
د. خليل كاعين: هل نريد جامعة لبنانية قوية بمؤسساتها وكفاءاتها، أم جامعة تستمر من أزمة إلى أخرى، وتُدار ملفاتها الكبرى بمنطق التسويات بدل التخطيط الأكاديمي؟
لم تكن الجامعة اللبنانية يومًا مجرد مؤسسة رسمية للتعليم العالي، بل شكّلت، منذ تأسيسها، أحد أهم الإنجازات الوطنية والاجتماعية التي أتاحت لأبناء مختلف المناطق والفئات الاجتماعية فرصة الحصول على تعليم جامعي، وأسهمت في إعداد عشرات الآلاف من الكفاءات العلمية والمهنية التي كان لها دور أساسي في بناء مؤسسات الدولة والقطاعات الإنتاجية والخدماتية في لبنان وخارجه.
لكن هذه المؤسسة، التي استطاعت الصمود أمام الحروب والانقسامات والأزمات المتعاقبة، تواجه اليوم تحديات لم تعد تقتصر على نقص التمويل أو تراجع الإمكانات، بل تطاول بنيتها الإدارية والأكاديمية، وقدرتها على اتخاذ قراراتها بصورة مؤسسية مستقلة.
فمنذ الانهيار المالي عام 2019، تعاني الجامعة تراجعًا حادًا في قدرتها التشغيلية، وتآكلًا في القيمة الفعلية لموازنتها ورواتب العاملين فيها، وصعوبات في صيانة الأبنية والمختبرات وتجديد التجهيزات وتأمين المستلزمات التعليمية والبحثية.
وقد جاءت الحروب والأزمات الأمنية المتلاحقة لتضيف أعباء جديدة على الطلاب والأساتذة والموظفين، وتعرقل انتظام الدراسة في عدد من الكليات والفروع.
وإذا كانت الجامعة قد تمكنت من الاستمرار بفضل جهود أساتذتها وإدارييها وطلابها، فإن هذا الصمود لا يجوز أن يتحول إلى مبرر لاستمرار الإهمال أو الاكتفاء بإدارة الأزمات.
فالجامعة لا تستطيع أن تحافظ على مستوى تعليمها وبحثها العلمي بالاعتماد الدائم على تضحيات العاملين فيها، في ظل مختبرات تحتاج إلى التجديد، ومرافق تتطلب الصيانة، وموارد مالية لا تواكب الحاجات الفعلية لمؤسسة بهذا الحجم والانتشار.
لكن الأزمة المالية واللوجستية، على خطورتها، ليست سوى أحد أوجه المشكلة. فالأزمة الأكثر عمقًا تتعلق بتعطيل المؤسسات الجامعية وتداخل القرار الأكاديمي مع الحسابات السياسية.
جامعة بلا مجلس... فأين الإدارة المؤسسية؟
منذ سنوات، تعيش الجامعة اللبنانية في ظل غياب مجلسها، وهو إحدى المؤسسات الأساسية التي يفترض أن تشارك في إدارة شؤونها الأكاديمية والإدارية، ورسم سياساتها، ومناقشة حاجاتها واتخاذ القرارات ضمن الصلاحيات القانونية.
وقد أدى استمرار هذا الفراغ إلى إضعاف الإدارة الجماعية، وتركيز صلاحيات واسعة في رئاسة الجامعة، وتحويل ما يفترض أن يكون وضعًا استثنائيًا إلى واقع إداري مستمر.
ولا يتعلق الأمر هنا بشخص رئيس الجامعة أو بكفاءته، بل بمبدأ مؤسسي أساسي: لا يمكن لمؤسسة أكاديمية بهذا الحجم أن تُدار بصورة طبيعية في غياب أحد أبرز مجالسها.
فمجلس الجامعة ليس هيئة شكلية، ولا مجرد إطار لتوزيع المسؤوليات بين العمداء، بل مؤسسة يفترض أن تساهم في ضمان المشاركة الأكاديمية، ومناقشة القرارات الكبرى، ومراقبة انتظام العمل الجامعي.
والمفارقة أن الدولة التي يفترض أن تحمي استقلالية الجامعة وتضمن حسن عمل مؤسساتها، لم تتمكن من معالجة هذا الفراغ طوال سنوات، فيما استمرت القرارات الأساسية خاضعة لآليات استثنائية.
وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن الحديث عن تطوير الجامعة واستقلاليتها وضمان جودة التعليم فيها، بينما لا تزال مؤسساتها الأساسية غير مكتملة؟
إعادة تعيين رئيس الجامعة... ماذا عن استعادة المؤسسات؟
في الثامن من تشرين الأول 2026، أعاد مجلس الوزراء تعيين البروفسور بسام بدران رئيسًا للجامعة اللبنانية لولاية جديدة مدتها خمس سنوات.
وقد رافق هذا الاستحقاق نقاش قانوني وسياسي حول إمكان إعادة التعيين، على خلفية التعديلات التشريعية المتعلقة بولاية رئيس الجامعة وتفسير مفاعيلها.
لكن بصرف النظر عن هذا الجدل، وعن تقييم أداء الرئيس خلال ولايته السابقة، فإن المسألة الأساسية التي ينبغي التوقف عندها هي استمرار غياب مجلس الجامعة.
فإعادة تعيين الرئيس لا تعني، بحد ذاتها، معالجة الخلل المؤسسي الذي تعاني منه الجامعة.
بل إن السؤال الأهم هو: لماذا أمكن حسم تعيين الرئيس، فيما بقي استكمال المؤسسات الجامعية معلقًا؟
وهل ستشكل الولاية الجديدة مدخلًا لإعادة تفعيل مجلس الجامعة واستعادة الإدارة الجماعية، أم ستستمر المؤسسة في العمل بالآليات الاستثنائية نفسها؟
إن المطلوب ليس الدخول في مواجهة شخصية مع رئيس الجامعة، ولا إنكار ما تحقق خلال السنوات الماضية رغم الظروف الصعبة، بل التأكيد أن أي رئيس، مهما كانت خبرته وكفاءته، يحتاج إلى مؤسسات فاعلة تشاركه المسؤولية وتضمن انتظام القرار الأكاديمي.
فالجامعة لا تُبنى على الأشخاص، بل على المؤسسات، ولا تقاس استقلاليتها بمدى اتساع صلاحيات رئيسها، بل بقدرتها على إدارة شؤونها وفق القانون والمساءلة والمشاركة الأكاديمية.
ملف التفرغ... بين إنصاف الأساتذة وحاجات الجامعة
يُعدّ ملف تفرغ الأساتذة المتعاقدين أحد أكثر الملفات تعقيدًا وإلحاحًا في الجامعة اللبنانية.
فبعد سنوات طويلة من توقف التفرغ، تراكمت أوضاع مهنية واجتماعية غير مستقرة لعدد كبير من الأساتذة الذين تعتمد عليهم الجامعة في تأمين التدريس، فيما أدت حالات التقاعد والهجرة والوفاة إلى تراجع أعداد أفراد الهيئة التعليمية المستقرة.
ولا يمكن لأي مقاربة جدية أن تتجاهل حق هؤلاء الأساتذة في معالجة أوضاعهم، أو أهمية وجود هيئة تعليمية متفرغة تساهم في التدريس والبحث العلمي والإشراف والمشاركة في إدارة الكليات.
لكن إنصاف الأساتذة لا ينفصل عن احترام الحاجات الأكاديمية الفعلية للجامعة.
فالتفرغ ليس مجرد تسوية اجتماعية أو وظيفية، بل قرار أكاديمي ومالي طويل الأمد، يترتب عليه إعادة تشكيل الهيئة التعليمية وتوزيع الموارد بين الكليات والاختصاصات.
وقد شهد الملف خلال عام 2026 نقاشات حول الأعداد المقترحة، ومعايير الاختيار، والتوازن الطائفي، وتوزيع الأسماء على الكليات والفروع.
وكانت وزيرة التربية قد أعلنت اعتماد معايير تتعلق بالأنصبة التدريسية وحاجات الكليات والاختصاصات والإنصاف، مؤكدة أن الأعداد المقترحة تستجيب لحاجات فعلية. وفي المقابل، أُثيرت اعتراضات وتساؤلات حول احتمال تجاوز الأعداد المقترحة حاجات بعض الكليات، وحول تأثير اعتبارات التوازن الطائفي في توسيع اللوائح.
وفي هذا السياق، أعلن مجلس الوزراء، ضمن مقرراته، الاتفاق على تفرغ نحو 1690 أستاذًا متعاقدًا، على أن يُنفَّذ القرار على أربع دفعات، تبدأ بتفرغ نحو 400 أستاذ، وتُوزَّع الأسماء المتبقية على ثلاث دفعات لاحقة. ويهدف هذا التدرج إلى معالجة ملف طال انتظاره، وتطمين الأساتذة المعنيين بأن عملية التفرغ لن تقتصر على الدفعة الأولى.
غير أن أهمية هذا القرار لا تلغي ضرورة التدقيق في مدى تطابق الأعداد المقترحة مع الحاجات الأكاديمية الفعلية للكليات والاختصاصات، ولا سيما في ظل الاعتراضات المرتبطة بالتوازن الطائفي وتوزيع الأسماء. فالمطلوب أن يخضع تنفيذ الدفعات لمعايير علمية ومالية واضحة، تضمن إنصاف الأساتذة الذين تحتاج إليهم الجامعة، من دون تحميلها أعباء ناتجة عن اعتبارات لا تتصل بحاجاتها الفعلية.
وهنا تبرز إشكالية التوازن الطائفي والسياسي، إذ قد تؤدي محاولة تحقيق توازن في اللوائح إلى اقتراح أعداد تتجاوز الحاجات الفعلية لبعض الكليات، في مقابل استمرار النقص في اختصاصات أخرى. وإذا ثبت حصول ذلك، فإن معالجته لا تكون بإضافة أسماء لا تستند إلى حاجة أكاديمية مثبتة، بل بإعادة النظر في معايير التوزيع والاختيار.
فإذا كانت بعض الكليات تعاني نقصًا حقيقيًا في الأساتذة، ولا سيما في الاختصاصات التطبيقية والمخبرية والصحية، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن الحاجات متساوية في جميع الكليات والفروع.
كما أن ارتفاع النصاب التدريسي لأستاذ متعاقد يشكل مؤشرًا مهمًا إلى الحاجة إليه، لكنه لا يكفي وحده لتحديد الحاجة المستقبلية إلى التفرغ، من دون الأخذ في الاعتبار أعداد الطلاب، وتوزيع المقررات، وطبيعة الاختصاص، وحالات التقاعد، والتطور المتوقع للبرامج.
ومن هنا، ينبغي أن تكون نقطة الانطلاق دراسة أكاديمية شاملة، تعدّها المؤسسات الجامعية المختصة، وتحدد بصورة واضحة عدد الأساتذة المطلوبين في كل كلية واختصاص وفرع.
وعلى أساس هذه الدراسة تُقارن الأعداد المطلوبة باللوائح المقترحة، وتُراجع الحالات التي قد تظهر فيها فجوات بين الحاجة الفعلية وعدد المرشحين.
فالعدالة لا تتحقق بإضافة اختلال جديد إلى اختلال قائم، ولا يمكن حماية حقوق الأساتذة من خلال قرارات قد تفرض على الجامعة أعباء مالية طويلة الأمد من دون مردود أكاديمي متناسب.
وفي المقابل، لا يجوز استخدام الاعتراض على بعض الأعداد ذريعة لتعطيل الملف بكامله، أو لإبقاء أساتذة تحتاج إليهم الجامعة فعلًا في حالة انتظار دائم.
المطلوب إذن ليس المفاضلة بين إنصاف المتعاقدين وحماية الجامعة، بل الجمع بينهما من خلال معايير أكاديمية شفافة، بعيدًا عن المحاصصة والتدخلات السياسية.
من يتحمل مسؤولية هذا الواقع؟
ليس من الإنصاف تحميل رئاسة الجامعة وحدها مسؤولية الأزمات المتراكمة، كما لا يجوز إعفاء الإدارات الجامعية المتعاقبة من مسؤولياتها بحجة التدخلات السياسية أو ضعف التمويل.
فالدولة مسؤولة عن تأمين الموارد، واستكمال التعيينات، واحترام استقلالية الجامعة وصلاحيات مؤسساتها.
والإدارة الجامعية مسؤولة عن التخطيط وتحديد الحاجات وإدارة الموارد بشفافية، والدفاع عن المعايير العلمية، وتقديم الدراسات والاقتراحات التي تستند إلى واقع الكليات والفروع.
كما أن الهيئات الأكاديمية والنقابية مطالبة بالدفاع عن حقوق الأساتذة والموظفين، من دون الفصل بين هذه الحقوق وبين مصلحة الجامعة وجودة التعليم.
أما القوى السياسية، فعليها أن تدرك أن الجامعة اللبنانية ليست ساحة لتوزيع الحصص، ولا مؤسسة يمكن إخضاع قراراتها الأكاديمية لمقتضيات التوازنات السياسية.
فالانتماء الطائفي أو السياسي لا ينبغي أن يكون معيارًا لتحديد الحاجة إلى أستاذ أو تعيين مسؤول أكاديمي.
إن الجامعة التي يفترض أن تساهم في بناء دولة المؤسسات والقانون لا يجوز أن تبقى أسيرة الممارسات التي ساهمت في إضعاف هذه الدولة.
ما المطلوب اليوم؟
لا تحتاج الجامعة اللبنانية إلى مزيد من الوعود العامة بقدر حاجتها إلى خطوات عملية تبدأ باستكمال مجلس الجامعة وتفعيل المجالس الأكاديمية، وإعادة الاعتبار إلى الإدارة المؤسسية، ووضع خطة مالية ولوجستية تستجيب للحاجات الفعلية للكليات والفروع.
كما ينبغي تنفيذ قرار مجلس الوزراء المتعلق بتفرغ نحو 1640 أستاذًا على أربع دفعات، تبدأ بنحو 400 أستاذ، وفق معايير أكاديمية شفافة تستند إلى الحاجات الفعلية للكليات والاختصاصات، مع ضمان العدالة في اختيار المستحقين، ومراعاة الإمكانات المالية للجامعة.
ولا يقل أهمية عن ذلك توفير تمويل مستدام لصيانة الأبنية وتجهيز المختبرات وتطوير البحث العلمي، لأن الجامعة لا تستطيع المحافظة على جودة شهاداتها إذا بقيت إمكاناتها المادية تتراجع عامًا بعد آخر.
إن إصلاح الجامعة لا يتطلب انتظار إصلاح النظام السياسي اللبناني بكامله، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية تحترم المؤسسات، وإدارة جامعية تمتلك رؤية واضحة وتتحمل مسؤولياتها.
لقد أثبتت الجامعة اللبنانية قدرتها على الصمود أمام الحروب والانهيارات، لكنها لا تستطيع أن تبني مستقبلها على الصمود وحده.
فالجامعة التي نريدها ليست مؤسسة تستمر رغم غياب مقوماتها، بل جامعة تمتلك المؤسسات والموارد والاستقلالية التي تسمح لها بالتطور وإنتاج المعرفة وإعداد الأجيال.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يوجَّه إلى الدولة والسلطة السياسية والإدارة الجامعية معًا:
هل نريد جامعة لبنانية قوية بمؤسساتها وكفاءاتها، أم جامعة تستمر من أزمة إلى أخرى، وتُدار ملفاتها الكبرى بمنطق التسويات بدل التخطيط الأكاديمي؟
إن مستقبل الجامعة اللبنانية لا يحتمل مزيدًا من التأجيل، لأن ما هو على المحك ليس مصير مؤسسة تعليمية فحسب، بل مستقبل التعليم العالي الرسمي، ودور الدولة في حماية أحد أهم إنجازاتها الوطنية.
د. خليل كاعين
13 تشرين اول 2026
الخيام | khiyam.com