
أقام اتحاد الكتّاب اللبنانيين، بالتعاون مع المنبر الثقافي في جمعية التخصص والتوجيه العلمي، ندوة تكريمية للمؤرخ والأديب الراحل الدكتور إبراهيم علي حسين بيضون (1941 – 2025)، في مقر الجمعية في بيروت، بمشاركة عدد من زملائه وأصدقائه ورفاق مسيرته الأكاديمية والثقافية والاجتماعية.
افتتح الندوة المهندس الأستاذ واصف شرارة مرحبًا بالحضور، ومؤكدًا استمرار الجمعية في تنظيم اللقاءات الثقافية خلال موسمها الحالي. واستعاد في كلمته أثر الراحل في قراءة التاريخ، معتبرًا أنه علّم أجيالًا من الباحثين أن يقرأوا التاريخ من خلال ذاكرة الأرض والإنسان.
الخيام موطن ثانٍ
ارتبط الدكتور إبراهيم بيضون ببلدة الخيام ارتباطًا وثيقًا، إذ اتخذها موطنًا ثانيًا له بعد تحريرها عام 2000، وكان يمضي فيها فصل الصيف، مشاركًا أبناءها لقاءاتهم الثقافية ومناسباتهم الاجتماعية.
وكان حضوره في المجالس لافتًا، لما امتاز به من معرفة واسعة، وقدرة على تحليل الأحداث وصياغة الأفكار. وفي إحدى الجلسات في الخيام، لخّص رؤيته إلى جانب أساسي من كتابة التاريخ اللبناني والعاملي، بالقول إن ما كُتب كان في معظمه «تاريخ زعامات وأحداث، وليس تاريخ شعوب وعوام».
وجاءت هذه العبارة خلال نقاش حول «الكشكول الخيامي»، وهو عمل توثيقي يضم أكثر من 750 صفحة، جُمعت فيه الإشارات إلى بلدة الخيام الواردة في كتب التاريخ والسياسة والسير الذاتية، إلى جانب صور وثائق وصفحات صحف تعود إلى النصف الأول من القرن العشرين.
شهادات في منهجه التاريخي والأدبي
تحدث في الندوة عدد من زملاء الراحل، بينهم الدكتور كامل مهنا، والدكتور عبد المجيد زراقط، والدكتور رامز الحوراني، والدكتور أحمد حطيط، ورئيس اتحاد الكتّاب اللبنانيين الدكتور أحمد نزّال.
واستعاد الدكتور عبد المجيد زراقط وصف السيد الراحل هاني فحص للدكتور بيضون بأنه يشبه «رائحة الجوري من بساتين بنت جبيل»، مشيرًا إلى أن داخل المؤرخ الكبير أديبًا لامعًا، استطاع أن يمنح الكتابة التاريخية أسلوبًا أدبيًا وبلاغيًا من دون أن يفقدها دقتها العلمية.
كما أشار إلى أن بيضون كان يردد مقولة المؤرخ الفرنسي لوسيان فيفر: «ليس المؤرخ من يعلم، إنما المؤرخ من يبحث»، في تأكيد دائم على أن التاريخ مجال للبحث والتدقيق، لا لتكرار الروايات الجاهزة.
ووصف زراقط الراحل بأنه «شاعر التاريخ الإسلامي»، لما جمعه في كتاباته من حس أدبي ورؤية تاريخية نقدية.
قراءة التاريخ بعيدًا عن رواية السلطان
من جهته، رأى الدكتور رامز الحوراني أن إبراهيم بيضون أحدث نقلة نوعية في كتابة التاريخ الإسلامي، مبتعدًا عن الروايات التي صاغها مؤرخون لخدمة أصحاب السلطة والمصالح.
وأوضح أن منهجه اعتمد على تحكيم العقل في تحليل الأحداث، وربط الأسباب بالنتائج، والبحث عن الإنسان الحقيقي خلف الوقائع التاريخية، بدل الاكتفاء بالألقاب والصور التي صنعتها الروايات الرسمية.
واعتبر أن هذا المنهج يقترب من رؤية ابن خلدون، حيث يكون الحدث التاريخي نتاجًا لما وقع فعلًا، لا لما يرغب السلطان في تثبيته في الذاكرة.
واستعاد الحوراني إحدى عبارات بيضون عن المقاومين الذين يستحقون عناء التذكر، لأنهم تصدوا لليأس بدمائهم، وأسهموا في حفظ الكرامة والحرية وما تبقى من الأحلام.
