
الأستاذة هيام إبراهيم في وسط الصورة حاملة العلم اللبناني - خلال إحدى الوقفات في اسبانيا دفاعاً عن الجنوب اللبناني
يوم لا يُمحى من الذاكرة
يبقى تاريخ 23 أيار 2000 يوماً لا يُمحى من الذاكرة، يوماً عظيماً وتاريخياً يصعب وصفه بالكلمات. كان يوم فرح كبير لأهل الجنوب عموماً، ولأهل الخيام خصوصاً.
منذ ساعات الصباح، كانت وسائل الإعلام تتحدث عن قدوم الصليب الأحمر لإخلاء الأسرى من معتقل الخيام. وبدأ الناس يتوافدون من معظم القرى المجاورة، ولا سيما العائلات التي كان لها أسرى في المعتقل.
وقفنا ننتظر على جوانب الطرق وأمام المنازل، فيما كانت النسوة قد جهزن الأرز والورود لنثرها عند خروج الأسرى. وطال الانتظار؛ كان البعض يدخل منزله لقضاء حاجة ثم يعود مسرعاً، خوفاً من أن تفوته تلك اللحظة التي انتظرها الجميع طويلاً.
عندما قرر الأهالي ألا ينتظروا
لكن حماسة أهل الخيام ونخوتهم لم تسمح لهم بالمزيد من الانتظار، ولا بانتظار تدخل منظمات أو جهات رسمية. انطلقت المبادرة من الناس أنفسهم، وتحدوا العملاء وقرروا التوجه نحو المعتقل لتحرير الأسرى.
وفجأة بدأ الناس، نساءً وشباباً ومن مختلف الأعمار، يركضون باتجاه المعتقل.
كنت أقف أمام منزلي، وما إن رأيت الناس يركضون حتى تركت الأرز على الأرض، وانطلقت معهم باتجاه المعتقل.
وفي الطريق، لفت نظري شخص أعرفه، صحفي من بلدة القليعة يحمل كاميرته ويقف بالقرب من محطة جمعة، مترقباً اللحظة لتوثيق الحدث.
أمام بوابة المعتقل
عندما شاهد العملاء هذا الكم الكبير من الناس وهذا الحماس المتدفق، دبّ الخوف في نفوسهم. وطلبوا التفاوض مع أحد وجهاء الخيام لضمان عدم التعرض لهم أثناء انسحابهم.
وعندما وصلنا إلى البوابة الخارجية للمعتقل، ارتفعت أصوات الناس بالتكبير والهتاف. وبدأ العملاء بالانسحاب تدريجياً بسياراتهم، وهم يطلقون النار في الهواء في محاولة لإخافة الأهالي.
وفي تلك اللحظات رأيت ابن أخي، وكان عمره نحو تسع سنوات، يركض بين الناس. خفت عليه كثيراً وطلبت منه أن يعود إلى المنزل، فأجابني: «لأ». فقلت له أن ينبطح أرضاً حين يسمع الرصاص.
وفي تلك الأثناء، اتصل شاب من أبناء الخيام، بدافع من نخوته الوطنية، بإذاعة النور وأخبرهم بأن أهالي الخيام اقتحموا المعتقل لتحرير الأسرى، من دون انتظار أي جهة رسمية.
كسر الأقفال وفتح الزنازين
دخلنا المعتقل، وبدأ الشباب بكسر الأقفال وخلع الأبواب، فيما كنا نركض بين الغرف والزنازين بحثاً عن الأسرى.
وأثناء ذلك، لفتت انتباهي امرأة تقف خلف نافذة إحدى الغرف، فسألتني:
«ماذا يحصل؟»
قلت لها: «تحررنا!»
فأمسكت بيديّ الاثنتين وأدخلتهما من النافذة وحاولت تقبلهما.
وبالقرب مني، طلب مني بعض الشباب أن أبتعد عن أحد الأبواب كي يتمكنوا من خلعه. وبعد فتحه خرجت ثلاث أو أربع أسيرات. اندفعت إحداهن نحوي تقبّلني، فيما خرجت أخرى من دون حذاء.
وكانت امرأة ثالثة تسأل بلهفة: «هل خرج جميع الأسرى من هنا؟ زوجي وابني هنا»، ثم راحت تركض بحثاً عنهما.
البحث عن الأستاذ محمد يعقوب
أما أنا ومن كانوا معي، فواصلنا البحث عن زميلنا المعتقل الأستاذ محمد يعقوب، الذي كان يدرّس معنا في المدرسة الزراعية.
وجدناه في آخر غرفة، وكان من آخر المعتقلين الذين فُتح لهم الباب.
وعندما رآني، فوجئ وقال:
«إنتِ هيام؟ مش مصدق عيوني!»
ثم خرجنا جميعاً من المعتقل.
الزغاريد والأرز والورود
على جانبي الطريق كان الناس متجمعين يهتفون، وارتفعت زغاريد النساء، وبدأ نثر الأرز والورود احتفالاً بحرية الأسرى.
بعد ذلك، طُلب من الجميع التوجه إلى حسينية البلدة، حيث بدأ إحصاء الأسرى والعمل على توزيعهم على المنازل، حتى لا يغادروا الخيام في ذلك الوقت.
وفي باحة الحسينية كان عدد من العملاء جالسين، مذلولين وخائفين، ومع ذلك لم يتعرض لهم أحد.
ومع حلول الظلام، بدأت الناس تعود إلى منازلها بعد نهار طويل لا يشبه أي نهار آخر.
أسيران في منزلنا
كان نصيبي أن أستضيف اثنين من الأسرى. اصطحبناهما إلى المنزل، وبدأنا بإعداد طعام العشاء.
كنا جالسين على الشرفة عندما بدأ القصف الإسرائيلي يسقط حول بلدة الخيام، فدخلنا إلى المنزل.
وبعد قليل، طُرق باب البيت، وطُلب منّا إخراج الأسيرين ليتم نقلهما إلى خارج الخيام.
الخيام تستقبل أبناءها من جديد
في اليوم التالي، بدأ أبناء الخيام يعودون إلى بلدتهم من كل الجهات، من البقاع وبيروت وغيرها، وعمّت الاحتفالات في كل مكان.
وأصبح معتقل الخيام بعد التحرير مقصداً للزوار، يأتي الناس إليه ليروا المكان الذي حمل سنوات طويلة من الألم والقهر، قبل أن يشهد ذلك اليوم لحظة الحرية.
لحظة ما زالت تعيش في داخلي
هذا ما شعرت به، وما رأيته وعشته في ذلك اليوم، ومع ذلك اختصرت الكثير، فهناك تفاصيل لا يمكن للكلمات أن تحتويها كلها.
كان بالنسبة إليّ يوماً عظيماً وتاريخياً بكل معنى الكلمة. وحتى اليوم، كلما تحدثت عنه أو تذكرته، أشعر أن جسدي يرتجف من شدة التأثر.
تلك اللحظة ما زالت حاضرة في داخلي، وكأنني أعيشها الآن.
وفي الختام، لا يسعني إلا أن أقول: إن شاء الله يفرّجها الله علينا، ونشهد التحرير مرة أخرى، ونعود إلى بلدتنا ونحن أحياء ونكون حاضرين في ذلك اليوم الموعود.
وكل تحرير وأنتم بخير.
المربية هيام محمد إبراهيم - سالامانكا، اسبانيا
https://chat.whatsapp.com/Gr7cCPCJP0vFWSpf1chE5N

ما إن رأت الناس يركضون حتى تركت كل شيئ وانطلقت معهم باتجاه المعتقل
الخيام | khiyam.com
تعليقات: