
الأستاذ فايز أبو عبّاس: كان الأحفاد، صغاراً وكباراً، يلتفون حول الجد والجدة.. وفي ذلك الزمان لم يكن التلفاز موجوداً، ولم يكن الأحفاد منشغلين باللعب على الهاتف المحمول!
قديماً، كيف كانت تعيش العائلة؟
كان الأب يجمع أبناءه حوله في منازل متداخلة ومترابطة، ولا يقبل أو يرضى أن يبتعد الولد عن بيت أبيه، خاصة في حالة الزواج وبناء عائلة جديدة.
كانت العائلة، واجتماعها وترابطها والتعاون فيما بينها، من أساسيات ومستلزمات الحياة في الأفراح والأتراح. وكانت تمتد هذه العلاقات وهذا التعاون إلى الجيران والحارات وأبناء البلدة الواحدة.
وكانت تتجسد هذه العلاقات التعاونية وروح التضامن في المناسبات، إن كانت دينية، مثل الاحتفالات وإقامة الشعائر، أو موسمية، ففي بداية أيام الشتاء كان يتم تجهيز البيوت والتموين وتخزين الغلال والأعلاف للحيوانات، إن كانت حلوبة كالأبقار والأغنام والماعز، أو حيوانات تُستخدم في الزراعة كالثيران، أو في النقل والتنقل كالحمير والبغال والخيول.
وفي أوائل الصيف، كان جني ثمار الأشجار ومحاصيل الحبوب ونقلها إلى البيدر، تمهيداً لدرسها وفصل الحبوب عن التبن والقشرة التي تغلفها.
من هذه المستلزمات الحياتية، كان الأب، الوالد، لا يرضى لأولاده إلا أن يكونوا حوله وبقربه، متعاونين على تسيير أمورهم وأمور عائلاتهم الحياتية.
فكان الأب، عندما يتزوج الابن، يبني له بيتاً بالقرب من بيته. والبيت في تلك الأيام كان عبارة عن غرفة ملحقة بالدار الواسعة والمطلة على «الحاكورة»، أي الحديقة الخلفية. وكانت هذه الغرفة عبارة عن صالون استقبال وغرفة نوم ومخزن للغلال، وحتى مكاناً للغسيل.
وكان ملحقاً بالدار فسحة للحيوانات صيفاً، حيث تُربط في أماكن مخصصة لها، أما في الشتاء فتكون في الزرايب الداخلية المقفلة، إلى جانب مخازن الأعلاف والتبن. وطبعاً، كانت هذه الحيوانات مشتركة بين جميع الأبناء، وحتى الأحفاد.
هذه، إجمالاً، صورة مصغّرة عن حياة القرى والبلدات في الريف اللبناني قديماً، مهما كانت أهمية ومقام رب الأسرة والأولاد.
وإذا كانوا من كبار القوم والمُلّاك، تختلف ظروف الحياة والعيش، لكن يبقى الجوهر واحداً، وهو الجمع والتعاون والتعاضد بين أفراد العائلة. أما الاختلاف فيحصل في أمور السكن وطريقة البناء وتوزيع أماكن الإقامة: الاستقبال، والمنامة، وتحضير الطعام والشراب، وخزن الغلال والأعلاف، وبناء حظائر الحيوانات.
وعند المُلّاك وأصحاب الأراضي والأملاك الأغنياء، تصبح الأمور مختلفة، فهناك الدور المخصصة للاستقبال وإقامة المناسبات، وهناك أماكن الحريم والمنامة، ولكل مهمة أو عمل مكان مخصص له.
أما بقية المواطنين، من فلاحين أو تجار صغار أو عمال وأصحاب مهن، كالبنّائين والنجارين والحدادين والخياطين والحلاقين والإسكافيين، وحتى البياطرة، فجميع من يتعاطى هذه المهن كانوا متقاربين في المعيشة والحياة من حيث السكن وتوزيع المهام، مع بعض الاختلاف في البيوت حسب الحاجة والظروف المعيشية.
ويبقى هناك أمر واحد مشترك، مهما اختلفت المهن والمواقع الاجتماعية، ألا وهو العلاقات الأسرية والحياتية والاجتماعية، وتحديداً علاقة الأب بالأسرة، وهي علاقة قدسية.
فالأب يُطلق عليه لقب «رب الأسرة»، وهذا اللقب بحد ذاته يفسر ويحدد العلاقة بين الوالد وأبنائه، وقدسية هذه العلاقة الاجتماعية.
منذ الولادة، أي ولادة الأبناء، وحتى الشيخوخة وكبر العمر بالنسبة إلى الأب الوالد، تبقى أهميته وسلطته واحترامه وخدمته محفوظة.
ويبقى السؤال:
في حالة التقدم في العمر ودخول رب الأسرة مرحلة الشيخوخة والعجز، ما هو موقف الأبناء من والدهم وهو في هذه الحالة؟
كان الأبناء، قبل الانطلاق صباحاً، كلٌّ إلى عمله، يزورون والدهم ويسألون عن أحواله وأوضاعه وحاجاته، بكل احترام وإجلال ووفاء وتقدير، ويطلبون منه الدعاء والرضا. ولا ينسون الوالدة ودعاءها السريع الاستجابة.
ثم ينطلقون إلى أعمالهم بعد الاطمئنان إلى سلامة أهلهم وتأمين جميع حاجات عائلاتهم وبيوتهم.
أما في المساء، فعندما تنتهي الأعمال والمهمات، يجتمعون مع الأهل والأقارب والزوار. وفي ذلك الزمان لم يكن التلفاز موجوداً، ولم يكن الأحفاد منشغلين باللعب على الهاتف المحمول!
بل كان الأحفاد، صغاراً وكباراً، يلتفون حول الجد والجدة، يستمعون إلى القصص والحكايات التي تروي مغامرات الشاطر حسن، وأبي زيد، والمهلهل، والزير سالم، وغيرها من القصص الرمزية الهادفة.
بينما يجتمع الكبار ويتحدثون في شؤون العمل والإنتاج والعلاقات الاجتماعية بين أبناء البلدة.
أما اليوم...
الكِبَر يعني أن تعيش وحيداً..
هو أمرٌ تراه جديداً
فقدتَ أصدقاءَ، رفقاءَ...
زملاءَ... وكلٌّ تبديداً
تشكو الوحدة والعزلة
لا تجد من ذلك مفيداً
تنام، تستيقظ، ترى الجدران
وأثاث البيت تبديداً
أيها الإنسان، لا تغرّنّك
الحياة جمالاً ومواريداً
هي الإغراء، وما قدّمته
من مباهج ولهوٍ تحديداً
غداً، عند الشيخوخة، ترى
كيف كنت لا ترى المفيدا
كأنك عايشٌ أبداً، لا تنظر
إلى غدٍ غائبٍ تمجيداً
في الصغر حولك الناس
تهليلاً، دعاءً وتمجيداً
في الكبر شيخوخة بلا أمل
في الصغر غناءً وتغريداً
وتبريكاً ونشراً للفرح
توزيعاً، وللحياة ترديداً
للزغاريد، خيراً منتظراً
وحياةً، زهواً وتمجيداً
الأستاذ فايز أبو عبّاس
الخيام | khiyam.com