مؤرخ يحكم العقل لا الهوى
أما الدكتور أحمد حطيط، فوصف الراحل بأنه مؤرخ وهب حضوره لاستعادة التاريخ وتحويله إلى مشهد حي ينبض بالحياة.
وقال إن بيضون كان يحكّم العقل لا الهوى في كتاباته ومحاضراته، وكان منحازًا إلى الحقيقة المجردة، جامعًا بين جمال التعبير وصلابة المعلومة، وداعيًا باستمرار إلى إعادة قراءة التاريخ بمنهج يقوم على التدقيق والتمحيص.
كامل مهنا: رفيق الدراسة والعمل الاجتماعي
واستعاد الدكتور كامل مهنا علاقته الطويلة بالراحل، منذ سنوات الدراسة في جامعة غرينوبل في فرنسا، وصولًا إلى مشاركتهما في العمل الاجتماعي بعد العودة إلى لبنان، ولا سيما في انطلاقة مؤسسة عامل الدولية وتطويرها.
وتحدث عن ذكرياتهما المشتركة، وعن الروابط التي جمعتهما بهموم الخيام وبنت جبيل والعمل الطلابي والتطوعي، مختتمًا كلمته بعبارة مؤثرة: «لن أقول لك وداعًا ما دمت تسكن خافقي صباحًا ومساءً».
قامة علمية من جبل عامل
وفي ختام الكلمات، أشاد الدكتور أحمد نزّال بالدكتور إبراهيم بيضون، معتبرًا إياه قامة علمية وأدبية من جبل عامل، اتخذت من العلم طريقًا، ولم تستسلم للواقع، بل سعت إلى مستقبل مختلف وأكثر عدالة.
وفي نهاية اللقاء، وُزّع العدد السادس من مجلة اتحاد الكتّاب اللبنانيين، الصادر في نيسان 2026، والذي خُصصت شخصيته الرئيسية للمؤرخ والأديب الراحل إبراهيم بيضون.
المؤرخ والشاعر
لم تقتصر تجربة إبراهيم بيضون على البحث التاريخي، بل كان شاعرًا وأديبًا أيضًا. وقد وصفه الصحافي الراحل طلال سلمان بأنه «المؤرخ بأمانة القديس، والكاتب بدقة دوران الأرض حول الشمس، والشاعر الذي يكتب الشعر بماء عينيه».
ورغم هذه المكانة الشعرية، لاحظ بعض الحاضرين غياب قراءة نماذج من شعره، أو قصائد رثاء قيلت فيه، خلال الندوة، معتبرين أن الشعر كان جديرًا بأن يكون حاضرًا في تكريم شخصية جمعت بين التاريخ والأدب.
تساؤل عن غياب المجلس الثقافي للبنان الجنوبي
كما طرح عدد من الحاضرين تساؤلات حول غياب كلمة أو مشاركة باسم المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، ولا سيما أن الدكتور إبراهيم بيضون شغل لفترة منصب نائب الأمين العام للمجلس.
وقد شكّل مع الأمين العام الراحل حبيب صادق ثنائيًا فاعلًا أسهم في تطوير أنشطة المجلس وازدهاره، ضمن جيل عُرف بـ«الجيل المطوّر»، الذي تابع مسيرة الجيل المؤسس منذ إنشاء المجلس عام 1964.
إرث باقٍ في ذاكرة جبل عامل
ترك الدكتور إبراهيم بيضون إرثًا غنيًا في التاريخ والأدب والعمل الثقافي والاجتماعي. وعُرف بسعة علمه، وشغفه بالمعرفة، وأخلاقه الرفيعة، ووفائه لأصدقائه، ودقته في الإنجاز، واستعداده الدائم للعطاء.
ورغم الكلمات الكثيرة التي قيلت في تكريمه، بقي لدى من عرفوه شعور بأن شخصيته كانت أوسع من أن تُختصر في شهادة أو ندوة.
لقد حفر إبراهيم بيضون اسمه في الذاكرة الثقافية لجبل عامل، وبقي حضوره شاهدًا على مؤرخ لم يكتفِ بتسجيل الأحداث، بل سعى إلى فهم الإنسان الذي صنعها.
المهندس أحمد مالك عبدالله
(ناشط اعلامي وباحث بتدقيق وأرشفة تاريخ جبل عامل)




















الخيام | khiyam.com
تعليقات: