
إذا أردنا تقييم الشيوعية بإنصاف، فلا يجوز أن نحاكمها فقط بما حدث لاحقا في عهد ستالين أو بما انتهى إليه الاتحاد السوفياتي عام 1991.
يجب أولا أن نفهم لماذا جذبت ملايين العمال والمثقفين والمناضلين في مختلف أنحاء العالم.
لقد وعدت بمجتمع لا تكون فيه الثروة وسيلة لسيطرة فئة على أخرى، ولا يكون فيه الإنسان مجرد أداة للإنتاج، ولا يبقى الفقر قدرا يورّث من جيل إلى آخر.
لكن الانتقال من هذا الحلم إلى الدولة والسلطة سيطرح أسئلة أكثر صعوبة:
هل يمكن تحقيق المساواة من دون التضحية بالحرية؟
هل يمكن القضاء على استغلال الإنسان للإنسان من دون أن تنشأ سلطة جديدة تمارس استغلالا من نوع آخر؟
وهل كان الخلل في الفكرة نفسها، أم في الظروف التي طبقت فيها، أم في البشر الذين تولوا تنفيذها؟
هذه الأسئلة لم تكن مطروحة نظريا فقط.
بعد عام 1917 أصبحت روسيا المختبر الذي سيحاول تقديم الإجابة.
يتبع...
الدكتور خليل كاعين
في الحلقة القادمة:
الحلقة الثانية: من ماركس إلى لينين... لماذا اندلعت الثورة في روسيا؟
الخيام | khiyam.com
تعليقات: